فارس حامد عبدالكريم- الصباح
الحديث عن الثقافة المضادة للفساد، حديث ذو شجون، والتصدي لمثل هذا الموضوع هو أمانة في عنق كل وطني غيور، سواء كان كاتباً او شاعراً او رساماً، لان المساهمة فيه بأية صورة من صور الأدب او الفن او التعبير الإنساني الخلاق هو في الحقيقة مساهمة كبرى وفاعلة في دفع الأذى عن العراق والعراقيين وعن سمعة الوطن الدولية، بل هو مساهمة في تحقيق طموحات وآمال كل العراقيين.
فالفساد آفة كبرى تبتلع خيرات الشعوب ، وتزيد من معاناتهم وتحجب عنهم ثروتهم الوطنية لتذهب الى جيوب بعض من خانوا الأمانة العامة الملقاة على عاتقهم باعتبارهم مؤتمنين على خدمة شعبهم وتوفير فرص السعادة والخير والرقي لهم.
ان خيانة أمانة الوظيفة العامة هي اشد وطأة من خيانة الجندي الذي يهرب من واجبه، واشد من خيانة العميل الذي يبيع وطنه للأجانب.
لان أثرها المادي والأخلاقي والنفسي على الشعب اشد خطراً من تلك الجرائم، واشد وطأة على الناس والاقتصاد والحياة الاجتماعية السليمة.
حيث يعد الفساد الجريمة الأكثر خطرا من بين الجرائم التي تنال من قيم العدالة وسبل تنمية وتطور المجتمعات المعاصرة ، فهو العامل الأكثر تخريبا وتدميرا للمجتمعات الفقيرة والنامية وسببا مباشرا في ضياع فرص التقدم والرفاه الاجتماعي وإحباط خطط التنمية
وفي زيادة الفقراء فقرا ، كما انه يفقد الناس ثقتهم بقادتهم ولو كانوا مخلصين وذوي نوايا حسنة ، وكثيرا ما قاد الفساد الدول، التي يجد له فيها مرتعا خصبا ،الى هاوية الانحدار الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي . وقد أشارت بحوث المنظمات الدولية ، كالأمم المتحدة ومنظمة الشفافية الدولية الى عمق الدمار الذي ألحقه الفساد باقتصاديات الدول النامية وفي دوام أسباب المرض والجهل والفقر والجريمة ، بالنظر لتسرب الأموال المخصصة لمكافحتها الى جيوب المفسدين، فالنزاهة هي عماد التنمية وشرطها الأكثر أهمية، اذ تدعم النزاهة الاقتصاد الوطني والبيئة السياسية والأخلاق العامة .
وجاء في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 ( ان الدول الأطراف في هذه الاتفاقية ، إذ تقلقها خطورة مايطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها، مما
يقوض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة، ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر).
وقد كشفت منظمة الشفافية الدولية المعنية برصد ظواهر الفساد في العالم في تقرير لها تحت عنوان مقياس الفساد حول العالم لسنة 2007 ( أن العاملين في مجالات الشرطة والقضاء والأحزاب السياسية والبرلمان والخدمات العامة هم الأكثر طلبا للرشوة في العالم ).
وأضاف التقرير(...وكان جهاز الشرطة هو الأكثر فسادا بالنسبة لمن استطلع رأيهم حول العالم حيث أشار ربع من شاركوا في الاستفتاء الى ان أقسام الشرطة طلبت منهم دفع رشاوى عندما اضطروا الى التعامل معها واضطر واحد من كل ستة الى دفع رشاوى تلتها المحاكم ثم قطاع التربية وبعده قطاع الصحة. وقالت رئيسة المنظمة مس لابيل في تصريح لها بمناسبة صدور التقرير " ان ما يبعث على القلق ان
القطاعات الأكثر فسادا هي القطاعات الأكثر تماسا مع حياة الناس مثل الصحة والتربية والقضاء والشرطة).
وقد فشلت في كثير من الأحيان جهود مكافحة الفساد في مختلف دول العالم، ذلك أن الفساد جريمة سرية (ضبابية) يصعب في كثير من الأحيان إثباتها من خلال الوسائل التقليدية للإثبات والتحقيق، بالنظر لاحتياط الفاسدين بعدم تركهم وراءهم دليلا ماديا يشير الى تورطهم في هذه الجرائم، إذ انها تتم في اغلب الأحيان بعيدا عن أعين الناظرين وخلف الأبواب الموصدة ، ويرتكبها في الغالب أشخاص على قدر من الدراية والمعرفة بأساليب الالتفاف على القانون وفي تسخير المعرفة التي يمتلكونها لأغراض دنيئة ، ولذا يعجز ضحية الفساد غالبا عن إثبات دعواه امام القضاء فيرجع خائبا ومضطرا لان يكون ضحية للفساد في المرات المقبلة أيضا .
