سهيلة منصوران*- الصباح
تمهيد:
هناك الكثير من المشكلات الاقتصادية التي تؤرق مسؤولي السياسة الاقتصادية، ومن هذه المشاكل الفساد الاقتصادي، والذي تعاني منه جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وان اختلف حجمه واثاره تبعا لاختلاف التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة:
والفساد الاقتصادي لايعتبر باي حال من الاحوال قضية جديدة، الا انه شهد في السنوات الاخيرة اهتماما متناميا على المستويين الدولي والمحلي، وهو ما ظهر من خلال مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي، وتقارير التنمية الدولية، الى جانب جهود منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في هذا الشأن، وكذلك المنظمة الدولية الشفافية مؤخراً التي هي من اهم المنظمات الدولية غير الحكومية التي تأسست لمكافحة الفساد وتنامي الاهتمام بالفساد لاتساع نطاقه مؤخرا خصوصا في الدول النامية، ما دفع الباحثين على اختلاف مناهجهم الى تقصي اسبابه، وآثاره الاقتصادية وطرق علاجه.
والفساد الاقتصادي يتضمن صورا واشكالا مختلفة كالاقتصاد الموازي او الخفي، الجريمة المنظمة، تبييض الاموال القذرة، التهرب الضريبي وغيرها.
آليات الفساد الاقتصادي
تشير التعاريف المختلفة الى آليتين رئيستين من آليات الفساد، هما: آلية دفع (الرشوة والعمولة) (المباشرة) الى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، في القطاعين العام والخاص لتسهيل وتسريع عقد الصفقات لرجال الاعمال والشركات الاجنبية، وهو ما يسمى قديما وتاريخيا في المنطقة العربية بـ(البرطيل او البقشيش) ووضع اليد على (المال العام)، والحصول على مواقع متقدمة للابناء والاقارب في الجهاز الوظيفي، وفي القطاعين العام والخاص.
انواع الفساد الاقتصادي
من خلال الدراسات المتاحة حول الموضوع توصلنا الى عدة تصنيفات للفساد، بحيث يمكن تصنيف الفساد الى مجموعة من المعايير وهي:
1- المعيار الاول: وهو وفق انتماء الافراد المنخرطين فيه الى القطاع العام او الخاص فينقسم الفساد الى:
فساد القطاع العام: ويعتبر اشد عائق للتنمية على مستوى العالم وهو استغلال النشاط العام (خاصة في تطبيق ادوات السياسات المالية والمصرفية، مثل التعريفات الجمركية والائتمان المصرفي والاعفاءات الضريبية) لاغراض خاصة، يتواطأ الموظفون العموميون معا لتحويل الفوائد لانفسهم بطرق مختلفة مثل الاختلاس وسرقة الاموال العامة والرشوة..الخ.
فساد القطاع المختلط:
بما ان فساد القطاع العام هو الاوسع انتشارا يمكن ان نعرف فساد القطاع المختلط بانه استغلال نفوذ القطاع الخاص للتأثير على السياسات الحكومية، ويظهر فساد القطاعين العام والخاص، في شكل هدايا ورشاوى من الطرف الخاص واعفاءات واعانات من الطرف العام، ويترتب عليه تغيير في السياسات والقواعد النظامية الموضوعية.
2- اما المعيار الثاني: يمكن تصنيف الفساد في هذا المعيار الى ثلاثة اقسام رئيسة حسب درجة الفساد وهي:
أ- عرضي (فردي): قد يكون الفساد احيانا حالة عرضية لبعض الافراد السياسيين او الموظفين العموميين، او مؤقتا وليس منتظما.
ب- مؤسساتي: وفي حالات اخرى يكون الفساد موجودا في مؤسسة بعينها او في قطاعات محددة للنشاط الاقتصادي دون غيرها من القطاعات الاخرى، كوجود بعض الموظفين الرسميين الفاسدين في بعض الوزارات والقطاعات المختلفة.
