الدار البيضاء : أحمد بداح | المغربية
في إمكان مكافحة الفساد أن تعطي دفعة هائلة للنمو الاقتصادي وتخفض أعداد الفقراء في البلدان النامية، وتزيد من فرص الاستثمار وتوسيعه تلك خلاصة ضمن الخلاصات العامة التي استنتجها معهد البنك الدولي.
وحذر من العواقب المترتبة من ظاهرة الفساد في جميع البلدان بدون استثناء.
وأظهرت التجارب أن العديد من البلدان النامية، المتوفرة على موارد مادية هائلة وثروات طبيعية، فشلت في التخلص من مظاهر التخلف، خصوصا ارتفاع معدلات الأمية والوفيات والفقر ونقص الخدمات الأساسية، وباختصار فشلت في تحقيق معدلات مرتفعة في النمو الاقتصادي، وبقيت بذلك في خانة البلدان الغنية بمواردها الفقيرة في مساراتها الإنمائية.
ويقول دانيال كاوفمان مدير المعهد لشؤون نظام الإدارة العامة إن تريليون دولار هو رقم تقديري للرشاوي الفعلية المدفوعة في أرجاء العالم في البلدان الغنية والنامية معا.
ويقول إنه "من المهم التأكيد على أن هذه المشكلة لا تواجه البلدان النامية فحسب، بل إن محاربة الفساد تحديا عالميا".
ويضيف كاوفمان أن رقم تريليون دولار جرى حسابه على أساس البيانات الاقتصادية لعام 2002-2001، مقارنة مع الحجم التقديري للاقتصاد العالمي في ذلك الوقت.
وكان تخطى 30 تريليون دولار بقليل، وأن هذا الرقم لا يتضمن اختلاس الأموال العامة أو سرقة الموجودات العامة، مع العلم أن عدة تطورات حصلت في الأعوام القليلة الاخيرة.
ويستنتج المسؤول الأممي أنه من الصعوبة بمكان تقييم حجم اختلاس الأموال العامة على صعيد العالم ككل، واستطرد "لكننا نعلم حقاً أن تلك مشكلة خطيرة في أماكن عدة".
وأعطى مثال بما قدمته منظمة الشفافية الدولية من أن الزعيم الإندونيسي السابق سوهارتو اختلس ما بين 15 و 35 بليون دولار من بلاده في حين اختلس فيرديناندو ماركوس في الفلبين وموبوتو في زائير سابقا وأباتشا في نيجيريا ما قد يصل إلى 5 بلايين دولار لكل منهم.
إلا أن كاوفمان يلاحظ أن احتساب المبالغ الكلية للصفقات الفاسدة ليس إلا جزء من التكاليف الإجمالية للفساد، وتشكل عقبة رئيسية أمام تخفيض أعداد الفقراء واللامساواة ووفيات اَلرضع في الاقتصادات الناشئة، وبصورة عامة عقبة في وجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والتحرر السياسي الكامل.
في هذا الصدد تبين أبحاث معهد البنك الدولي أن البلدان التي تكافح الفساد وتعمل على تحسين سيادة القانون فيها يمكنها أن تزيد دخولها الوطنية بما قد يبلغ أربعة أضعاف على المدى الطويل.
ويمكنها أن تخفض وفيات الرضع فيها بنحو 75 في المائة.
ويقول كاوفمان : "وجدنا ما نسميه »مردود الـ400 في المائة لنظام الإدارة العامة الجيد"، ويقصد الحكامة الجيدة .
ويشرح أنه في بلد يبلغ نصيب الفرد من الدخل 2000 دولار يمكنه إذا جابه الفساد وعمل على تحسين نظام الإدارة
العامة وسيادة القانون أن يتوقع زيادة نصيب الفرد من الدخل فيه إلى 8000 دولار أميركي على المدى الطويل.
وعلى العكس من ذلك إذا استشرت الظاهرة ضعفت فرص التنمية والانعتاق، وقلت درجة مصداقية الشعوب تجاه السلطات.
ويمكن لمكافحة الفساد أن تدفع بمسارات التنمية.
ويذهب كاوفمان إلى أنه "لاغرابة في أن مكافحة الفساد وتحسين نظام الإدارة العامة يمكن أن يعطيا دفعة رئيسية للبلد النامي المعني".
وتمثل بلدان مثل بوتسوانا وشيلي وكوستاريكا وسلوفينيا، التي حققت مستويات ضبط للفساد شبيهة بتلك التي يتمتع بها كثير من البلدان الصناعية تحديا للفكرة الشائعة التي تفيد أنه لا بد لمكافحة الفساد من أن يصبح البلد المعني غنيا أولا.
إذ الواقع أن الأبحاث التي تعتمد على قاعدة بيانات شاملة لمسائل نظام الإدارة العامة في 200 بلد تبين أن تحسين نظام الإدارة العامة وسيادة القانون وضبط الفساد تؤدي إلى مستويات أعلى من نصيب الفرد من الدخل.
في العقود الماضية سيما العقد الأخير من القرن الماضي, تحول الفساد إلى احدى المشاكل ذات الطابع العالمي، وابتدأت من نهاية الحرب الباردة على وجه التحديد، وإن كانت الظاهرة قديمة قدم النشاط الاقتصادي والتجاري البشري.
وإلى جانب تأثيرها الحاد على مسارات النمو والتنمية والااستثمار.
شكلت الممارسات والسلوكات الفاسدة, من جانب حكام مستبدين, ومجموعات حاكمة ولوبيات تسيطر على السلطة وعالم المال والأعمال.
شكلت تهديدا مستمرا للموجات التي ظهرت في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان والتكامل الاقتصادي واتساع نطاق التجارة على المستوى العالمي.
