بغداد ـ بشير خزعل- الصباح
تزايد الاهتمام بقضية الفساد منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي نظرا لاثاره السلبية على التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد ظهرت العديد من الدراسات التي اتخذت من هذه المشكلة عنوانا لها قدم فيها الباحثون عرضا لصور الفساد ومظاهره وتحليلا لاسبابه في محاولة جادة من جانبهم لكشف وتوضيح هذه الظاهرة والدعوى لمكافحتها والحد من انتشارها، (الصباح) اطلعت على بحوث المشاركين في مؤتمر كلية الحقوق السنوي في جامعة النهرين واستعرضت آراء بعض الباحثين الذين ناقشوا آليات محاربة الفساد المالي والاداري في المجتمع.
الدكتورة زينب احمد استاذة القانون الجنائي في كلية الحقوق ناقشت في بحثها بعض الآليات التي يمكن ان تعالج بها مسألة الفساد المالي والاداري اذ تحدثت قائلة:
ـ لابد ان يصار الى تحديد المجالات وبعض اجهزة الدولة التي استشرى فيها الفساد ودراسة آليات المكافحة للعمل على تطبيقها مع اجهزة مكافحة الفساد، وضرورة اعداد تقرير سنوي يوضح مدى الانجازات والتقدم الحاصل في معالجة قضايا الفساد على ان تنشر هذه التقارير عبر مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ليطلع عليها الجميع لتحقق ردعا عاما وخاصا، ويجب تحديث وسائل الرقابة واستخدام التقنيات الحديثة وتطوير اساليب الممارسة الرقابية، مثال ذلك، تطوير جهاز التحقق باستخدام جهاز كشف الكذب، وفق احدث ما توصل اليه العلم الحديث، وتطوير برامج اصلاح وتدريب الموظفين التي نأمل ان يخضع لها مرتكبو جرائم الفساد وعلى وجه الخصوص من مرتكبي الجرائم غير العمدية لانهم ارتكبوا جرائم من دون قصد.
قانون العفو
نحن بحاجة الى مراجعة دقيقة لقانون التضمين وتعليماته لاسيما في جرائم الاضرار غير العمدي اذ ان تقدير العقوبة يعتمد على جسامة الضرر وتحديد جسامة الاخير من اختصاص لجنة تؤلف بأمر الوزير في الوزارة التي يتبعها الموظف وقرار اللجنة قابل للطعن امام محكمة البداءة خلال (30) يوما تبدأ من تاريخ التبليغ بقرار التضمين.
هذه الجريمة هي قضية فساد لذا يجب ان يعاد النظر في شمولها بقانون العفو بل ينبغي ان تستثنى من الشمول بهذا القانون، فضلا عن تفعيل وسائل المحاسبة والمساءلة الحقيقية لجميع الموظفين على اختلاف درجاتهم الوظيفية ومناصبهم في اجهزة الدولة.
تناقض تشريعي
الباحث الدكتور حسن سعيد عداي حدد بعض النقاط المهمة في معالجة الفساد المالي والاداري اذ اكد على ضرورة تثقيف المجتمع وتحويل الولاء بصورة تدريجية من العائلة والعشيرة الى الامة والوطن وخلق ثقافة عامة ترفض الفساد الذي له تبعات اخلاقية واجتماعية من خلال ترويج القيم الدينية والاخلاقية، فضلا عن وضع خطط ستراتيجية لمكافحة البطالة والتضخم اللذين يولدان الفساد باشكاله كافة، كذلك مسألة تحديد الرواتب بشكل يمنع الموظف من التفكير في ارتكاب جريمة الفساد، واعتماد مبدأ الثواب والعقاب والتحفيز على القيام بالواجب بدقة واتقان واجتثاث حوافز الفساد في كل مؤسسة ووزارة.
