دنيا الوطن
عاجل أمام الحكومة العراقية: الحلم الذي قتله الغرب وأخطاء صدام ..هل سيحققه (نوري المالكي) وهو التوأمة بين بغداد ودمشق؟
بقلم: الكاتب السياسي سمير عبيد
من طبيعتنا لا نذكر الأموات بسوء، ومهما كانت الاختلافات في الرؤى والأفكار، وأن الموتى لا يُحاسبهم إلا الله، ولكن من حق الأحياء التطرّق إلى مسيرة الموتى عندما يكونوا من قادة المجتمع والأمة، والهدف هو الإشارة إلى السلبيات أو الإيجابيات التي كانت في مسيرتهم وقيادتهم عندما كانوا أحياء وفي موقع المسؤولية، وليس بالضرورة من باب الاعتداء على كرامتهم.
ومن هنا نستطيع أن نثبت بأن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ومجلس قيادة الثورة في العراق، وحزب البعث العراقي ارتكبوا الخطأ التاريخي بحق الشعب العراقي وشقيقه الشعب السوري، وحتى بحق الشعب الفلسطيني ، وبحق الأمة العربية كلها، عندما قرروا الابتعاد عن دمشق، بل رفعوا شعار الخصومة والعداوة ولعقود، و كان يُنظّر من خلالها البعثيون في العراق، ومن خلال إعلامهم الحزبي والحكومي، ودوائرهم الأمنية بأن سوريا لا تختلف عن إسرائيل، وأن من يتجاوز الحدود سوف يشربون دمه أي السوريين، وأن من يتعامل مع سوريا مصيره الإعدام لأنه سيحاكم بتهمة الخيانة العظمى ، نعم هكذا كانوا يغسلون بأدمغة العراقيين في المدارس والجامعات والمؤسسات وبوحدات الجيش وغيرها.
وجميعنا يتذكر مسرحية الميثاق القومي في ملعب الشعب عام 1979 ،ومن ثم مسرحية المؤامرة ( مجزرة الرفاق) التي أدعوا من خلالها بأن النظام في سوريا كان يُخطط للإطاحة بالقيادة العراقية وتنصيب قيادة بأوامر سورية ومن خلال تنظيم سياسي سري وسط كبار البعثيين ، وبالنتيجة برروا لإعدام مجموعة كبيرة من القيادات البعثية في العراق، وكانت قيادات نزيهة ووطنية ( ولا ندري هل كانت بإملاءات أميركية وغربية أم أنها إملاءات نرجسية خاصة... فالعلم عند الله )
ولكن التحليل المنطقي يُثبت بأنها كانت بأوامر من واشنطن والغرب ،وكانت بمثابة الفصل الحقيقي الأول في عملية التخادم بين النظام في العراق من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى، وخصوصا فيما لو نظرنا إلى الفصول التي جاءت بعد الفصل الأول ،والتي كان آخرها تسليم بغداد، وعلى طبق من ذهب للغزاة الأميركان ومن معهم وسط ذهول العراقيين والمراقبين وشعوب الأمة.
وهؤلاء بدورهم أي الأميركان سلّموه لإسرائيل التي بسطت مشروعها في العراق، ومن خلال مجموعة المحافظون الجُدد فدار مادار، وتخرّب ماتخرّب، ولا زال العراق كسيحا وشعبه مكسور الخاطر ومشرّد في المنافي والأرياف، ولا زال المخطط مستمرا!!.
وها هو الفصل الثاني من المخطط ذاهب نحو السودان ومصر ( لتحقيق شعار من النيل إلى الفرات) وبنفس الطريقة والآليات ،وبعد أن صمدت سوريا بوجه جميع المخططات والسيناريوهات والاتهامات التي عمل عليها المحافظون الجُدد وأذنابهم وأصدقائهم في أوربا و المنطقة من عرب وغير عرب ،وخلال السنوات التي احتلال العراق ولا زالت.
وبالمناسبة ...
أن الصمود السوري هو الذي أنقذ لبنان ودول عربية أخرى من تلك المخططات الخطيرة، وهذه حقيقة لابد أن تثبت تاريخيا وسياسيا، لأن المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي كان ينص على فتح المنطقة من الهند حتى بيروت، ومرورا بالعراق ، وتحويل دول المنطقة إلى دول (ترانزيت) يحكمها ويديرها السفراء الأميركان، و مهمتها الحماية ( نواطير) أي تحويلها إلى قبائل متناحرة ، وشعوب خدمات واجبها تقديم الخدمات و حماية المنشآت والشركات الأميركية والغربية، وكذلك حماية الطرق البرية والبحرية التي تسلكها القوافل البرية والبحرية الأميركية والغربية (العسكرية والتجارية والإستخبارية) ولكن الحجر بل الجبل الذي عطل وأوقف هذه المشاريع الإستراتيجية الخطيرة، والتي تصب في ولادة مشروع (الشرق الأوسط الكبير) والذي هو تسمية دبلوماسية لـ ( إسرائيل الكبرى) فالجبل هو سوريا والمقاومات الوطنية والإسلامية في المنطقة.
