بغداد- سعاد البياتي- الصباح
ذات مرة كنت ضيفة عند احدى القرى العشائرية اي جل افراد عائلاتها تنتمي لعشيرة واحدة.. قرية واسعة تحل فيها الحداثة نوعا ما.. وتركن عند اطراف العاصمة بجمال ساحر.. لكن اشد ما احزنني اعداد المعاقين فيها كبارا وصغارا والسبب الذي يدركه الجميع من وراء ذلك هو (زواج الاقارب) الذي يحدث بينهم عادة ويتكرر بين عائلاتهم يوجد في هذه القرية ما يقارب (15) معاقا باعمار تتراوح بين (40 وسنة- واحدة) وفيها عائلة تضم ثلاثة اشقاء معاقين.
هنا استوقفتني هذه الحالة ورحت ابحث عن مسبباتها واردت اولا الاستماع اليهم فكان هذا التحقيق.
زواج شبه إجباري
يصف احد وجهاء هذه العشيرة وحسب ما عرف طبيا ان الزواج الذي يحدث بين عائلاتهم ويقصد به زواج ا بناء العم من بنات العم او ابن الخال من بنت عمته عموما هو زواج الاقارب، وقد تحدث فيه حالات وراثية تؤثر في الاطفال الذين يولدون، ويقول انها عادات وتقاليد عشيرتنا هكذا، اذ لا تخرج الفتاة خارج نطاق العشيرة واذا احب الرجل الزواج فيختار واحدة من بنات القرية فنحن عشيرة معروفة ولا نحبذ دخول غريب بيننا وطبيعة حياتنا ريفية وبناتنا ورجالنا كثيرون، قد يأتي الغريب ويفرق كل ماهو جميل.. او قد لا ينسجم معنا (راحة بالنا اهم من اي شيء)!
ضحايا ولكن!!
تزوجت (ع.ع) من ابن عمها منذ عشر سنوات هكذا دون مقدمات اقصد دون اية علاقة حب، (فقط) طلب وقبول من قبل الاهل هما ابناء عم ولا يمكن رفض ذلك، انجبت طفلها الاول بصحة جيدة.. انجبت الثاني اكتشفوا بعد مدة انه مصاب بشلل دماغي وشيئا فشيئا اصبح معاقا تبعته شقيقته التي ولدت سليمة ثم بدأ العوق يظهر فيها منذ السنة الثانية، بدأ بحول بسيط ثم بطء حركة الاطراف السفلى الى عوقها التام (هي الان في عمر خمس سنوات)!!
شاب آخر تزوج من ابنة عمه ايضا انجبت له ثلاث بنات اصحاء وصبياً.. مبتور اليد وتشوهاً واضحاً في الوجه (اشرم).
يقول هذا الشاب سابقا كنا لا ندرك اضرار استمرارية هذا الزواج المتقارب ومن ثم هم يصرون على اهمية عقده رغم بعض مساوئه.
شعور بالذنب
وهكذا تستمر مآسي الاطفال المعاقين في هذه العشيرة ولا يمكن حصرها جميعا او الحديث عنها.
(سلمان شكر) والد احد المعاقين عبر عن شعوره بالذنب عندما يولد طفل مصاب بمرض وراثي ويقول دائما اردد بانني السبب في ذلك لزواجي من احدى قريباتي، قد يكون هذا سبباً ولكن الاطباء اكدوا لي ان احتمال الاصابة قليلة اذ يوجد في عائلتنا زيجات متقاربة في الارحام وليس بين اطفالهم معاقون.
الدكتور (علاء حسين) اوضح لنا اضرار هذا الزواج وتأثيراته بالقول:
ان زواج الاقارب من بعضهم البعض يزيد من نسبة حدوث الامراض الوراثية بشكل عام ولكن لا تصل هذه النسبة الى مائة بالمئة.
ولو نظرنا الى اولئك الاطفال الذين يولدون من ابوين ربطهم قرابة فان نسبة حدوث العيوب الخلقية لديهم تصل الى 4 بالمئة وفي اقصى الاحصائيات تصل الى 6 بالمئة كما ان اكثر الامراض شيوعا بين مواليد المتزوجين من اقاربهم هي الامراض التي يطلق عليها الامراض المنقولة عن طريق الوراثة المتخية وهو انتقال موروثات غير سليمة من احد الاجداد المشترك بين الابوين وينتقل هذا الموروث غير السليم من ذلك الجد الى ابنائه ثم الى احفاده واذا تزوج هذان الحفيدان من بعضهما البعض فان كل واحد منهما قد يعطي النسخة غير السليمة لاحد ابناءه عند التخصيب مما يؤدي حدوث مرض وراثي ويؤكد الدكتور (علاء) على ان الامراض التي تنتقل بالوراثة المتنحية لا تكون نسبة تكرر المرض في العائلة 100 بالمئة اطلاقا ولكن تصل الى نسبة 25 بالمئة في كل حمل.
