أرقام وحالات في جنوح الأحداث نحو الجريمة
بغداد ـ سعاد البياتي- الصباح
التفكك الاسري والتخلف الثقافي والاجتماعي للآباء والامهات تعد من الاسباب المهمة لارتكاب الاحداث الصغار للجرائم والجنح، كما لايخفى على الباحث الاجتماعي اثر العنف المستشري في تمظهراته الاجتماعية او تجلياته الاعلامية وخاصة الصورية منها على هذه الجرائم التي تنتهي الى سجن الاحداث او ما يسمى تخفيفا مدرسة تاهيل الصبيان .
لربما تختلف هذه الاسباب في سلم اولوياتها وحجمها النوعي من بلد لاخر حسب ظروف ذلك البلد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
أسباب نفسية
مايعانيه الطفل او الصبي الحدث داخل العائلة من مشاكل مستمرة بين الوالدين الناجمة عن سوء العلاقة بينهما وكثرة المشادات التي تصل لحدود العنف وكذلك الاساليب التربوية الخاطئة كالاهمال والقسوة وعدم المتابعة لسلوكيات الاطفال والصبيان، و انحراف احد الزوجين اوكلاهما.
كل ذلك وغيره يمهد الظروف للانحراف ويهيئ المسببات الجرمية والسلوكيات العدوانية الانتقامية من الهيئة الاجتماعية التي ينتمي اليها الصبي او الحدث . ولتعويض دفقات الحنان والانسانية التي تفتقد اليهما في البيت بين ابوين متنافرين يحاول الحدث ان يجد متنفسا اخر للتخلص من هذه الاجواء.
في المدرسة
يعزز ذلك الظروف غير الطبيعية التي يجابهها الطفل داخل المدرسة تجعل الصدمة لديه اكبر خاصة اذا جاء من بيئة اسرية متصدعة ومفككة وبغياب المرشد والباحث الاجتماعي في المدارس الابتدائية والمتوسطة واختلاط الطلاب بصورة عشوائية حيث يكون فيهم من هو منحرفا ينتقل هذا الانحراف الى زملائه الاسوياء بصورة تقليدية اوبصورة الضغط لان في هذه المرحلة تنمو التجمعات الصبيانية داخل البيئة المدرسة وهناك من الاراء العلمية ما تؤكد بان تكوين العصابات الصغيرة تبدأ من التجمعات الاولى للاطفال داخل المدرسة ومن هذه الاجواء تنتج حالات الانحراف الاجتماعي مثل التسرب الدراسي وتعلم فنون السرقة واساليب العنف وغيرها.
من قصص التفكك الأسري
لم يذق (س) طعم حنان الامومة والابوة ولا دفء العائلة ولا رعاية ابوين حنونين فقد عاش طفولة بائسة مطرودا دائما من البيت فوالداه لايتفقان ابدا ولايحترمان احدهما الاخر حتى انتهت علاقتهما بالطلاق، تشرد (س) مع شقيقه الذي يكبره بثلاث سنوات ليتلقيا من الشارع شتى الاهانات ويشاهدا اكثر المشاهد بؤسا، يتوسدان الرصيف ويأكلان من فضلات البيوت وحينما كانا يترددان على بيت ابيهما يطردهما لانه كان قد تزوج من امراة لاتحتمل وجودهما في البيت وامهما هي الاخرى تزوجت من رجل يرفض استقبالهما فكان من الطبيعي وفق الاسباب النفسية التي تحدثنا عنها آنفا ان يرتكب الشقيقان جريمة مشتركة ينالان على اثرها عقوبة بالسجن يقضياها الان في مدرسة تاهيل الصبيان
جرائم جماعية
اغلب جرائم الاحداث بشكل خاص لاتاتي بشكل منفرد الا القليل منها ولكنها ترتكب عادة بشكل جماعي مثل جرائم التسليب والسرقة والاغتصاب والخطف تؤيد ذلك السجلات والملفات التي طالعناها في مدرسة تاهيل الصبيان فبمجرد قيام الحدث باول فعل جرمي مع جماعته يكون منقادا تلقائيا الى جرائم اخرى اما بسبب التهديد الذي يتلقاه من الجماعة او بسبب الطمع الذي يصيبه مقابل النشوة والراحة النفسيةالتي تتولد لديه تحت تاثير الفعل الانتقامي الموجه للمجتمع باشخاصه اورموزه تحت تاثير عقدة طفولية من الكبت او الحرمان او الشعور بالمهانة .