وازاء هذا التحدي الكبير سعى فقهاء القانون الى إيجاد أنظمة قانونية جديدة تتسم بالفعالية والمرونة في التطبيق تكفل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة الى ابعد مدى ممكن ودراسة أسباب الفشل الذي اعترى وسائل مكافحة الفساد ، فالتشخيص الدقيق للمشكلة جزء من حلها ويمكن استعراض وسائل مكافحة الفساد في بعض الدول ونجاحها على النحو الآتي:
أولا: إنشاء هيئات مستقلة للرقابة ؛ تعد السلطة التنفيذية في مختلف الدول من
أوسع مواطن الفساد من حيث الكم والنوع ، بالنظر للمهمات الضخمة الملقاة على عاتقها المتمثلة في إدارة المرافق العامة للدولة وإدارة عموم النشاطات الاجتماعية والاقتصادية في البلد ،وقد فشلت وسائل الرقابة الداخلية ، اي رقابة الإدارة على نفسها ، مثل التفتيش الإداري ، في أداء الإغراض المرجوة منها ، فالإدارة هنا هي الخصم والقاضي في ذات الوقت ، اذ ينشأ في الغالب بين أفراد الإدارات العامة نوع من التضامن المشوه يؤدي في أحيان كثيرة الى التستر او التساهل ازاء جرائم الفساد ، كما ان القيادات السياسية تسعى دائما للتستر على فضائح الفساد لانها ذات تأثير قاتل على نتائج الانتخابات وتوجهات الرأي العام. وقد تستخدمها في احيان اخرى لأسباب سياسية كوسيلة للقضاء على الخصوم السياسيين وتشويه سمعتهم ،وعلى أساس من هذه المعطيات نشأت الدعوة الى أنشاء هيئات رقابية مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن اي سلطة اخرى ، تتمتع بالاستقلال المؤسساتي الكامل ،اي الاستقلال الإداري والمالي وفي سلطة اتخاذ القرار، ومنح منتسبي هيئات الرقابة قدرا محدودا من الحصانة (الإجرائية)، وعندها لا يخشى هؤلاء المنتسبون وهم يؤدون واجبهم من انتقام المتنفذين من رجال الادارة العامة ،وترتبط هذه الهيئات من الناحية الفنية بالسلطة التشريعية،وذلك لتجنب التأثير السلبي لحساسيات الاجهزة التنفيذية من هيئات الرقابة ومحاولاتها لإسقاطها اوتحجيمها او التشكيك في جدواها، اما من الناحية الإدارية فيكون الارتباط محدودا يقتصر على قيام السلطة التشريعية على انتخاب المسؤول الأعلى للرقابة وعزله ودفعا لاحتمال تدخل الطموحات السياسية للأغلبية البرلمانية في هذا التعيين فان الترشيح لهذا المنصب يتم من قبل سلطة اخرى محايدة هي السلطة القضائية.
وهذا يمثل نوعا من الرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة ، فالاستقلال نسبي لا مطلق ، وهذا يمثل أفضل الحلول ، ذلك ان الاستقلال المطلق لأية سلطة من السلطات يقود الى الفساد والى نشوء نوع من الدكتاتورية المؤسساتية التي تفقد التعاون اللازم بين هذه السلطات مرونته بعدم اخذ أي سلطة من هذه السلطات الاعتبارات التي تهم السلطة الأخرى بنظر الاعتبار. فالرقابة المتبادلة تمثل الحد النسبي لاستقلالية اي سلطة ، فقد يصدر القضاء، مثلا ، حكما عادلا ولكنه يتعارض مع مصلحة الدولة السياسية، كأن يؤدي الى أزمة اجتماعية أو أزمة دولية ، وهنا يأتي دور رقابة السلطة التنفيذية من خلال اصدار العفو العام أو الخاص.
وكي لا تتحول هيئات الرقابة بدورها الى مؤسسة دكتاتورية فأن الذي يبت في قضايا الفساد التي تكشفها هذه الهيئات هو القضاء.