المركز الاعلامي للبلاغ / ذي قار - علي عبدالخضر
في بلد يعد ثاني اكبر دولة في العالم من حيث احتياطي النفط ، فضلا عن موارده الغنية الاخرى ( التي لم تستغل بعد بشكل نافع ) كسعة الأراضي الزراعية ، ووفرة المعادن وتنوعها ، وكثرة الأماكن السياحية ، توجد صورة مؤلمة وقاتمة لمعاناة المواطن العراقي الذي يتكبد أعباء المعيشة التي لا تليق بكرامته الإنسانية ، وتصبح مشاهد الفقر والعوز والحرمان والبطالة مألوفة في معظم الاحياء الشعبية ، الاكثر كثافة سكانا ، وفي محافظة ذي قار ، التي يتجاوز عدد نفوسها اكثر من مليون وثمانمائة الف نسمة ، ربما يوجد اكثر الناس فقرا وحرمانا ، لما عانته هذه المحافظة من ظلم وتهميش النظام السابق ، وانشغاله بتسخير طاقات العراق وميزانيته لديمومة الة الحرب والدمار ، وما عاناه ابناء هذه المحافظة ، كبقية ابناء الشعب العراقي ، من العقوبات الاقتصادية سواء الدولية منها ، او من قبل النظام عندما كان يضيق على حياة أبناء الجنوب خصوصا بشتى ضروب الحرمان والقتل والتهجير وقطع المياه وتجفيف الاهوار وتدمير الأراضي الزراعية .
لتأتي بعد ذلك ( بعد سقوط نظام البعث ) حقبة الارهاب وعصابات القتل والتخريب ، والفساد الإداري ، والتجاذبات السياسية ، وغياب السياسات المالية والاقتصادية الناجحة ، لتزيد من اعباء المهمشين ، وهم يواجهون مشاكل التضخم وازدياد اعداد العائلة وكثرة متطلباتها ، ومن ثم الشعور بالقلق من المستقبل الغامض خاصة وان ازمات انخفاض اسعار النفط ، والجفاف ، التي تهدد العراق والمنطقة ، تلقي بظلالها الكثيفة على المشهد الاقتصادي للمجتمع العراقي ، ناهيك عن ان الدولة لم تستطيع حتى الان ان تفعل الموارد الاقتصادية الاخرى .
ما دفعني لهذه المقدمة المسهبة ، هو ما وجدته عند تجوالي في احياء سكنية بنيت بيوتها ( التجاوز ) من الصفيح والطين ، بسبب العجز الذي اصاب ساكنيها من الحصول على سكن ملائم ، وظروفهم المعيشية ( التي شاهدناها ) والتي اقل ما توصف بالمؤلمة .
ابو محمد ، رجل في اواخر العقد السادس من عمره ، عاجز ، يعيش هو واحفاده الستة اليتامى وامهم ، في بيت ، يقع في احد هذه الاحياء الفقيرة ، والذي شيده ( بالطين والصفيح وبعض من شظايا الطابوق ) وبمساعدة من بعض المحسنين ، التجا الينا ليبث شكواه ومعاناته ، كبقية سكان الحي ، ( الذين طلب بعضهم عدم ذكر اسمائهم او التقاط صور لهم ) عسى وان يكون لهم صوت ولو ضعيف من خلال المنابر الاعلامية .
كان ابو محمد يبكي عندما يتحدث عن ابنه المتوفي ، والذي ترك اطفالا لا يستطيع هذا الجد العاجز ان يوفر لهم متطلبات معيشتهم ، ( خاصة المدرسية ، التي يصر ابو محمد الا ان يواصلوا دراستهم فيها رغم كل الظروف ، بعكس جيرانه الذين يرون لا جدوى من بقاء ابنائهم الفقراء في المدرسة ) فمورد معيشتهم الوحيد هو راتب تقاعدي جدا بسيط تركه الاب لهم ، يستلمونه كل شهرين ، ليسددوا جزءا من ديونهم بجميع هذا الراتب ، لتبدأ ديون جديدة تتراكم مع همومها وذلتها ، ويقول أبو محمد أنهم يستخدمون اداة نفطية ( جولة ) لطهي طعامهم لعدم قدرتهم على شراء قناني الغاز التي كثيرا ما ترتفع أسعارها بسبب أزمات متكررة في توزيع الغاز لا يعرفون سببها .
بيت ابي محمد خالي من الاثاث الا من اشياء بسيطة ضرورية لحياتهم اليومية ، ويصف جانبا اخرا من معاناته ، هو امراضه المزمنة بسبب كبر سنه ، وعدم قدرته على العلاج الذي يتطلب منه مالا غير متيسر لديه .
العلوية ام علي ، هي الاخرى لا تختلف معاناتها بسبب الفقر كثيرا عن ابي محمد ، فهي ام لخمسة يتامى ، ومريضة بالسكر ، وتعاني ايضا من عجز في احدى الكليتين ، وتعيش هي وابنائها اليتامى على معونة الرعاية الاجتماعية البسيطة ، التي تكاد لا تسد الا جزءا يسيرا من متطلبات العيش ، وشراء