العمل المبكر والعنف
بيئةالعمل لها دور رئيس في تنميةأسباب العنف لدى الاطفال وخاصة اذا كانت هذه البيئةحافلة بالعنف والمشاجرات وتعاطي البذاءات والشتائم الوقحة ،فهناك مهن يعمل بها الصغار يلاقون منها اشد انواع التعسف والاضطهاد ويستمعون في اجوائها لعشرات المفردات البذيئة من قاموس الشتائم والسباب عمل
ر) في ورشة لتصليح السيارات. لانه ترك المدرسة مبكرا لتعثره فيها.. بعد فقدان والده في حادث ارهابي وبما انه الولد الاكبر في البيت فضل العمل على المدرسة ليعيل اهله، تحمل صعوبة العمل في مهنة الميكانيك واخذ يسمع الكلام البذيء والالفاظ القبيحة من اصحاب العمل والعاملين معه واحيانا كما يقول كان يتعرض للضرب اذا ما اخطا في العمل خطأ بسيطا ويعترف بانه تعلم فنون السرقة في مكان عمله وكذلك تعاطي المشروبات الكحولية لاول مرة لان صاحب العمل كان يشرب الخمرة يوميا ' اودع مدرسة تاهيل الصبيان بتهمة السرقة التي تعلمها.
أفلام العنف
تاثير الاعلام لايقل عن تاثير الظروف والعوامل الاخرى خاصة ونحن نعيش وسط غابة من الفضائيات التي تورد العنف باشكاله ولجميع الفئات العمرية وتعمل على تمجيد القوة العضلية واحتقار الحكمة والعقلانية والعنف الذي يشاهده الاطفال عبر الفضائيات يسهم بدرجة كبيرة وفعالة في اكتساب الطفل للعنف و بمساعدة اسباب وظروف اخرى تظهر استجابات لدى الكثير منهم، وتلعب الظروف التي مر بها العراق دورا كبيرا في انتشار الجريمة حتى اصبح العنف ظاهرة يومية يعيشها افراد المجتمع سواء كانت ضد الاطفال او من الاطفال.
(ت) 12 عاماً عاش مع جدته بعد فقدان والداه ، يقضي كل اوقاته اما خارج البيت او امام التلفزيون متابعا افلام العنف وهذا ماجعله مولعا بالمشاجرة مع اصدقاء اللعب ويتباهى بتقليد شخصيات كبروسلي وجاكي شان وغيرهم من ابطال افلام العنف ' وحدث انه اثناء المشاجرة مع احد اصدقائه اسرع في طعن صديقه بسكين حادة واردته قتيلا بالحال وهو الان يقضي سنوات طفولته في مدرسة تاهيل الصبيان وهو لايصدق انه قتل صديقه.
أرقام واستبيانات
ظهر لنا من خلال الاستبيان الذي اعده مدير مدرسة تاهيل الصبيان ولي جليل الخفاجي ان 41 بالمئة من جرائم القتل ارتكبها صبيان واحداث تتراوح اعمارهم من سن 9- 15 سنة .
اتخذت عدة اشكال منها قيام مجموعة من الاشخاص البالغين بالقتل الفعلي وان دور الصبيان في هذه الجرائم كان مجرد الاشتراك او المراقبة والشكل الثاني هو قيام احد اقارب الصبي بالقتل وتحميل المسؤولية بسبب قلة فترة حكم الصبيان والشكل الثالث هو العبث بالسلاح وعدم وجود رقيب وخاصة المناطق الريفية.
