This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

التنمية المستدامة.. تركيا إنموذجا
24/04/2009

 

د. مثنى عبد الرزاق الدباغ*
جريدة الصباح

يعد الحكم الصالح والتنمية المستدامة من الموضوعات الحديثة التي لاتزال وستظل تشد اهتمام الاقتصاديين والساسة والمفكرين واصحاب القرار بالاضافة الى الطبقات الاجتماعية والشعوب المتضررة من الواقع الاقتصادي في غالبية الدول النامية والتي تمتلك نوعاً من التخلف والتبعية والنمو المشوه في ظل برامج الاصلاح الهيكلي والعولمة والليبرالية الاقتصادية المفروضة على تلك البلدان يزداد الامر تعقيدا بسبب النتائج السلبية التي افرزتها هذه البرامج والسياسات وفي سياق العدالة المنشودة من قبل الشعوب والتنمية المفقودة تكون المعادلة اصعب.
ان السياسات الاقتصادية القوية المحكومة بادارة جيدة يمكن ان تعطي ثقة اقوى بالاقتصاد المحلي وبالتالي ستؤدي الى زيادة الاستثمار ومن ثم زيادة الانتاج والتوظف ورفاهية اقتصادية متزايدة هذا الرأي دعم من قبل العديد من الاقتصاديين كما تم دعمه  من قبل البنك الدولي بعمل تجريبي للفترة من 1964 ـ 1993 لبعض الدول ذات الاقتصاديات المؤسساتية العالية، وتم تفعيل السياسات الاقتصادية الجيدة فيها لتنمو بنسبة تفوق ثماني مرات عن تلك الدول ذات الاقتصاديات المؤسساتية المنخفضة والسياسات الاقتصادية غير الجيدة وبالتالي فان الحكم الراشد هو ضروري ايضا لعدالة توزيع الدخل ولتخفيض الفقر وزيادة التوظف وانتاج سياسات جيدة من اجل البناء الهيكلي وتوفير الحاجات الاساسية كالصحة والتعليم والخدمات.
بينما هنالك رأي اخر للاقتصاديين مخالف للرأي السابق حيث يؤكدون  ان الحكم الراشد ليس عاملا مهما للتنمية الاقتصادية ولزيادة الرفاهية الاقتصادية.
برامج الإصلاح الهيكلي
لقد طبقت تركيا وهي من الدول النامية العديد من برامج الاصلاح الهيكلي تحت شروط البنك الدولي كما ان اقتصادها شهد ازمات عديدة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة كان اشدها الازمة الاخيرة في العام 2000 ومن اجل توضيح الحالة التركية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية (اي الجمع بين الحكم الراشد والتنمية الاقتصادية) سنحاول الاجابة على السؤال التالي:
هل يمكن تحقيق الحكم الراشد في ظل غياب التنمية الاقتصادية وخاصة في البلدان التي تمتلك ازمات اقتصادية هيكلية مزمنة؟
يعتبر ما حدث في تركيا خلال السنوات القليلة الماضية بمثابة الحدث الاكبر الذي شهدته دولة اسلامية في المنطقة ومما لا شك فيه ان هذا الحدث افرز تساؤلات عدة اولها هل يستطيع حزب العدالة والتنمية الذي وصل الى السلطة ان يحقق العدالة (الحكم الراشد) والتنمية (التنمية المستدامة) ويعالج الازمة الداخلية والتحديات الخارجية؟ وهل يمكنه ادارة العلاقة مع النظام العلماني والقوى المسيطرة من ورائه؟