ج- منتظم: وفي احيان اخرى يصبح الفساد ظاهرة يعاني منها المجتمع بجميع طبقاته ومختلف معاملاته، وهذا ما يقصده Johnston بالفساد المنتظم او الممتد، وهذا الفساد يؤثر على المؤسسات وسلوك الافراد على جميع مستويات النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وله ملامح تميزه عن غيره:
أ- بانه متجسد في بيئات ثقافية واجتماعية معينة.
ب- يميل الى ان يكون احتكاريا.
ج- فساد منظم ويصعب تجنبه، فهو اخطرهم.
3- المعيار الثالث: وهو تصنيف بحسب حجم الفساد المرتكب ومستوى الموظف فنجد ما يسمى بالفساد الصغير (على المستوى الادنى) والفساد الكبير (على المستوى الاعلى).
أ- الفساد الصغير (على المستوى الادنى):
يطال عادة الموظفين لدى الادارة وموظفي البنوك وبعض المديرين لايتجاوز حدود الحاجة واوضاع المعيشة الصعبة الشيء الذي يفسر انتشار هذا النوع من الفساد، وقد نجده عادة في مرحلة التحول الاقتصادي من النمط الاقتصادي الموجه الى اقتصاد السوق، وكما يظهر في الاسم فهو اخف ضررا مقارنة بالفساد الكبير.
ب- الفساد الكبير (على المستوى الاعلى):
يطال غالبا المسؤولين الكبار، وصناع القرار في البلد، لاجل تحقيق فائض الريع، فهذا النوع مرتبط بالصفقات الكبرى في عالم المقاولات وتجارة السلاح، والحصول على التوكيلات التجارية للشركات الدولية الكبرى متعددة الجنسيات، فتحدث عادة على المستويين السياسي والبيروقراطي.
وهذا النوع من الفساد اخطر واعمق، وكما حدث في بعض البلدان الغربية اثناء عملية التطور الرأسمالي، وان كان البعض يكونون الثروات ويحققون التراكم المالي من خلال (التجارة)، اذ يكتسب البعض من خلال المناصب الادارية نفوذا واسعا، ووصولهم الى اعلى مراتب جهاز الدولة، يسمح لهم بالحصول على مغانم مالية وتكوين الثروات السريعة والطائلة وتكون عادة بمثابة (ريع المنصب).
وما حدث في السابق لتلك الدول، يحدث اليوم لمعظم الدول النامية، وهذا ما دفع عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بوردو Pierre Bourdieu الى وضع مفهوم رأس المال الرمزي (ليقابل به رأس المال المادي) الملموس والمتعارف عليه، فهؤلاء الذين يقبضون على مقاليد ومكونات (رأس المال الرمزي) من ثنايا هيكل السلطة، لهم دور مهم في اعادة (انتاج الفساد) في العديد من البلدان النامية، وسد الطريق امام عمليات (التراكم الانتاجي) ولعل هذا النوع من الممارسات يلقي الضوء على مدى ضعف كفاءة (اداء آليات السوق) في هذه الدول.
رابعا: اسباب وجود الفساد وانتشاره
1- الاسباب الاقتصادية: هناك مجموعة من الاسباب التي لها علاقة مباشرة بالنشاط الحكومي في المجالات الاقتصادية:
أ- تدخل الحكومة في الانشطة الاقتصادية
* خلق قيود الاستيراد
* منح الاعانات الحكومية
* الكتمان والاحتكار والمحاسبة
ب- انخفاض مستويات الاجور الحكومية:
ج- تضخم الجهاز الاداري
د- وجود قاعدة موارد طبيعية كبيرة في المجتمع
هـ- كبر نسبة موازنة الدفاع في الموازنة العامة
2- الاسباب السياسية للفساد:
أ- الحكومات الضعيفة:
ب- عدم اهتمام القيادة السياسية بمحاربة الفساد:
4- الاسباب الاجتماعية والثقافية
5- وهناك مجموعة من الاسباب ذات طابع اجتماعي ونذكر منها:
أ- نمط العلاقات والاعراف والوعي بين افراد المجتمع:
ب تعقد القوانين الضريبية وصعوبة فهمها.
