This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information
مشردون على قارعة الطريق: عرضة للاضطهاد ومشاريع للجريمة
13/05/2008
بغداد - حارث الخضري- الصباح
يمثل زيد - بالطبع لا يمكن تأكيد الاسم- نموذجا مما اعتدنا تسميته "أطفال الشوارع". الصبي لم يتجاوز التاسعة من عمره بملابس رثة لم تغسل من أمد طويل يبيع قطع العلكة على الجالسين في احد مقاهي الكرادة. مقابل ألف دينار تستطيع سماع حكايته كاملة. يروي بائع العلكة كيف نشأ في منطقة البتاويين التي تعتبر واحدة من أهم مراكز المهمشين في العاصمة، سجن أبوه منذ سنوات اثر مشاجرة مع جار لهم ، أمه تمتهن بيع التبغ من اجل توفير الطعام لثلاث بنات أخريات. قبل ان يستدير مودعا أكد زيد انه طالما تمنى ان يكون في المدرسة ألان. سواء صدقنا زيدا أو رفضنا قصته، تبقى ظاهرة أطفال الشوارع جديرة بالاهتمام. الكثير من الدراسات تشير الى زيادة في أعداد الأطفال الذين يمتهنون التسول وبنسب لافتة، بعضهم اجبره الجوع على ذلك، آخرون رضخوا لهيمنة من هم اكبر سنا. ظاهرة قديمة أكاديميون أكدوا ان الظاهرة تعود في جذورها الى مطلع تسعينيات القرن الماضي، لاسيما بعد حرب تحرير الكويت وفرض الحصار الاقتصادي على العراق. دراسة أعدها عدد من الباحثين العراقيين عن الأطفال المشردين، نشرت قبل سنتين وعرضت في إحدى ندوات المنظمة العربية للتنمية الإدارية، أشرت كيف ساهمت سياسات النظام السابق في توسيع رقعة الظاهرة، فقد ادت ممارساته الى انتشار الفقر بين الناس. كان ربع العراقيين، أيامه، يعيشون تحت مستوى خط الفقر.اوضحت الدراسة كيف ظهر أكثر من ثلث الأطفال المتسولين خلال الأعوام 91-98. وكانت اليونيسيف قد قالت ان صدام رفض لسنوات الاعتراف بوجود ظاهرة أطفال الشوارع، وحتى عندما اعترف بها منع المنظمات من تقديم المساعدة. حجم الظاهرة دعا المنظمة الأممية إلى الإعلان بداية العام 2006 عن مشاريع للمساهمة في معالجة هذه المشكلة. الوضع الأمني فيما بعد حد من قدرة الجهات الحكومية والمنظمات المختصة على ايجاد الحلول الناجعة ما أدى إلى تفاقم الظاهرة. ساهم في هذا الازدياد المضطرد للتشرد بين الاطفال عمليات التهجير التي طالت العديد من العوائل في مناطق مختلفة وبالتالي فقدانها مصادر اعالتها. اليوم لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الأطفال المشردين في الشوارع لكن الواقع المشاهد يؤكد كبر حجم العدد. البحث حيث النفايات! وسط الكرادة ، بالقرب من مبنى المسرح الوطني، يقع مبنى شبه مهدم كان في الماضي واحداً من أفخم مباني العاصمة. انه مبنى قيادة الدفاع الجوي. بعد الحرب الأخيرة مباشرة تعرضت البناية إلى عمليات نهب رهيبة. ما تبقى من المقر العسكري اتخذه عدد من العوائل محلا للسكنى فيما بعد. من بين هذه الأسر، أسرة أم زينب، الاسم مستعار لضرورات اجتماعية، توفي زوجها اثر حادث تفجير سيارة مفخخة مخلفا ثلاثة أبناء أصغرهم لم يكمل العام. تسكن المرأة واطفالها إحدى غرف المبنى مع اقرباء لها، وتضطر لبيع مشروبات غازية بالقرب من المنطقة بينما يسرح ابنها البكر "علي " الذي تجاوز الثامنة قبل فترة في أزقة المنطقة باحثا عن علب المشروبات الفارغة. الولد لا يفهم معنى مدرسة، بالمقابل الأم لا تعرف معنى مفردة مستقبل. عندما تحاول تبادل الحديث معها لن تحصل إلا على عبارة: "أريد أن أعيش ". علي وقبله زيد ليسا استثناء. في ظل ظروف صعبة، اعداد كبيرة من الاطفال تعيش احوالا مماثلة. بعضهم يضطر للبحث عن ما يسد جوعه بين حاويات القمامة،اخرون يفضلون اشارات المرور. هذه الحقيقة تعني ان في الطريق اثارا سلبية قادمة. ألغام مؤجلة من جانبهم، يؤكد خبراء في مجال تنشئة الأسرة والطفل خطورة الظاهرة .