واضاف عداي: لابد من ايجاد منظومة قانونية قادرة على التعامل مع مستجدات ومتطلبات الحياة وتعقيداتها تستوعب نظريات التربية الحديثة وتقديم النصائح والارشاد والتوعية والتوجيه يمكن ان تكون لها نتائج مجدية في تحقيق وتكريس الاطر العامة والخاصة للتعامل الاجتماعي والحكومي، الامر الاخر والمهم هو اصدار تشريع خاص بهيئة النزاهة يحدد مركزها القانوني واختصاصاتها على وجه الدقة، هل هي سلطة اتهام، او شكل من اشكال الادعاء العام فضلا عن قربها من سلطة واختصاص قاضي التحقيق، وهل هي هيئة مستقلة لا تخضع لاية سلطة من السلطات الثلاث، او تبعيتها لمجلس النواب، والاسس التي تعتمدها في الكشف عن الممتلكات والموارد الشخصية لاعضاء السلطة التي تتبعها، والغاء الفقرة (ب) من المادة (136) من قانون اصول المحاكمات الجزائية النافذ التي تتضمن
عدم جواز احالة المتهم على المحاكمة في جريمة ارتكبت اثناء تأدية وظيفته الرسمية او بسببها الا باذن من الوزير الذي يتبعه المتهم، اذ لا يستطيع قاضي التحقيق احالة الموظف المتهم بارتكاب جريمة الى المحكمة المختصة مع وجود ادلة كافية لادانته من قبل هذه المحكمة اذا لم يسمح بذلك الوزير التابع له الموظف، وفي هذه الحالة ما هو مصير الدعوى الجنائية في حالة الرفض هل تعد منتهية؟ او منقضية؟ وما هو السند القانوني الذي يقرر انقضاء الدعوى الجزائية، هناك تناقض تشريعي يتطلب تدخل المشرع لحله.
دور الاعلام
عقيلة هادي عيسى الاستاذة في معهد الادارة التقني ترى من خلال بحثها المقدم في المؤتمر السنوي لكلية الحقوق (اثر الشفافية ومؤسسات المجتمع المدني في الحد من الفساد الاداري)، ان اسباب الفساد الاداري والمالي في العراق لا تختلف عن اسبابه في عموم دول العالم مضافا اليها ما مر به المواطن العراقي من حروب وما رافقها من خسائر بشرية ومادية وفقر وتخلف فضلا عن انعدام الامن والاستقرار وتزعزع القيم الاخلاقية وضعف الثقة بمؤسسات الدولة وشعور المواطن بعدم تكافؤ الفرص وانعدام المساواة.
اذ تقول: لغرض معالجة الفساد الاداري لابد من الأخذ ببعض الامور المهمة جدا في تفعيل عملية المعالجة منها على سبيل المثال:
اعتماد معيار الكفاءة والخبرة اساسا للتعيين في الوظائف العامة، وتشكيل لجان من ذوي النزاهة والخبرة من دوائر مختلفة تابعة للوزارة نفسها مهمتها التأكد من توفر الشروط والمؤهلات اللازمة لمن تمت الموافقة على تعيينهم، والعمل على القضاء على الروتين الوظيفي واعتماد الانتاج الوظيفي لتقييم الموظف وليس الساعات التي يقضيها في دائرته، فضلا عن تشكيل نظام رقابي مستقل وفعال يقوم بالاشراف على اداء الوزراء والموظفين.
وهناك جانب مهم آخر في هذا الموضوع هو دور الاعلام واساتذة الجامعات في تنمية الشعور لدى المواطن بمسؤوليته وولائه لدولته والنهوض بها وجعل الولاءات الثانوية عوامل وحدة وبناء، من خلال الندوات والمؤتمرات والدورات وحملات نشر الوعي بالمواطنة وتعزيز القيم الوظيفية ومحاربة الانتهازية والسلبية، نحن بحاجة ماسة الى تفعيل آليات مكافحة الفساد من اجل سير عملية اعادة الاعمار والاستثمار بشكلها الصحيح والمطلوب.