منذ قيام الدولة التركية الحديثة في بدايات القرن الماضي مرت هذه الدولة بأزمات عديدة وتحديات صعبة نتيجة لطبيعة الاقتصاد التركي والشعب التركي الا ان الازمة الاقتصادية الاخيرة التي حدثت في تركيا العام 2000 كانت الاقوى والاكثر حدة على الشعب التركي والحكومة التركية حيث عانت تركيا من ارتفاع معدلات البطالة ( 60 % ) وتراجع الدخل القومي ومتوسط الدخل القومي واصبح معدل النمو (-6.5 %) وانخفضت قيمة العملة المحلية مقابل الدولار حيث فقدت اكثر من (40 %) من قيمتها ما جعل (50 %) من الشعب التركي تحت خط الفقر، وارتفاع المديونية المحلية والخارجية وفوائدها ما ادى الى وضع غير طبيعي في تركيا وانتشار الفساد والنهب العام وتهريب الاموال الى الخارج، وهكذا كانت تركيا في مجال تصنيف الحكم الراشد للبنك الدولي في العام 2000 بتسلسل 134 من بين 193 بلدا ضمن مؤشرات الحكم الراشد.
التحولات الهيكلية الاقتصادية
هذا ما وضع حزب العدالة والتنمية الذي تسلم ادارة الحكم العام 2002 امام امتحان صعب جدا واخذ يطبق العديد من التغييرات الهيكلية في الاقتصاد ووضع جهوداً مهمة في تطبيق مبادئ الحكم الراشد للبحث عن سياسات مؤسساتية جيدة ضمن سياق عمل السياسة والبرامج الوطنية التي كانت مدعومة من قبل المؤسسات الدولية هذه السياسات كانت من اجل الوصول بالاقتصاد نحو الافضل وكانت تحت اربعة اصناف رئيسة هي سياسة نقدية وسياسة ضريبية وسياسة استقرار مالي وسياسة اصلاحات اساسية. كما تمت اعادة دور القطاع العام بتخفيض حجمه في الاقتصاد ودخول القطاع الخاص بشكل كبير ومنظم من قبل الحكومة واصبح هنالك مستوى من التعاون بين الوحدات الاقتصادية للقطاع العام والقطاع الخاص وتنسيق السياسة بينهما من اجل الوصول الى افضل نتيجة محتملة حيث استطاع القطاع الخاص خلال السنوات الخمس الاخيرة ان يكون المحرك الرئيس في الاقتصاد والمسهم في رفع معدلات النمو كما تم اصلاح القطاع المصرفي وقانون الاستثمار الاجنبي وقانون حماية الملكية الثقافية والصناعية ضمن قائمة الاصلاحات السياسية ما زاد من مرونة الاقتصاد ضد الصدمات الخارجية. والتغيير الاساسي الذي حدث في تركيا هو تعديل قانون البنك المركزي التركي فاستقلالية البنك المركزي شكلت شفافية ومسؤولية اعظم لتطبيق سياسة نقدية اساسها استهداف التضخم الذي انخفضت معدلاته بشكل كبير في السنتين الماضيتين كما كانت هذه الاستقلالية اساسا للتحويل الهيكلي نحو الحكم الراشد والمؤسسات الجيدة في تركيا وادت هذه الخطوات المهمة التي اتخذتها الحكومة التركية (حزب العدالة والتنمية) الى تحسين مكانة تركيا في تصنيف مؤشرات الحكم الراشد في العام 2005 للبنك الدولي الى التسلسل 103 من بين 216 بلدا ضمــن مؤشــرات الحكم الراشد .
وهكذا على ضوء التحويل الهيكلي التركي في الاقتصاد التركي اثناء السنوات الخمس الاخيرة يمكن القول بان تركيا هي اوضح مثال لاحتياج الحكومات لدور اساسي في التغيير والاصلاح للمؤسسات كما لا تؤكد هذه التجربة اراء الاقتصاديين في الاتجاه المعاكس بل هنالك ادلة قوية بما فيه الكفاية لأهمية الحكم الراشد من اجل الازدهار والرفاهية الاقتصادية.

 

YouTube: iraqicf Shakiry Charity - Instegram Shakiry Charity - Tiktok
Charity Registered in 2006, No: 1115625
العراق
تأسست 2006 رقم التسجيل IZ70166

 

Tel: +44 (0) 7503 185594     للتواصل معنا
Unit 1, Freetrade House, Lowther Road, Stanmore, HA7 1EP, United Kingdom