This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

تضمين مكافحة الفساد في المناهج الدراسية ضرورة وطنية
10/02/2009

 

طارق الدباغ- الصباح
نشرت جريدة الاهرام المصرية في 782007 وتحت عنوان مكافحة الفساد.... مادة اساسية في المدارس الصينية - حيث ادرجت السلطات الصينية دروسا خاصة في مكافحة الفساد ضمن المناهج التعليمية في جميع المراحل في مدارس العاصمة بكين والتركيز على فضائل الاستقامة والمعايير التي يجب اتباعها والمنهج يحمل اسم (التعليم الامين).
وتعتبر التجربة الصينية في هذا المجال آلية فعالة في زرع قيم وثقافة النزاهة لدى الاجيال القادمة من طلبة المدارس وعند تحليل جرائم الفساد الاداري والمالي نجد ان الفساد ناتج عن انهيار منظومة القيم الاجتماعية في المجتمع، وقيم النزاهة تجمع اخلاقيات الوظيفة العامة وهي الامانة والاستقامة والكفاءة والمهنية اما الفساد فهو يتصمن خيانة الامانة والانحراف والجشع والطمع ويتم اشباع المصالح الشخصية الضيقة على المصلحة العامة.
ان الفساد سلوك ذاتي منحرف ناتج عن وجود خلل في شخصية المفسد وصفاته الاخلاقية في القيم الاخلاقية واساس ذلك هو تاصل صفات الطمع والجشع وحب المادة وممارسة سلوك الفساد تكون لاجل جمع الثروات المادية ومصدر هذه الثروات هو المال العام وعند التحليل الموضوعي لظاهرة الفساد فان ما تقدم يمثل الجانب الاول وهو الجانب الاخلاقي وهنا تهتز نظرة المجتمع الى قيم النزاهة في العمل الوظيفي ويستخف بهذه القيم ومما يتم الى سحقها تحت الاقدام لتطغي قيم الفساد وثقافته وعندها يتمتع المفسد بصفات حميدة تطلق عليه من الاخرين والراشي (كريم) والمختلس (شاطر) والنظرة تنحسر في الماديات فقط وهكذا تنحسر اخلاقيات الوظيفة العامة والمحرك الاساسي في سلوكيات الفساد هو الجانب المادي وهو الجانب الثاني لظاهرة الفساد وليتم جمع الثروات من سلوكيات الفساد على حساب الاخرين فلا حرمة ولا قدسية للمال العام وهكذا يتم الفساد عبر استغلال المواقع والمسؤوليات الوظيفية والحكومية والسلطة الوظيفية لدى المفسدين هي امتياز وفرصة ومصدر لجمع الثروات غير المشروعة في حين ان الشريعة والقوانين الوضعية تعتبر عملية ادارة الشان العام لافراد المجتمع تكليف وواجب قانوني ومسؤولية يمارسها المكلف بها مع الالتزام بالاخلاقيات التي ينبغي ان يسلكها الجميع.
ان الفساد الوظيفي لا يشكل خطورة كبيرة اذا كان نطاقه لا يتعدى مجرد الارتكابات الفردية الهامشية البسيطة وهو ما يعبر عنه الفساد العادي والصغير لكن الخطورة تكمن في حالة ما اذا اصبح الفساد متأصل ومتجسد في المجتمع وتصبح سلوكياته متقبلة من الجميع عندها يكون ظاهرة مقبولة اجتماعيا فهناك تقبل مجتمعي لهذه السلوكيات عندها تكون ثقافة النزاهة هي الطاغية في المجتمع على ثقافة الفساد وتتمثل بالحروب والازمات والمشاكل الاستثنائية التي تتعرض لها الدولة وما تفرزه من تخلف وتضخم وبطالة وجهل وانحدار خلقي نحو الاسوأ وكل هذه مولدات للفساد وعندها تصبح عملية مكافحة الفساد معقدة وليست مستحيلة ولكن تحتاج الى وقت طويل لاجتثاث الفساد بعد ان يتم تحجيمه اولا وهذا يتطلب جهود مهنية وتكاليف مادية.
وفي تلك العملية لابد من اعتماد آليتين في مكافحة الفساد وهما المعالجة القانونية والعقاب للمفسدين وهي معالجة الفساد عند المصب وحسم جرائم الفساد بالقانون ثم هناك الوقاية من الفساد قبل وقوعه وهذه تمثل المعالجة السابقة وهي معالجة الفساد عند المنبع وقبل وقوعه والوقاية تتضمن آليات وفعاليات مختلفة منها نشر ثقافة النزاهة في المجتمع.
وتمثل ثقافة النزاهة الهجوم المقابل ضد ثقافة الفساد وقدر تعلق الامر في الواقع العراقي نلاحظ ان الفساد تفشى بشكل سرطاني خطير وفي جميع المؤسسات الحكومية بالرغم من اعتماد مقومات الحكم الصالح والمضامين الديمقراطية في بناء النظام السياسي للدولة العراقية ولابد من استثمار هذا المناخ في ممارسة عملية اشاعة ثقافة النزاهة وهي عملية حضارية تتطلبها طبيعة المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد فهناك المؤسسات الدستورية وسيادة القانون والاعلام الحر والشفافية واستقلالية القضاء وكل ذلك يوفر ارضية مناسبة لاشاعة قيم النزاهة وسحق ثقافة الفساد.
