حتى تقبيل والده، ملامسته، الجلوس في حضنه... تصرفات باتت محرّمة على الطفل الفلسطيني، بل تشكل خطراً على أمن إسرائيل. وبما أن هذا النوع من «الحرمان» لا يُدرج في بنود القوانين الدولية، يكون استخدامه كورقة «مساومة»، أكثر سهولة من أساليب الضغط التي يمارسها الإسرائيليون، رسميين ورجال قانون وقضاء، ضاربين بعرض الحائط أبسط بنود شرعة حقوق الطفل.
منذ تشكيل اللجنة الوزارية، بعد فشل المفاوضات بين إسرائيل و «حماس»، حول صفقة الأسرى التي تضمن عودة الجندي الأسير في غزة، جلعاد شاليط، يعاني الأسرى الفلسطينيون، من كل الفصائل، التوصيات التي تقدمت بها اللجنة الوزارية، وألزمت إدارة السجون بتنفيذها، بما يضمن «مساواتهم» بالأسير شاليط.
لم تتمكن اللجنة من المصادقة على كل التوصيات، خوفاً من تعرضها لمساءلات قضائية، ولكنها وجدت في الأطفال نقطة ضعف وورقة مساومة قوية، فمنعتهم من تقبيل آبائهم الأسرى ومعانقتهم عند الزيارة. وأقامت بين الأب والابن أو البنت حاجزاً زجاجياً، يمنع الطفل من ملامسة والده والاقتراب منه... ومن سماع صوته، وتجري المحادثة بين الطرفين عبر الهاتف، الذي يربك الطفل الصغير ويزعجه، حتى ولو ساعدته أمه.
موضوع حرمان الأطفال من تقبيل آبائهم ومعانقتهم ليس جديداً على الإسرائيليين. كثيرون عانوا هذا العقاب على مدى سنوات طويلة، بل إن أروقة المحاكم الإسرائيلية ردّت دعاوى التماس في هذا الشأن. وكانت النيابة العسكرية تقدّم دفوعها، بذريعة «الخطر على أمن إسرائيل». فبالنسبة إليها يشكّل تقبيل طفل والده خطراً على أمنها، هكذا، وبكل بساطة.
ووصلت التحرّكات في وجه العبثية الإسرائيلية إلى المحكمة العليا، وهي أعلى الهيئات القضائية. وعلى رغم الجهود التي تبذلها مؤسسات ناشطة في مجال حقوق الإنسان، ظلت سلطات السجون تصر على تصنيف أطفال الأسرى بالخطيرين أمنياً. وشكّلت قائمة طويلة من أسماء كثيرين منهم. وعلى رغم أن المحكمة كانت طلبت من سلطات السجون إجراء تعديلات على قرارها، ليُسمح على الأقل للأطفال دون السادسة بتقبيل آبائهم، لم يتغير شيء، لا بل زاد الطين بلة، مع عرقلة صفقة شاليط، وأخذت قائمة الأطفال «الخطيرين» تطول، لتشمل معظم الأسرى، ولم تعد تقتصر على أطفال المعتقلين من «حماس» و «الجهاد الإسلامي».
والخطر الأمني الذي يشكله الأطفال على إسرائيل، لا يبدأ بمجرد تقبيل آبائهم أو معانقتهم، بل منذ لحظة تحديد موعد اللقاء. فالطفل، كما هو حال والدته أو أي قريب للأسير يرغب في زيارته، يحتاج إلى تصريح من الجيش الإسرائيلي يسمح له أولاً بمغادرة منطقة سكنه، التي باتت هي الأخرى سجناً. والتصريح ذاته يخضع لفحص وتدقيق، ضماناً لئلاّ يشكل حامله تهديداً لأمن إسرائيل.
وإجراءات التحقق ومنح التصريح تستغرق نحو ثلاثة اشهر. وعند الحصول عليه، تُفتح مرحلة جديدة من المعاناة، تبدأ منذ الفجر، فتسرق الحواجز والطرق الملتوية النوم من عيني الطفل، وهو يسلك مساراً شائكاً طويلاً لا ينتهي مع هبوط الليل.
والمرحلة الأقسى هي في الانتظار الطويل عند الحواجز العسكرية والأمنية، وإجراءات التفتيش الدقيقة من بوابة السجن وصولاً إلى غرفة الزيارة.
حتى هنا، وعلى رغم ما تعانيه هذه الشريحة من الأطفال، يبقى وضع هؤلاء الصغار افضل بكثير من سواهم ممن أصبح آباؤهم يشكلون ورقة ضغط خطيرة مقابل الجندي جلعاد شاليط. فهناك عدد كبير من الاسرى تحولوا الى العزل الانفرادي يمنعون من اللقاءات ويعانون من ظروف قاسية تنافي حقوق السجين. وقد تحول العزل الانفرادي، خلال الفترة الأخيرة إلى أبسط أساليب العقاب، فبموجبه يقتصر الخروج إلى الساحة مدة ساعة، ويكون فيها الأسرى مكبلين. وداخل الغرف، يُحرم السجين من الكتب والصحف ويتعرض لإهمال طبي خطير.
ظروف غرف العزل قاسية، وهي أساساً عبارة عن قبو لا تتعدى مساحته مترين ونصف متر طولاً، وأقل من مترين عرضاً. وثمة نافذة صغيرة ودورة للمياه وفتحة صغيرة في أعلى الباب الحديدي المغلق، وأخرى في أسفله لإدخال الطعام. ويبقى الأسير تحت عيون رجال المخابرات ليل نهار، لا بل تثبت الكاميرات أيضاً في غرفة عزله.
وتتعرض زنازين العزل لتفتيش شبه يومي، عدا عن التعداد خمس مرات في اليوم. ونادراً ما تتوافر إضاءة كافية في هذه الزنازين. ومعظمها قديمة ومليئة بالحفر والفتحات، أما الحشرات والفئران فقد اتخذت من غرف العزل «مواطن» دائمة لها.
ويبقى العزل الانفرادي أخف وطأة على الأسير من حرمانه من معانقة ولده.