ج- قلة معاقبة المفسدين:
خامسا: تقويم آثار الفساد الاقتصادي على النمو الاقتصادي
أ- الجوانب الايجابية للفساد:
1- يقلل الفساد من القيود الحكومية والجمود الاداري الذي يصاحب دائما الموافقة على الاستثمارات الجديدة الوطنية، او الاجنبية وهكذا يمكن للفساد ان يحرك عجلة التنمية الاقتصادية Greases the Wheal لكن هذه الحجة يمكن دحضها بسهولة، اذا تذكرنا ان القيود والجمود الاداريين في الحكومة ينشآن من داخل الحكومة وليس من خارجها، اي انه لا يمكن ازالتهما من المجتمع، لانه في الحقيقة اوجدهما المسؤولون العموميون، من اجل الحصول على المكاسب الشخصية.
2- عادة ما تكون الشركات الاكبر كفاءة، اكبر قدرة على دفع الرشاوى، ومن ثم فان العقود الحكومية والممارسات ستذهب للشركات الاعلى كفاءة، هذه الحجة لاتقوى على النقد فليس من الضروري - عند المنافسة على العقود الحكومية - ان تكون الشركات القادرة على دفع رشاوى اكبر، اكثر كفاءة، لاننا اذا نظرنا الى الرشاوى بعيدا عن النظرة الاخلاقية - على انها استثمارات خاصة - فان معدل العائد المرتفع عليها سيغري الكثيرين بالابتعاد عن الانشطة الباحثة عن الريع، وهذا بلاشك له ضرره الواضح على الكفاءة الاقتصادية.
- تختلف عادة القيمة الاقتصادية للوقت بين الافراد والشركات، ولذا يمكن اعتبار الرشوة من اجل توفير الوقت واستغلاله بصورة افضل، فالرشوة تكون هنا من اجل الاستغلال الكفء لعنصر الوقت من قبل المحتاجين اليه. ولكن الحقيقة هي ان دفع الاموال للبيروقراطيين، لايؤدي بالضرورة الى سرعة انجاز المعاملات من اجل الحصول على المزيد من الاموال غير المشروعة.
4- من الناحية السياسية، قد يكون الفساد مفيدا وذلك من خلال الحفاظ على وحدة المجتمع واستقراره، ومما لاشك فيه ان الاستقرار السياسي هو شرط ضروري لتحقيق النمو الاقتصادي.
ب- الاثار السالبة للفساد الاقتصادي:
تبين كثير من الدراسات ان للفساد اثارا سالبة في كل من الكفاءة والنمو الاقتصاديين، من خلال تأثيرات الفساد غير الملائمة على كل من الحافز على الاستثمار والانشطة الانتاجية مقارنة بالانشطة الباحثة عن الريع)، وعلى نوعية وكفاءة المرافق العامة، والاسواق وتخصيص الموارد والعدالة في توزيع الدخل 1 وخلق ثقافة الفساد في المجتمع على النحو الذي سنوضحه فيما ياتي:2
1- يقلل من الحافز على الاستثمار:
يقلل الفساد من الحافز على الاستثمار، لان رجال الاعمال في البيئة الفاسدة عليهم اعباء اضافية عند قيامهم بأنشطتهم الاستثمارية، فعليهم:
- دفع الرشاوى حتى يسمح لهم ببدء نشاطهم.
- دفع الرشاوى عند القيام بالاجراءات المختلفة المرتبطة بالمشروع والحصول على التصاريح وعلى التوثيق.
وسيؤدي هذا بالطبع الى زيادة تكلفة الاعمال خصوصا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويزيد من درجة عدم التأكد في الاقتصاد القومي، ما يقلل من تحفيز رجال الاعمال على الاستثمار، ويعيق النمو الاقتصادي.
في الواقع يفرض الفساد على رجال الاعمال ضريبة سيئة (خاصة) لانها ضريبة عشوائية تحكيمية وذات تكلفة عالية جدا على الرفاهية الاقتصادية وذات عبء كبير.
