This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

البطالة.. بين مسؤولية السلطة والمجتمع
12/03/2009

 

تشكل هدرا متعسفا ومفرطا للموارد البشرية..
د. هادي حسن عليوي - الصباح
البطالة في حقيقتها انموذج سيئ من نماذج الهدر المتعسف والمفرط للموارد البشرية الفاعلة، وهي الظاهرة السلبية الاكثر ايلاما للفرد والمجتمع وللدولة على السواء وهو ما يضعها في مكان الصدارة من جميع البرامج والخطط الوطنية، التي تهدف الى النهوض بالمجتمع، وتأهيل الاقتصاد الوطني، وخلق المقدمات الضرورية لتنمية مستدامة والتصدي لمعضلاتنا المزمنة بجدية وبحزم، ولعل العمل على مواجهة هذه الظاهرة والحد منها وخفض معدلاتها بشكل واضح يتطلب وقتا غير قصير وخططا عملية وعلمية.

خيارات صعبة
وهذا يفرض خيارات صعبة ومحدودة للغاية، ورصد ما يترتب على موضوعة البطالة من نتائج تنعكس سلبا على السلوك والشخصية في المستويين الفردي والاجتماعي.

في المجال الشخصي
ان فقدان العمل او تعذر الحصول عليه، لاسباب خارجة عن ارادة الفرد يعني فقدان الفرد لمصدر دخله، الذي يعد ضروريا لتأمين شروط الحياة الكريمة له ولمن يعيلهم، وبالتالي يضعه امام خيارات صعبة، فقد يلجأ تحت ضغط الى الاعتماد على الغير لتغطية تكاليف حاجاته المعيشية ما قد يقع تحت تأثير مشاعر الدونية والانتقاص من الذات، اضافة الى ما يصاحبها من مشاعر الاحباط والاحساس بالفشل، وهي مشاعر واحاسيس سلبية تؤدي بالفرد الى حالة دائمة من التوتر والشعور بالضيق والعجز عن التكيف مع متغيرات الحياة الاجتماعية، وحالات يتعذر التنبؤ بها من اضطرابات السلوك والشخصية.
كما ان الفرد العاطل غالبا مايفقد الشعور بالرضا عن الذات وعن الجماعة، وهو يفقد احساسه بقيمة (الحياة المنتجة) مستسلما لمظاهر انفعالية مؤذية كالحسد والغيرة وكراهية الذات والاخرين، واليأس وإسأة الظن بالهيئة الاجتماعية بشكل عام، هذا الى جانب ما هو متوقع في مثل هذه الحالات من نوبات الاكتئاب التي تمسك بتلاليب الفرد العاطل لتشل ما بقي من نشاطه وفاعليته. ان خطورة هذه المشاعر والاحاسيس التي تستحوذ على الفرد العاطل، وان كانت بدرجات مختلفة تكمن في كونها من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع مقدمات خطيرة من شأنها ان تمهد لتفكك المنظومة القيمية لديه، ليكون على المستوى النفسي/ القيمي مستعد للانخراط بانواع (السلوك المضاد للمجتمع) والتورط في اشكال من الانحرافات السلوكية، واشكال مختلفة من الجريمة قد تبدأ بالسرقة والسلب وتجارة المخدرات لتصل الى القتل واعمال الارهاب..

في المجال الأسري
يظهر في هذا المجال في الحالات التي يكون فيها العاطل مسؤولا عن اعالة اخرين، مما يترتب على بطالة مثل هؤلاء الافراد نتائج سلبية تتجاوز حدوده الشخصية، الى ما قد يلحق الاسرة من اضرار بالغة الخطورة، لعل من ابرزها وقوع العائلة في دائرة (الفقر) بكل ما قد يترتب على ذلك من نتائج ومردودات سلبية معروفة من بينها (التفكك الاسري) وما يقضي اليه من التشرد او التسول واللجوء الى اساليب الكسب غير المشروع، او السقوط في وهاد السلوك الاجرامي والبغاء.
وتؤشر جميع الحالات السابقة من تصدع (نظام العائلة) والتفكك الاسري، الى تحول العائلة عن ادوارها الاجتماعية والانسانية البناءة، كمؤسسة للتنشئة والتربية السليمة، الى واحدة من مصادر الانحراف والجريمة، التي تهدد الهيئة الاجتماعية ككل والسلم الاهلي بخاصة، وهي تضخ الى المجتمع المزيد من المتسكعين والمنحرفين والعاطلين عن العمل.