إشكالية المحاصصة
الدكتور حميد فاضل معاون عميد كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد تحدث عن اهم الآليات التي يمكن ان تعالج بها مسألة الفساد المالي والاداري اذ يرى:
ان آليات معالجة مشكلة الفساد، آليات بعيدة الأمد، لانها تتعلق باساليب التربية والتنشئة الاجتماعية، فسنوات الحرب الطويلة ادت الى تخريب المنظومة القيمية بعد ان اصبح الكثير من الظواهر المرفوضة اخلاقيا وادبيا لا تثير اهتمام المجتمع، كالرشوة والاختلاس والسرقة واستغلال المنصب الاداري او السياسي من اجل المصلحة الخاصة، المشكلة في حقيقتها بحاجة الى حلول جذرية وليست آنية، لانها ستظل تتكرر وبطرق واساليب جديدة، هناك ثلاث مراحل المفروض انها تتم في وقت واحد، الاولى هي تفعيل دور التربية الاسرية التي تبدأ من الاسرة ثم رياض الاطفال فالمدارس وصولا الى الجامعات في التعريف بالقيم الاجتماعية والاخلاقية الصحيحة، والثانية هي الجانب القانوني ومدى جديته في المحاسبة القانونية للمفسد ايا كان شخصه وموقعه الوظيفي سواء الاداري او السياسي، اذ ان عدم تطبيق قرارات المحاكم الخاصة بالادانة سيجعل من المستحيل السيطرة على عمليات الفساد في مؤسسات الدولة، والنقطة الثالثة هي التخلص من اشكالية المحاصصة السياسية والمذهبية والقومية، عدم محاسبة وزير ما او الكشف عن ملف محافظ او نائب لارتباطه بقائمة حزبية او كتلة برلمانية سيضعف سلطة القانون وتفقد الدولة هيبتها وتضعف ثقة الشعب بالحكومة، ما لم تكن هنالك معالجات جدية سيبقى العراق مع الدول التي تتصدر قائمة الاعلى فسادا في العالم، وستظل جميع مرافق الحياة تدور في دائرة مغلقة من دون اي تغير في مجال البناء والاعمار والاستثمار.
الشفافية
الفساد هو واحد من حيث المبدأ سواء كان اداريا او ماليا او اي نوع آخر، وهو ظاهرة لا تعبر بأية شكل من الاشكال عن مجتمع متقدم يسعى الى تعميق القيم الانسانية المعاصرة التي نسعى اليها جميعا في عراقنا الجديد، لذلك فالحديث عن الآليات التي يجب ان تتبع لمكافحة هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة مسألة بالغة الضرورة.
الدكتور سرمد زكي الجادر استاذ العلوم السياسية تحدث ايضا بشأن هذا الموضوع اذ اكد ان ظاهرة الفساد لا تقل خطورة عن ظاهرة الارهاب في المجتمع، يقول الجادر:
واحدة من اهم السبل في مكافحة ظاهرة الفساد هي الشفافية والوضوح فعندما لا يكون هناك شيء مستور ومغلق او محتكر لشخص واحد او شخصين، لا يمكن لهؤلاء ان يتحكموا في اي مفصل من مفاصل الحياة من دون علم الاخرين، تطبيق الصلاحيات في العمل الاداري بالشكل الصحيح يعطي كل شخص مداه في حقوقه وواجباته، احتكار سلطة الادارة تسمح للنفس المريضة ان تتحكم ويستشري الفساد سواء بدوافع سياسية او اقتصادية او نفسية الجانب الاخر هو معرفة الحقوق والواجبات، عندما يعرف كل شخص حقه وما عليه من التزامات ضمن اللوائح والتعليمات التي يتضمنها القانون لن يكون هنالك مجال لمن يريد ان يخرب او يشيع الفساد مستغلا جهل المجتمع بحقوقه.
وهناك آلية مهمة موجودة في ارقى المجتمعات ـ الثواب والعقاب ـ اذا قلنا ان ظاهرة الفساد المالي والاداري مستشرية فلابد ان نتحدث عن قلة وليس كثرة خيرة، لكن هذه الكثرة عندما ترى القلة تفسد وتفعل ما تشاء من دون رادع سوف تتباطأ ولن ترى جدوى مما تقوم به من فعل الخير، المسيء يجب ان يعاقب بموجب القانون والذي يقوم بواجبه وان كان عمله، فلا بأس في هذا الظرف ان يكافأ لكي يحتذى به، المفسد لابد ان تكون عقوبته شاملة وعامة على المجتمع فالحكم في المحكمة هو اجراء اصولي، يجب ان يعلم الجميع بالفعل بالمرفوض اخلاقيا وقيميا، وقد يقول البعض انه انتهاك لحقوق الانسان، ربما ولكن في مرحلة نريد ان نبني فيها العراق من الضروري ان تفضل مصلحة المجموع على مصلحة الفرد المسيء، لا سيما بعد ان يكتسب الحكم درجته القطعية التي تثبت التهمة على المفسد.