الجرائم الاخلاقية
الشذوذ والتحرش الجنسي وكانت نسبتها 30 % وهذه الجرائم تكثر في هذه المرحلة العمرية من الانسان والاسباب تعود الى سوء التربية وانحراف الوالدين واصدقاء السوء والاعلام المباح داخل العائلة.
الأسباب الاجتماعية
للاسباب الاجتماعية نصيب كبير في عملية قيام الاطفال بارتكاب فعل الجريمة وهي تتمثل بكل مايدور حول الحدث من ظروف اسرية وبيئية واقتصادية وحينما اطلعنا على نسب وجداول الانحراف وجدنا ان 20 % يعانون من طلاق الوالدين
10% وفاة الام
11 % وفاة الاب
3% وفاة الوالدين
وهذه هي عوامل التفكك الاسري في حين ان 6 % يعانون من سوء الاحوال الاقتصادية 25% يعانون من مشكلة التهجير 23% عدم وجود سكن وان سكنهم كان تجاوزا على اموال الغير تدني المستوى العلمي كان واضحا بين افراد هذه العينة من الاحداث اذ بلغت نسبة الامية بينهم 58 % والذين تجاوزوا المرحلة الابتدائية كانت نسبتهم 31 % وبقية المراحل اخذت نسباً واطئة تكاد لاتذكر.
النظرة القانونية للأحداث
تعامل القانون العراقي معاملة خاصة مع الاحداث فقد نصت المادة 68 من قانون العقوبات المرقم 111 لسنة 1969 اذا ارتكب الصبي جنحة يحكم بدل العقوبة المقررة لها في القانون مدة لاتقل عن ستة اشهر ولا تزيدـ علـى ثلاث سنوات بتسليمـه الى ذويه اذا تعهـدوا بالمحافظـة على حسن سلوكـه وسيرته واشارت المادة 72 اذا ارتكب الصبي جنايـة يحكم عليه بالحجز فـي مدرسة اصلاحيـة مـدة لاتقل عن سنتين ولاتزيد على خمس سنـوات اذا كانت الجناية معاقبا عليهـا بالاعـدام او بالسجـن المؤبـد وبالحجز في مدرسة(اصلاحيـة مـدة لاتقـل عن سنة ولاتزيد على اربع سنوات اذا كانت الجناية معاقبا عليها بالسجن المؤقت.
واشارت المادة 10 من قانون رعاية الاحداث لسنة 1983 ان مدرسة تاهيل الصبيان هي احدث المدارس الاصلاحية المعدة لايداع الصبي المـدة المقررة فـي الحكم للعمل علـى اعادة تكييفه اجتماعيا وتوفير وسائل تاهيله مهنيا او دراسيا واشارت المادة 63 من نفس القانون لايجوز ان يعلن عن اسم الحدث او عنوانه او اسم مدرسته او تصويره او اي شيء يؤدي الى معرفة هويته.
أسباب مشتركة وأمل ضئيل
مما تقدم يتبين ان مايتعـرض له الاطفـال مـن انعكاسـات الحروب والدمـار والجوع والبؤس والتفكـك الاسري .
اضافـة الـى الاهمال وقلـة المتابعـة كل ذلك يقتـل احـلام الطفولـة ويحولهـم الـى منحرفين رغمـا عنهـم واحيانا بدون ارادتهم.
ومـع هـذا فالمجتمع ا حيانـا يعجـز ان يوفـر لهم الحماية التي يستحقونها في ظروف قاسية مثل التي مرت في العراق..
فالكثير مـن الاطفـال يستغـلون جنسيـا ويعملـون فـي اخطـر الاعمـال الشاقة ويعانون تعسفا مـن اربـاب العمـل وغيرهم ' اضافـة الى القدر الاكبر المدمر عندما يستغلون فـي العمليات الارهابية .
فمتـى يستطيـع اطفالنـا ان يعيشـوا حيـاة مثاليـة وينعمـوا بالرفاهيـة والبهجـة كمـا يعيش اطفـال العالم المتقدم حياتهم ويومياتهم؟