فيجب أن تُشكر سوريا والمقاومات العربية والإسلامية، وتقدم لها الجوائز من قبل جميع الأنظمة والدول والشعوب العربية ،لأنها غيّرت مسار المخططات الأميركية والغربية عن منطقة الشرق الأوسط، ونجحت بكسب لعبة الصبر، وحرب الاستنزاف التي نقلتها وبنجاح إلى عمق وداخل الولايات المتحدة ، ولكن الخطر لم ينته بل أنتقل إلى منطقة عزيزة وغالية علينا وهي السودان ومصر ومن خلال لعبة الأمم نفسها التي جندت كبريات المنظمات الدولية لتعمل في خدمة واشنطن والغرب .
ولهذا فعندما قلنا ( غيّرت مسارها) ولم نقل ( نسفت المخططات) لأننا نتابع بأن هناك مخططات تعمل عليها بعض المنظمات الدولية هذه الأيام للعودة إلى منطقتنا ،ومن خلال إصدار اتهامات ضد شخصيات ومسئولين وأنظمة وبنفس الطريقة التي سيقت بها الاتهامات ضد الرئيس السوداني عمر البشير، ونستطيع القول بأن المرحلة المقبلة هي من حصة المحكمة الجنائية الدولية والتي ستأخذ دورها بفبركة الملفات وتصدير الشر ،مثلما فعلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن ووكالة الطاقة الذرية من قبل ضد العراق ودول أخرى في المنطقة، ومن خلال تقديم خدماتها إلى واشنطن وجماعات الضغط ( اللوبي) الأميركية.
وبهذا نجحت دمشق أن تكون ( كونترول وصمام المنطقة) لأنه لا حل للقضية الفلسطينية ، والعراقية، واللبنانية، والكردية، والمياه، وتحقيق السلام في المنطقة إلا من خلال إشراك سوريا التي نجحت من جعل موقعها الجغرافي والإستراتيجي ووزنها السياسي الحكيم ،وتعاطيها مع الملفات بحكمة وذكاء وسائل ضغط على الولايات المتحدة والغرب، لأن لا هدوء ولا سلام ولا انتعاش اقتصادي في المنطقة إلا بمشاركة سوريا، وهذه حقيقة ثابتة ومهما عبث العابثون ونعق الحاسدون.
وبالتالي أصبحت دمشق قبلة للحج السياسي هذه الأيام، والفضل يعود لحكمة القيادة السورية التي استطاعت تغيير اللعبة، فنحن نتابع ونراقب ونحلل مايدور هنا وهناك ، ولكن الذي يؤلمنا حقا هو غياب اللاعب الرئيسي والمهم للشعب العراقي والشعب السوري وهو اللاعب العراقي!!!!.
فبصراحة أن ( معظم) الوفود الزائرة لدمشق هذه الأيام تتحدث حول ملف العراق، وحول الترتيبات التي يجب أن تكون في هذا البلد المهم جدا ، وبالتالي يجب أن يكون هناك حضورا للعراقيين ،وليس بالضرورة من خلال الأميركان والغربيين وإيران ، بل من خلال أنفسهم، وبطريقة مباشرة وبأساليب مبتكرة.
ومن هنا نناشد السيد رئيس الوزراء نوري المالكي....
بأن يُسارع لتشكيل ( خلية أزمة) من الاختصاصيين والفنيين والمحنكين في السياسة والقانون، ومن المختصين في الملف السوري ـ العراقي من الناحية السياسية والأمنية والاقتصادية ليتم فتح ورشة عمل وصالة لقاءات في سوريا وبغداد من أجل إحياء العلاقة الإستراتيجية والشعبية والعاطفية والاقتصادية والتجارية والأمنية بين العراق وسوريا .
تلك العلاقة التي غيبها عن العراقيين نظام الرئيس صدام وبتعمد بحيث عندما انفتحت العلاقات بين بغداد ودمشق تفاجأ الشعب العراقي ( وكاتب المقال منهم) من حجم التقارب الروحي والعاطفي والإنساني بين المواطن العراقي وشقيقه المواطن السوري، ونكاد نجزم وبدون تحفظ بأنها العلاقة النموذجية، والتي لم تتوفر مع عربي آخر وللأسف الشديد، ولقد عرفنا حينها حجم المؤامرة التي مورست علينا وعلى بلدنا وشعبنا ولعقود، وعندما حرم العراق من التعاطي مع شقيقته سوريا.