الأطفال المشردون طالما كانوا عرضة سهلة للاضطهاد والعنف ومن ثم الاستغلال البشع. مجموعات إرهابية استفادت من اطفال الشوارع في تنفيذ عمليات إجرامية مرعبة. على صعيد آخر، يسبب هؤلاء الأطفال مشاكل عديدة للمواطنين فمنهم من يسرق أو يرتكب جرائم صغيرة. السيدة ابتهال موسى واحدة من المهتمات بقضايا الطفولة وناشطة ضمن منظمات المجتمع المدني، أشارت : " هؤلاء الأطفال يمثلون مشاريع جاهزة للجريمة لا تحتاج سوى من يحفزهم. وعلى الجميع من مسؤولين ومهتمين تحمل مسؤولياتهم تجاه المشكلة". مؤكدة عدم اقتناعها بمنطقية وجود طفل مشرد في العراق على اعتبار البلد واحد من أكثر البلدان غنى في المنطقة. بينما يرى الدكتور حيدر عبدالخضر، اختصاص علم نفس، هذه النوعية من الاطفال بيئة مناسبة لانتشار المخدرات والافعال الشاذة ويضيف: " انهم موجودون بيننا للاسف..لا توجد جهود حقيقية من اجل انقاذهم ..اوضاعهم وتصرفاتهم ستؤثر حتما على ما حولهم من ناس." حاولت الحكومة التخفيف عن هذه الشريحة باستخدامها طرقا وآليات تهدف الى ايصال المساعدات المالية الى المستحقين، ذلك عن طريق هبات وزارة الشؤون الاجتماعية. لكن العديد يشككون في قدرة هكذا اعمال على المساهمة في القضاء على الظاهرة. يرجعون شكهم الى قلة الاموال الممنوحة وايضا الى الروتين الذي يقف عائقا امام وصول المساعدات الى مستحقيها رغم تأكيد العديد على حجم الجهد المبذول في سبيل التخفيف عن البعض. وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كانت قد اطلقت، ضمن خطوات تهدف الى تقليل معاناة العوائل الفقيرة، مشروع شبكة الاعانة الاجتماعية الذي قوبل بارتياح كبير من قبل المواطنين. بالمقابل اشر عدد من المعنيين كيف ان المشروع بدا بسيطا في امكانياته، فالحد الاقصى للمنح لا يتجاوز الـ 120 الف دينار شهريا للعائلة. يرى مواطنون، اننا فيما لو اخذنا اسعار السوق بالاعتبار، فالمبلغ لن يقدم شيئا. مشهد اخر يبزغ كل صباح ابطاله صغار يعملون في تنظيف شوارع العاصمة مرتدين (يونيفورم) خاصاً بعمال امانة بغداد، ويبدو ان هذا المشهد واحد من الحلول المفترضة لحماية الاطفال من التشرد، رغم اعتراض الكثير على قضية اقحام الصغار في اعمال لا تتناسب مع اعمارهم كونهم اطفالا. يجد مواطنون ان من اهم واجبات الحكومة الوصول الى حلول ناجعة من اجل حماية الاطفال من الانزلاق في متاهات ليس لها آخر مع الحرص على عدم حرمانهم من طفولتهم. قد لا يعرف زيد وعلي انهم يمشون على واحدة من اكثر الاراضي غنى وان دولتهم تمتلك واحدة من اكثر الميزانيات ضخامة في المنطقة، لكنهم يعون حتما وجود فارق كبير بينهم وبين اطفال اخرين. وان عليهم التفكير في طريقة لتمضية اليوم بسلام. بالمقابل ينبغي ان نسأل انفسنا: اترانا استطعنا استيعاب ماذا تعني صورة ذلك الطفل المشرد الجائع وهو ينام على الرصيف المقابل لنا.. ربما!