This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

وجدن في أرصفة عمان مكانا لكسب لقمة العيش: مــهــجــرات يــحــلــمــن بـالــعــودة الى الــوطــن
07/10/2008

 

 


عمان - عبدالجبار العزاوي- الصباح
عيناها ترنو نحو المشرق، وهي تصب ماء الوضوء على جسدها حيث تولّي وجهها شطر المسجد الحرام مؤدية فريضة الفجر، وتمتمات دعائها الهامسة بأن يعجّل الله عودتها الى الوطن بعد أن أبلت عباءتها الأيام المتوالية وهي تكد على لقمة العيش المؤقتة في محطتها بعمان على أمل أن يرق لها قلب من اغتصب دارها وجعلها فريسة الغربة، حتى تعود إليه معززة مكرمة.
مع أول ارتفاع الشمس تتوجه الحاجة ام شهاب بعدتها مغادرة غرفتها المتواضعة الى قاع عمان لتفترش الرصيف، لتبدأ معناة يوم جديد.بسطتها عفى عليها الزمن.. ووجهها خريطة تحلق بك الى ذكريات واحداث عايشتها بحلوها ومرها انها الحاجة الستينية ام شهاب، تجاهد وتعمل لأجل لقمة العيش. انزوت ببسطتها على واحدة من أرصفة "وسط البلد"، متخذة زاوية لعرض بضاعتها المكونة من سكائر وقداحات و"علج ماي" وأقلام، مستعرضة البضاعة على علبة كرتون متهرئة و"كيس" لحفظ بضاعتها من عوادم السيارات وغبار الطريق وأعين رجال البلدية، فمنذ ساعات الصباح الباكر وتحت أشعة الشمس الحارقة حتى غروب الشمس تعمل ام شهاب ببسمة وفرح رغم التعب الذي بدا واضحا عليها لدى حديثها معنا . منذ قدومها إلى الأردن قبل أكثر من سنتين ، والحاجة تشق رحلتها مع الصعاب، لتبدأ يومها وعملها ببيع المارة من هنا وهناك لجمع قوتها، فعندما تحدثت معها بدأت بالقول "ماكو شي زين الوضع سيء " .
تجني أم شهاب ما يقارب عشرة دنانير يوميا، نصفها لمصاريفها، والنصف الآخر لشراء بضاعة يوم جديد، "أبيع السكائر فرط بـعشرة قروش ، والربح ثلاثة قروش فقط". وتضيف " أحاول أن أدفع أجرة منزلي التي تصل إلى 50 ديناراً شهريا". تشعر بالتعب والإرهاق لجلوسها مقرفصة بجانب بسطتها يوميا، ومن روائح عوادم السيارات التي تتسبب لها بمشاكل صحية جمة، لكن ليس باليد حيلة تقول: " غصبن عني، ما يجبر على المر إلا الأمر منه، أنا الوحيدة التي اصرف على عائلتي في العراق " ، تثابر على العمل والحصول على الرزق يوميا ، حتى في أيام الشتاء والبرد القارص تتخذ أم شهاب نفس الزاوية لبسطتها ولكن مع بعض الحلول تقيها وتقي بضاعتها من الامطار "  .
تضيف أم شهاب : في الشتاء أضع شمسية واختارالمكان المناسب و المحمي لي ولبضاعتي ولا أتوقف عن العمل رغم الشتاء لأنني أريد العيش ".
- ظروف معينة
قصص كثيرة لنساء عراقيات يحاولن العيش في ظل الظروف الصعبة، ورغم قلة المردود المادي، فأم احمد تعمل يوميا في وسط المدينة على بسطة، وتعاني من مرض القلب، متحدثة بصوت متهدج من التعب والإرهاق، وتنصب ( كرتونة) لتقيها حر الشمس معلقة على أربعة أعمدة أكلها الصـــدأ، ولا تحصل على مردود مادي يكفيها ويكفي ضريبة تعبها، تقول:  "أبيع لأني أريد ان أعيش أريد الطعام، لا احصل في اليوم سوى على أربعة دنانير ، لا أجني الا القليل، وما اجنيه اشتري به بضــــاعة جديدة ".
أما الحاجة  أم كاظم فلا يختلف حالها عن حال زميلتها في مهنة البيع على البسطات، وقد أتت إلى الأردن مع زوجها هربا من القتل والدمار الذي أتى على كل شيء ، وزوجها كان يعمل ويساعدها في المصروف اليومي إلا ان يد أمانة عمان طالته وأوقفته عن العمل، ولديها ولد واحد  تركته في العراق ، تقول: " اجني في اليوم ما يقارب 3 إلى 4 دنانير  من بيع السجائر وصبغات الشعر وقداحات وفراشي أسنان". تشتري أم كاظم بضاعتها من التاجر بمبلغ بسيط والربح الذي تحصل عليه 10 قروش فقط. وتتابع : "لا تكفي هذه النقود لمصروفنا اليومي، واعمل منذ الصباح حتى المساء، واشعر بالتعب والإعياء الشديدين وبألم في قدمي ما يضطرني لزيارة الطبيب من فترة إلى أخرى، ليس لدينا مصدر آخـر نعتاش عليه غير العمل على البسطة "

