اكرم سالم-الصباح
من أبرز ستراتيجيات تنمية الأعمال والنهوض بها التي أخذت وتائرها تتصاعد في السنوات الأخيرة ما يسمى بالأعمال الصغيرة والمتوسطة الصناعية والخدمية التي أخذت تسود بشكل ملفت في الدول الغربية فيما تحذو حذوها الدول النامية التي وجدت في هذا التوجه الاقتصادي تناغما مع ما تعانيه من الافتقار الى رؤوس الأموال الكبيرة وهشاشة البنى التحتية وعدم التكامل، إضافة الى ارتفاع معدلات البطالة وعدم استقرار سوق العمالة.
وفي الوقت الذي بدت فيه دول عربية وشرق أوسطية مهتمة بشكل كبير بهذا النوع من الأعمال فإن قطاعات العمل في الدول الغربية قد أخذت بهذه الاستراتيجية منذ عقود بشكل فاعل، نظرا لمرونتها وسرعة تجددها وتكيفها مع بيئة العمل المحلي والاقليمي والدولي في مواجهة ظروف العولمة وانفتاح السوق العالمي ومتغيراته السريعة الحافلة بالمفاجآت والتعقيد وعدم التأكد، الأمر الذي يضاعف التحديات والمخاطر التي تحيط بالشركات الكبيرة والعملاقة التي تخفق غالبا في التغلب على الأزمات الاقتصادية الحادة ولا تتمكن من التكيف معها لأسباب تنظيمية وهيكلية عادة ما يجعلها عرضة للافلاس كشركة كريزلر العملاقة الأمريكية لصناعة السيارات، وغيرها المئات من الشركات الكبرى التي أخفقت وأعلنت عجزها عن الاستمرار، أو أنها قامت بتقليص نشاطاتها وانشطارها الى وحدات أعمال صغيرة ومتوسطة قادرة على الاستجابة المرنة والتحرك التجاري الديناميكي بشكل يتواكب مع متغيرات السوق والمتغيرات البيئية الأخرى.
من جانبه اتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي قرارات بدعم الأعمال الصغيرة والمتوسطة في العالم العربي، وحث قمة الدوحة الاقتصادية الأخيرة على توفير الموارد المالية اللازمة للتمويل والدعم برأس مال قدره (2) مليار دولار تدار من قبل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، كما دعا الى تسهيل انتقال أصحاب الأعمال والمستثمرين ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومن المتوقع أن يشكل قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو 80% من الأعمال في الشرق الأوسط خلال السنتين القادمتين استنادا الى إحصائيات مؤسسة ( آي . دي . سي . ) العالمية للأبحاث، حيث يتوقع أن يؤدي النمو السريع بهذا القطاع الى ارتفاع إنفاقه في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتقدمة الى حوالي 35% من حجم الإنفاق على النطاق الإقليمي ، إذ أن قطاعات الأعمال الغربية قد قطعت شوطا متقدما في هذا المجال منذ سنوات عديدة وتجاوزت نسب شركاتها المعرفية والقائمة على المعرفة والمعلوماتية نحو 80% من مجمل الأعمال الجارية.
والى جانب تميز المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالمرونة العالية والتجديد والتكلفة المنخفضة وتوزيع المخاطر لتلافي الأزمات فإنها تتميز أيضا بالإنشاء والتأسيس السريع الذي يلبي احتياجات المبادرين من مؤسسي الأعمال الريادية الذين يشكلون أساس التجدد والإبداع في عالم الأعمال، ما يستوجب إسنادهم الجاد و دعمهم بكل السبل المالية والتقنية والمعلوماتية والإعلامية وتذليل العقبات الروتينية والحواجز البيروقراطية الرسمية المحدقة بهم ، وإتاحة الفرص الكاملة أمام مشاريعهم الواعدة التي تشكل النواة للقاعدة الأساسية العــريضة لأي اقتصاد وطني حيـــوي متطور.
وإذا كان هذا القطاع - الأعمال الصغيرة والمتوسطة بهذا القدر من الأهمية المتزايدة فحري بالمؤسسة الرسمية المعنية للدولة أن ترفده بالدعم بصورة تتوازى مع أهميته وحيويته وتعاظم شأنه ضمن الفعاليات الاقتصادية الأخرى، وان تستحدث له سلطة إدارية متخصصة كما في الدول المتقدمة والطموحة، لرعايته وتنسيق شؤونه ومتابعة نموه والتخطيط لتطويره وتعزيزه بالدراسات والبحوث اللازمة وقواعد البيانات المحدثة ، واقتراح السياسات والتشريعات ذات العلاقة، كذلك بتهيئة سبل التمويل والإقراض المطلوبة التي تشكل عادة التحدي الأكبر لمثل هذه المشاريع والأعمال