وفي الواقع العراقي مؤشرات واقعية تشير وتحدد ان احد اسباب تفشي الفساد في الدولة العراقية ويعد في مقدمة تلك الاسباب هو انهيار النظام القيمي فهناك تقبل اجتماعي لانماط الفساد واجيال متعددة عاشت الحرمان والفقر والحاجة والتخلف والعوز وعدم توفر لقمة العيش الكريمة رغم ما تتمتع به البلاد من موارد وخيرات انعم بها رب العزة تبارك وتعالى عليها فاين الاموال والثروات التي ينبغي ان تجعل الاقتصاد العراقي قويا متعدد المصادر لا يعتمد فقط على النفط وادى ضعف وغياب المواطنة الحقيقية الى ان يصبح المال العام مال سائب فلا حرمة له والحرمة منصوص عليها في النصوص الدستورية والقانونية فقط، ولا حرمة له عند من يكون هذا المال عندهم امانة شرعية ووطنية ومما تتضمنه منظومة المواطنة هو ان يكون الوطن لدى ابنائه هو البيت وهكذا يعتبر الانكليز الوطن ويسمونه (home) البيت وهكذا ضعفت قيم النزاهة وابتعدت نسبة كبيرة عن صفات الاستقامة والامانة وسادت ثقافة الفساد.
ومع هذا الواقع الفاسد نحن بحاجة الى اشاعة قيام النزاهة وهذه ضرورة وطنية ومثلما الانتخابات والاصلاح والحوار والتسامح امور ضرورية لهذا الوطن فان النزاهة واشاعة ثقافتها ضرورة وطنية كذلك علما ان الامر (55) لسنة 2004 والخاص بتشكيل هيئة النزاهة اشار في القسم 1 (الغرض) الى ان تبادر هيئة النزاهة بتنفيذ برامج عامة لتوعية وتثقيف الشعب عن طريق تنمية ثقافة النزاهة في الحكومة والقطاع الخاص عبر البرامج العامة للتوعية والتثقيف وهذا ما اشار اليه كذلك القسم 3 من هذا القانون اما الفقرة التاسعة القسم 4 نصت على ان تقوم النزاهة بتوفير هيئة النزاهة برامج عامة للحكومة وللشعب العراقي للتثقيف والتوعية وتكون مناسبة لتنمية ثقافة النزاهة والاستقامة والشفافية وينبغي ان تعمل في سبيل تنفيذ ذلك ومع مسؤولين مختصين بالتعليم لاجل مناهج دراسية وطنية لتعزيز مفهوم النزاهة وبالرجوع الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2004 نجد ان نص الماده 113 الفقرة ج (مشاركة المجتمع) اشارت الى انه من ضمن التدابير التي يجب على الدولة الطرف والعضو في هذه الاتفاقية اتخاذها هو القيام بالانشطة الاعلامية التي تسهم في عدم التسامح مع الفساد وكذلك برامج توعية عامة تشمل المناهج الدراسية والجامعية علما ان العراق انضم الى هذه الاتفاقية وبموجب القانون المرقم (25) لسنة 2007.
وبناء على ذلك لابد من الشروع بحملة وطنية لاشاعة ثقافة النزاهة وعلى هيئة النزاهة تفعيل دورها التربوي في هذه العملية وان تكون سباقة الى تنفيذ هذه الآليات بما يعزز المصلحة العامة ويسهم في ترسيخ الحكم الصالح والفساد جرثومة تفترس هذه الاسس ولابد من تضمين المناهج الدراسية ولجميع المراحل مادة عن الفساد الاداري والمالي مع الاخذ بنظر الاعتبار طبيعة كل مرحلة دراسية علما ان المؤسسات التربوية لها مهمه تربوية وعملها يجب ان لا يقتصرعلى الجوانب التعليمية والاكاديمية فقط بل يجب ممارسة دورها التربوي قبل التعليمي وتضمين مادة مكافحة الفساد ضمن المناهج الدراسية منصوص عليه في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية وما احوجنا اليوم الى قيم النزاهة وحتى تتسلح الاجيال القادمة بثقافة النزاهة بما يعزز روح المواطنة والوطنية.

YouTube: iraqicf Shakiry Charity - Instegram Shakiry Charity - Tiktok
Charity Registered in 2006, No: 1115625
العراق
تأسست 2006 رقم التسجيل IZ70166

 

Tel: +44 (0) 7503 185594     للتواصل معنا
Unit 1, Freetrade House, Lowther Road, Stanmore, HA7 1EP, United Kingdom