وضعها كان أفضل في العراق ورغم معاناتها اليومية في تحصيل لقمة العيش، تقول: "في الأردن نعيش بأمن واستقرار أفضل من العراق، وهربنا من الظروف والأوضاع الصعبة في العراق من قتل ودمار وتشريد".
- حملات تفتيش
لكن الوضع الأمني اليوم أفضل بكثير
- صحيح ما تقوله ، ننتهز فرصة العودة ، العتب عليكم أنتم الإعلاميون تبرزون الجوانب السلبية ولاتسلطون الضــوء على الإنفـــراج الأمني .
بعض النساء العراقيات العاملات على البسطات يتعرضن إلى حملات تفتيش من الأمانة والشرطة، وفي بعض الأحيان تتعرض بضاعتهم للتكسير، ما يكبدهم خسائر مادية فادحة، " لكن يعاودن مرة أخرى بسط بضاعتهم تحديدا لظروفهم الصعبة ومن اجل لقمة عيشهم. الحاجة فتحية تعاني من مرض بالقلب ورغم مرضها تواظب يوميا على فرش بسطتها، آتية من جبل التاج إلى وسط المدينة لتبدأ يومها من الساعة السادسة صباحا حتى مغيب الشمس، لا احد يساعدها فزوجها متوفى ولا أولاد لها، متحدثة بسعادة "ظروفي أتعس من ظروف غيري ولكن الحمد الله على كل شيء، أبيع في بسطتي السجائر التي تعتبر أكثر استقطابا من المارة وأبيع أنواعاً عدة وكل نوع من السجائر بثمن منها: بدينار أو دينار وربع". وتتابع: "مصروفي ليس كبيرا واكلي وشربي لا يصل حد الدينار، وأجرة منزلي ادفعها شراكة مع مجموعة من النساء وادفع شهريا ما يقارب الـ 8 دنانير".
الحاجة أم فهد تعيل عائلتها المكونة من أربعة أفراد تعمل منذ الساعة التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء بحثا عن لقمة عيش تؤمنها لعائلتها "اقعد من الصبح حتى المساء وين بدي أروح، بدي أعيش".
فرغم معاناتها من قدميها فهي لا تنفك عن العمل والمواظبة على القدوم إلى وسط البلد، لأجل الحصول على ما يقارب الـ 4 إلى 5 دنانير. تتشابه أحوال العراقيات العاملات على البسطات، فغير هؤلاء النساء هناك مئات القصص والحكايا في وسط المدينة عن نساء عاملات على البسطات، ينتظرن قوت يومهن، لأجل الاستمرار في حياتهن المثخنة بعذابات الحنين الى وطن طالما احتضنهن بدفء.