في المجال الاقتصادي - الاجتماعي
يعد المجتمع وبناؤه الاقتصادي، السلة التي تتلقى كل مفرزات البطالة، سواء منها ما كان على المستوى الشخصي ام على المستوى الاسري، وما يرشح عن هذين المجالين من نتائج خيرا كان ام شرا، فان مآلها الى الهيئة الاجتماعية وبناءها الاقتصادي، الذي هو العمود الفقري لها، وان مقذوفات المجالين السابقين، مما يترتب على البطالة، من نتائج تعنيهما،انما ينتهي اخيرا الى السلة الاجتماعية، وان هذه النتائج في معظمها تشكل تهديدا جديا ومباشرا على (النمو الاقتصادي) و(السلم المجتمعي).
فضلا عما ينتج من تدن في معدلات الدخل، وما يؤدي من تدهور في القدرات الشرائية، وبالتالي ينعكس كل ذلك على تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجعه فيما بعد وتلكؤ التنمية، وهو ما يعني فقدان المزيد من الوظائف وفرص العمل، بما يؤدي الى ضخ افواج جديدة من العاطلين، واتساع دائرة الازمة وتفاقم نتائجها.
ومن النتائج على المستوى الاجتماعي، الهجرة الى خارج الوطن، وهي نتائج كانت للبطالة اليد الطولى فيها، فالسعي وراء لقمة العيش والبحث عن فرص العمل (النظيف) تدفع بالعاطلين

الى التفتيش عن العمل خارج حدود الوطن.
ولايخفى ما للهجرة من نتائج سلبية على المستوى الاجتماعي، بما فيه المستوى العائلي، او على المستوى النفسي الشخصي اذ يجد الفرد نفسه بعيدا عن محيطه الاسري والاجتماعي، وهو يفقد الكثير من مصادر (الدعم) والشعور بالامان، كما انه يحتاج فترة غير قصيرة لاعادة تأهيل نفسه، وتمثل خصائص محيطه الجديد والتكيف لها، كما ان اخفاقه في هذه المهمة، وهو محتمل، يعني المزيد من المعاناة، وقد تكون كافية لاضطرابات متنوعة في الشخصية والسلوك، بما يقربه

من مصادر الانحراف والعنف والجريمة.
ولعل الوجه الاخر للهجرة نزوح الاعداد الكبيرة من القادرين على العمل والمؤهلين له واصحاب الكفاءات، كل ذلك تفريط جائر بقوة عمل مؤهلة يكون المجتمع قد خسرها وهو يمنحها بالمجال لدول المهجر.
ولعل من بين اشد مفرزات البطالة ونتائجها وطأة على المجتمع العراق هي تلك التي ترتبط بالجوانب الامنية، فهي تعد من بين اسوء مصادر السلوك المضاد للمجتمع، فتحت وطأة الحاجة وضغوط الفراغ، وما يترتب جراؤها من مشاعر (الاغتراب) والضياع يكون العاطلون اكثر ميلا واشد استعدادا للسقوط في شراك الاعمال غير المشروعة، وصيدا سهلا لشبكات العنف والارهاب والجريمة بكل ابعادها واتجاهاتها.

YouTube: iraqicf Shakiry Charity - Instegram Shakiry Charity - Tiktok
Charity Registered in 2006, No: 1115625
العراق
تأسست 2006 رقم التسجيل IZ70166

 

Tel: +44 (0) 7503 185594     للتواصل معنا
Unit 1, Freetrade House, Lowther Road, Stanmore, HA7 1EP, United Kingdom