لذا لا يجب أن توفت الفرصة هذه المرة ، ويجب على الحكومة العراقية ورئيسها السيد نوري المالكي أن يؤسس لعلاقة إستراتيجية وشراكة راسخة بين العراق وسوريا ،وتكون نموذجا يُحتذى به في المنطقة، وبشروط يضعها الجانب العراقي مع الجانب السوري من أجل إزالة التوجس الأمني وغيره.....
فدمشق الوفيّة وقفت مع العراق والعراقيين ولعقود طويلة، وفي السراء والضراء ولا زالت، فالكرم السوري وصل لكل بيت عراقي، ناهيك أنها فتحت قلبها لجميع المعارضين العراقيين، وبمقدمتهم الذين يحكمون العراق حاليا ،ومنهم السيد المالكي والذي نعرفه شخصيا بأنه يحب سوريا ويقدر دورها العروبي والقومي، وللرجل علاقات واسعة في الحكومة والدولة والمؤسسات، وفي المجتمع السوري، ونستطيع القول ( ففي خلايا ونخاع 80% من المسئولين العراقيين حصة سورية من هوائها ومائها وغذائها).
فالذي عجز عن تحقيقه غيركم يجب أن يتحقق على أياديكم أخي نوري المالكي، فالعلاقة الإستراتيجية بين دمشق وبغداد هي التي ستحمي العراق، وستعجل بالتنمية في العراق، وترفعه أمنيا واقتصاديا وسياسيا وليس مع طرف آخر،
فللأسف الشديد أن الأطراف الأخرى لها أطماع سياسية واقتصادية وأمنية وجغرافية في العراق إلا سوريا فهي الطرف الوحيد الذي ليس له أطماع في العراق، وأنه البلد الوحيد الذي لم يهان فيه المواطن العراقي، ولم يشعر بالغربة بل وجده بلده الثاني، ولم يصدر أي امتعاض من الدولة ومؤسساتها ضد العراقيين ،وعلى الرغم من الضغوطات التي مورست على السوريين، وكذلك على الرغم من الأصوات التي تعالت في بعض وسائل الإعلام ضد العراقيين ،وهو كرم سوري سيبقى في ذاكرة الأجيال العراقية.
فنصيحتنا للسيد نوري المالكي...
وبعد التوكل على الله هو الشروع بمباحثات خاصة وصريحة بين بغداد ودمشق ،ودون أن يتدخل بها أي طرف آخر سواء كان عربيا أو إقليميا أو دوليا ، فالزمن من ذهب ويمضي سريعا ، والخاسر هو العراق أن لم ينضّم نفسه ومن الآن مع جيرانه ، فأن الجميع يتحدثون عن العراق والعراقيين وبدون وجه حق، فيجب إخراسهم لأنكم الطرف الوحيد الذي يحق له التحدث باسم العراق والعراقيين وليس دول أخرى، خصوصا عندما تبنيتم الشعارات الوطنية والمعتدلة أخيرا، وتبنيتم العمل ضد الطائفية والمحاصصة، وضد الفيدرالية الجغرافية الزاحفة والداعمة للتقسيمات، ونحو دولة مركزية يُكفل فيها التحول الديموقراطي وحقوق الأقليات والأثنيات والأديان دستوريا ونلتم الدعم الشعبي والعشائري والسياسي على تحولكم الأخير، فيحق لكم الشروع بتأسيس علاقات ( التوأمة الإستراتيجية) بين بغداد ودمشق ، ولا تكترث لنقد الناقدين والأنانيين والمجاملين لأطراف أخرى على حساب العراق ، ولا تكترث لأصوات الحاسدين والمتفذلكين ، وكذلك لا تكترث إلى لغة الإعلام واللوبيات التي تعمل لصالح دول لا تريد التقارب مع دمشق !.
فدمشق هي الطرف الوحيد والمؤهل والذي سيريح العراقيين، وعندما تتحالف مع بغداد، لأن جميع الأطراف المحيطة بالعراق تسبب قلقا وخوفا للعراقيين، وهي نقطة مشجعة لكم بأن تتحركوا نحو دمشق، خصوصا وأني سمعت شخصيا ومن مسئولين كبار في سوريا بأنهم يقدرّون حضرتكم، ويكنون الاحترام للشؤون الداخلية العراقية، ويمنعون التدخل فيها وهي صفة حميدة.....
وبالطبع لا ننصح إشراك طرف ثالث في هذه التوأمة لأنه سيقلق العراقيين كثيرا !!.
وهي دعوة لجميع العراقيين، والأطراف السياسية دعم هذا المشروع، وتأجيل الاختلافات في وجهات النظر من أجل مصلحة العراق والعراقيين.