والفساد لاينحصر في الدول النامية, بل ينتشر في كل زمان ومكان ويتسم بطابعه الكلي
وهو يحدث في كل المجتمعات، في النظم الديموقراطية وفي الديكتاتوريات العسكرية، وفي جميع مستويات التنمية، وفي كل النظم الاقتصادية، من الاقتصاديات الرأسمالية المفتوحة كالولايات المتحدة الأميركية، إلى الاقتصاديات ذات التخطيط المركزي كالصين حاليا أو الاتحاد السوفياتي سابقا.
بالنسبة إلى البلدان النامية أو السائرة في طريق النمو, أو التسمية الأكثر تهديبا "البلدان الناهضة".
كما هو حال بلدان جنوب شرق آسيا, ظهرت حقيقة مفادها أن الفساد يختلف في أشكاله وتغلغله والعواقب التي تنتج عنه.
وتظهر هذه الحقيقة, وفق ما يرى كيمبيرلي آن أليوت، مؤلف كتاب »الفساد والاقتصاد العالمي« الصادر عام 2000, تظهر أن الفساد, وأساسا دفع رشاوي، يخفض من النمو الاقتصادي، ويعيق التنمية، ويحد من الشرعية السياسية.
وهي عواقب تزيد بدورها من حدة الفقر وعدم الاستقرار السياسي وحسب الكاتب قد تكون الآثار الاقتصادية لفساد أقل حدة في البلدان المتقدمة والقوية اقتصاديا بيد أنه حتى في البلدان الغنية لا تستخدم الموارد المسربة في تحسين مستويات المعيشة كما يميل الفساد إلى زيادة تفاقم الفوارق في المداخيل عن زيادة نفوذ أؤلئك الذين لديهم استعداد وقدرة على دفع رشاوي، بما يلحق الضرر بمن لايستطيع الإقدام على ذلك.
وتثير هذه القضية انشغالا متزايدا في الكثير من البلدان المتقدمة والنامية على السواء
وفي مايخص تقويض الشرعية السياسية، في البلدان المتقدمة والنامية جميعها، يمكن للفساد أن يعمل على إقصاء المواطنين العاديين من دوائر قيادتها السياسية وجعل قيام حكومة فعالة مسألة صعبة جدا.
ومن الممكن أن يحدث الفساد اكثر الآثار إيذاء في البلدان التي تمر بمراحل انتقالية، مثل روسيا في بداية العقد الماضي، إذ يستطيع الفساد حينما يترك طليقا أن يقضي على التأييد الذي تحظى به الديموقراطية واقتصاد السوق .
ويرى كيمبيرلي آن أليوت أن السجل يكشف أيضا أن الفساد يبتلي أيضا البلدان التي كان أداؤها جيدا نسبيا, مثل كوريا الجنوبية واليابان والمكسيك وإيطاليا .
في السابق وفي بعض هذه النماذج يبدو أن الفساد, في صورة المحسوبية السياسية, كان يمثل عاملا في الاستقرار السياسي قصير الأجل, أكثر ما يمثله في ما يخص زعزعة الاستقرار .
ويلاحظ المؤلف أن الفساد الذي كان يساهم في وقت من الأوقات في الإستقرار, يمكن أن يسفر عن عكس ذلك.
وأعطى مثالا لهذه الحالة بما حدث في كوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا, والسخط الذي حدث في المكسيك.
والأرجح، استنادا إلى ذلك، أن الفساد يمكن أن يعمل على تثبيت أحوال سياسة تتسم بالقهر والظلم ويفتقد فيها الجميع, باستثناء النخبة الثرية, إلى الإمكانيات اللازمة لحماية أنفسهم من الاستغلال.
هل نجحت جهود مكافحة الفساد؟ وما هي العقبات التي تحول دون ذلك؟
في هذا السياق يقول كاوفمان إن تقدما تحقق في مواجهة الظاهرة، في بعض المجالات.
ويستطرد "لكن هناك حاجة ماسة إلى القيام بمزيد من الجهد، فلا يزال التحدي الرئيسي قائما وهو يتطلب قدرا هائلا من التصميم السياسي، من الحكومات الوطنية والقطاع الخاص (بما في ذلك الشركات متعددة الجنسيات) والهيئات الدولية".
ويرى كاوفمان أن مسألتين أساسيتين ضروريتان لمضاعفة فرص النجاح, هما :
ـ النظر إلى الفساد في إطار جودة الأنظمة العامة للإدارة والتغيير المؤسسي، إذ أن تشجيع سيادة القانون وحماية حقوق الملكية وحرية الصحافة والتنافس السياسي والشفافية بشكل عام، وفي حقل السياسة بشكل خاص (كما في تمويل الحملات الانتخابية)، كلها تدابير ضرورية وحيوية في المواجهة.
كذلك فإن الآليات التي تسمح للمواطنين بأن يكون لهم صوت فعال تلعب دورا مركزيا في هذا المجال.
ـ مشاركة المواطن في مكافحة الفساد، فلايمكن لجهود المكافحة أن تنجح عن طريق أعمال تقوم بها بعض المؤسسات الحكومية فحسب.
إذ لابد أن يشارك في هذه الجهود المجتمع المدني ووسائل الإعلام والبرلمان والجهاز القضائي والقطاع الخاص، بشكل يعطي لكل جهة من هذه الجهات صوتا وقدرة على الفعل.
ويمكن لطرق مبتكرة لإشراك المواطنين على المستوى المحلي للعمل مع بلدياتهم لتحسين نظام الإدارة وضبط الفساد أن تكون فعالة جدا, كما في حالة مشروع كبير يصل قرى أندونيسية كثيرة أو في حالة عملية وضع الموازنة بطريقة تشاركية في بورتو أليغيري في البرازيل.