تحاليل غير كافية
هذا ليس كافيا من منع اثنين ينتمون الى صلة قرابة وبينهما علاقة طيبة من الزواج وانجاب الاطفال ولكن يفتقر مجتمعنا الى وحدة طبية خاصة بالمتزوجين للكشف عن الحالات المبكرة قبل الزواج او لتسلم معلومات طبية عن المتزوجين الجدد وتاريخ العائلة الطبي ليكشف عن هذه الحالات بدقة وصراحة، فالذي يحصل هنا انهم يكتفون بتحليل بسيط تذكر فيه نسبة التوافق في الدم وفصيلته فقط وربما لا يجرون هذا الاختبار اصلا، هذا ما اكده لي المحلل المختبري (سليم عز الدين) قائلا: اكثر المتزوجين وخاصة الجدد حينما يطلب منهم بيان فحوصات مختبرية للدم لا يعيرونها الاهمية المطلوبة فقد يتم عقد قرانهم عند احد الشيوخ او السادة ويتزوجون وبعدها يصدق العقد، وفي هذه الحالة يكون الزواج قد تم فتهمل قضية الفحوصات وقد لا يجرونها ابدا بل تملأ الاستمارة الخاصة بفحص الدم بمعلومات وهمية وتوقع من قبل المركز الصحي لفحص الدم، وفي بعض الاحيان يتولى المحامي اجراء جميع مستلزمات عقد الزواج ومن ضمنها اختبارات الدم فيأتي بها جاهزة وموقعة من قبل جهات صحية يتعامل معها!!
أهداف واضحة
كان العرب في الجاهلية يؤثرون الزواج من نساء الاسرة او القبيلة (خاصة من بنت العم) لانه كان يشد اواصر الاسرة ويحفظ ثروتها ولكن الاسلام حث على الزواج من الاغراب لتحقيق غايتين اساسيتين الاولى هي ربط الاسرة بالنسب فتخف بذلك حدة العصبية القبلية والثانية تجديد الدم في النسب، فان حصر الزواج بالاقارب يخمد نشاط الخلايا الدموية فيضعف النسل لذلك كان رسول الله (ص) يحث على الزواج من الاقارب ويقول (اغتربوا لا تضروا) اي تزوجوا في بعاد الانساب وذلك لتجديد الدماء ولتلافي مخاطر الامراض الوراثية.
وهنا نلتفت الى ان هناك هدفاً واضحاً ومحدداً قد يكون من زواج الاقارب كأن يكون لحماية الثروة وهذا يتضح في الغالب عند العوائل الثرية والمعروفة بثرائها فهي تحبذ زواج ابنتها او ابنها من بنت او ابن عمها او عمته حفاظا على اموال العائلة من ان تتسرب خارج نطاق الاسرة.. اذن هو هدف مادي ليس الا وليس بهدف الحب والاختيار وقد يترتب على هذا الزواج بعض الفشل والحسرة لانه مبني على هدف محدد.
بعيدا عن الحب
اذكر ان كانت لي صديقة ايام الدراسة من عائلة ثرية جدا احبت شابا جامعيا متوسط الحال وارتبطت معه بعلاقة جيدة ووعود بالزواج وما ان اخبرت عائلتها بذلك حتى رفضا الجميع زواجها واصروا قبل ان تكمل مشوارها الجامعي على تزويجها من ابن عمها الذي تقول انه يصغرها بسنتين ولا تميل له بادنى مشاعر غير القرابة فتزوجته فساءت حالتها النفسية وكادت ان تصاب بكآبة شديدة بعدها تركت الجامعة وسافرت مع زوجها وانقطعت اخبارها.
هي واحدة من الكثيرات والكثيرين الذين يؤثرون بقاء الثروة داخل محيط العائلة بعيدا عن هواجس الحب والوفاء التي قد تنعقد مع الاخرين.
عيوبه أكثر من مزاياه
الاختصاصية الاجتماعية (ندى احمد الهاشمي) ترجع اسباب زواج الاقارب الى صغر السن عند الزواج وما يصاحبه من عدم النضج العاطفي وانفراد الاباء بالقرار وتمسكهم بالعادات والتقاليد، وتنتشر ظاهرة زواج الاقارب اكثر في المناطق الريفية او المناطق التي لازالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها القديمة.
مساوئ الزواج
وتوضح الهاشمي ان لزواج الاقارب مساوئ صحية عديدة حين تنتج عنه امراض جسدية وعقلية خطيرة على الاطفال بسبب اختلاف الجينيات الموجودة بينهم، اما ايجابياته فتوضح رغم بساطته الا انه يعد احيانا نوعاً من انواع الزيجات الناجحة نظرا للتقارب الطبقي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، اي ان يكون هناك نوع من التجانس والتقارب والتكافؤ فيما بينهم حيث يعرف احدهما الاخر ويمكن ان تحدث حالة من الارتياح والانسجام وربما التنازل عن بعض المفروضات على الزواج وتحمل صعوبة ما قد يمر في حياتهما الزوجية من معوقات قد تذوب بفعل القرابة وصلة الرحم.
ولكن ومازال الحديث للاختصاصية ان زواج الاقارب اجباريا قد يصاب بالفشل الذريع لعدم حرية الاختيار والاحساس بالقهر والغصب من الطرفين فتتصدع العلاقة وتنهدم بفعل التراكمات العائلية التي ارادت لهذا الزواج ان يستمر بطريقة ترغبها هي.