2- يزيد من عائد البحث عن الريع مقارنة بالعمل المنتج:
وهكذا نجد ان الفساد يشوه الحوافز نحو العمل، فيخصص الافراد وقتهم لممارسة الفساد وليس الانشطة المنتجة، ويغري هذا بالطبع اصحاب المهارات والمواهب بالاتجاه نحو الاعمال الباحثة عن الريع بدلا من العمل المنتج ما يقلل من معدل النمو الاقتصادي.
3- يقلل من الايرادات العامة ويزيد من النفقات العامة:
يأخذ الفساد في هذه الحالة شكل التهرب الضريبي، او محاولة الحصول على اعفاءات ضريبية غير مشروعة، كما يزيد من تكلفة بناء وتشغيل المشروعات العامة، ويحقق هذا نتائج عكسية على الموازنة العامة للدولة، حيث لاتستطيع الحكومة القيام بممارسة السياسة المالية السليمة.
وقد تزداد حدة مشكلة عجز الموازنة اذا تم تمويله بواسطة الجهاز المصرفي، ما يولد معه تضخما وعدم استقرار اقتصاديين الامر الذي يعيق النمو الاقتصادي.
4- يقلل من نوعية المرافق العامة وكفاءتها:
يتحقق ذلك بالطبع عندما يتم ارساء الهبات والعطاءات بصورة فاسدة، لانه سيؤدي الى منح عقود الاشغال العامة للمؤسسات الاقل كفاءة التي تدفع الرشاوى ويقلل هذا بدوره من نوعية وكفاءة الخدمات العامة ولا يشجع المشروعات الانتاجية والتحويلية على الاستفادة من وفرات الحجم من هذه المشروعات والنمو الاقتصادي الناجم عنها.
5- يشوه تركيب النفقات العامة.
6- يشوه الاسواق وتخصيص الموارد.
7- يزيد من الفقر ويقلل من العدالة في توزيع الدخل.
8- يخلق (ثقافة الفساد).
الخلاصة:
ان الفساد الاقتصادي مرض ينخر جسم الاقتصاد الوطني، ويعرقل مسيرته، وان استفحاله يؤدي الى خراب الاقتصاد والمجتمع على السواء، تعددت اشكال الفساد الاقتصادي وتنوعت مظاهره حتى اصبحت ظاهرة تتواكب مع التطور التكنولوجي من حيث قدرة المفسدين على استخدام الوسائل الحديثة والمتطورة في نشر هذه المظاهر، ومهما كانت قدرات الدول في التغلب على مظاهر واسباب التخلف الاقتصادي والاجتماعي، فانه بدون مكافحة انشطة الفساد الاقتصادي والقضاء عليها فان جهود التنمية تبقى بدون جدوى ولا يتم مواجهة الفساد الاقتصادي بشعارات الاصلاحات الشكلية دون اعتماد ممارسات فعلية في اختيار الاطارات الكفوءة القادرة على تحمل مسؤوليات التغيير بكل نزاهة وشفافية مع توفر اجهزة المراقبة والمساءلة التي تكون متكاملة في مختلف الميادين وعلى مختلف مستويات دواليب الحكم.
هامش
1- من اوضح الامثلة عن تلك الاثار السالبة للفساد تظهر في قارة افريقيا، تلك القارة التي تعد من اكثر قارات العالم ثروة طبيعية، ولكن مع وجود الفساد يعيش سكانها في احوال اقتصادية بالغة السوء، ولعل من المناسب ان يتساءل المرء هل هذه الثروة نعمة ام نقمة لافريقيا. انظر: خالد عبدالعزيز الجوهري، الفساد: رؤية تحليلية لواقع الظاهرة في القارة الافريقية، السياسة الدولية، السنة 73، العدد 43 (كانون الثاني/ يناير 2001)، ص233.
النصولي، اثر الفساد في النمو Mauro, Why Worry about Corruption? Tanzi,lbid, pp559-591? الاقتصادي ص187- 196 المرسي السيد الحجازي، مرجع سابق، ص21- 31