المهندس الاستشاري سلام ابراهيم-الصباح
من غير الممكن ايقاف ماكنة الفساد من دون تشريعات قانونية واجراءات حازمة في اطار خطط وبرامج ملموسة واعتماد الدولة سياسة اقتصادية وبرامج وخطط للنهوض بالاقتصاد العراقي وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستعادة الذاكرة الوطنية ومقومات الهوية الثقافية من دون تصفية جرائم الفساد في اطار خطة متكاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية
لا يمكن اقامة دولة قانون تحقق للجميع الامن وتحمي حياة الانسان وحقوقه وتستند الى المواطنة وتوفر فرص العمل المتكافئة وشروط العيش الكريم من دون انماء الوعي القانوني لدى افراد المجتمع والرابطة الجدلية الطردية بين هذا الوعي وروح المواطنة، لاجل احترام حقوق الاخرين والمحافظة على المال العام وتجنب الاخطاء ومعرفة ما لنا وما علينا في هذا الوطن والمساهمة في بناء العراق الجديد ، العراق الدستوري المؤسساتي ويستند نهوض الوعي القانوني الايجابي على تطور الوعي المجتمعي لطي صفحات الماضي وسلبياته عبر تكريس مفهوم المواطنة وحق الجميع بالمال العام وتساوي جميع العراقيين بالحقوق والواجبات والمسؤوليات بغض النظر عن خلفياتهم القومية او الدينية او مركزهم الاجتماعي.
لا مفر من القدر والمواجهة مع امبراطورية الفساد ولا سبيل غير اجتثاث هذا المرض الذي استوطن فينا ولا مهرب من استخدام الجراحة بهدف استئصالهم من الجذور مهما كانت منزلتهم. سياسيين وزراء، مستشارين، ضباطا مدراء دوائر الدولة، مقاولين، رجال اعمال، اصحاب مؤسسات اهلية .. اصحاب مهن حرة رجال دين .. اطباء .. صيادلة .. تجار .. محامين .. هذا هو قدر القضاء العراقي الحر المستقل الوطني المتحيز لمصالح شعبه، القضاء الذي يفترض به الامساك بالحلقة المفقودة للوضع الداخلي، القضاء الذي يحمل تخليصنا من اعدائنا الجدد الذين يعيثون فسادا في العراق. المطلوب هو تحطيم اغلال العقل القومي المتعصب والطائفي المقيت ليلتئم الجميع وتلتحم الهمم في خندق الوطن الواحد لأن حركة الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي لا ترحم المغفلين ولا تترك العابثين من دون جزاء وعقاب.
الفساد بات غولا يدمر الضعفاء والفقراء مع المؤسسات الوطنية بكل تجلياتها ويوسع بيد كل مباذل وموبقات وجرائم بعض اصحاب القرار حتى اوصل بلادنا والعباد الى ثنائية القاتل والقتيل المشروع الوطني الديموقراطي وحده والثقافة الوطنية الديموقراطية وحدها كفيلان دون سقوط الوطن على يد القاتل القتيل!
من اهم مبادئ اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ان تكفل الدولة وفقا للمبادئ الاساسية لنظامها القانوني وجود هيئة او هيئات حسب الاقتضاء تتولى منع الفساد وتعميمها بوسائل من قبيل : وضع تنفيذ او ترسيخ سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد تعزز مشاركة المجتمع وتجسد مبادئ سيادة القانون وحسن ادارة الشؤون والممتلكات العمومية والنزاهة والشفافية والمساءلة . زيادة المعارف المتعلقة بمنع الفساد وتعميمها وبجانب ذلك منح الهيئة او الهيئات ما يلزم من الاستقلالية لتتمكن من الاضطلاع بوظائفها بصورة فعالة وبمنأى عن اي تأثير لا مسوغ له .
لا بد من وضع القانون الوطني لمكافحة الفساد الاداري الذي يضع توصيفا لحالة المسؤول وتضارب المصالح والتصريح بالممتلكات الشخصية وتوضيح العقوبات الى جانب اعتماده مبدأ الشفافية واعداد استراتيجية عمل تمتد ما بين ثلاث الى خمس سنوات كخطة لمكافحة الفساد تنطلق العام 2009 واقرار قانون جديد للخدمة المدنية يساعد على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب عبر الاطر التوظيفية الصحيحة واستناد عمليات التعيين والترقية للموظف على اسس علمية .
من الضروري اصدار قانون يخص هيئة النزاهة وينظم اعمالها من السلطة التشريعية العراقية فالهيئة لا زالت تعمل وفق الامر المرقم (55) لسنة (2004 ) الذي اصدرته سلطة الائتلاف المؤقت.
في عملية مواجهة الفساد الاداري والمالي لا بد من تحسين وتطوير وسائل وطرائق الاداء الحكومي والمدني العام ، والخاص واتباع المناهج الحديثة وتدريب العاملين وتطوير قدراتهم وادخال الاساليب والتقنيات الجديدة والمتطورة التي تضمن تضييق فرص انتشار عمليات الفساد من قبيل !
* تحديث الاداء الفني لدوائر التسجيل العقاري .
* اشاعة اعتماد الابنية والقطع الخرسانية الجاهزة او نصف الجاهزة في تنفيذ الابنية والمنشآت.
* ايصال المياه الصالحة للشرب الى المواطنين عبر احداث وتأسيس شبكات المياه الخاصة .
* تحديث وسائل متابعة تنفيذ المشاريع
* اعادة العمل باسلوب النقل العام داخل المدن .
* اعداد قانون جديد للبناء والطرق والنشاط الحضري والعمراني في المدن والقصبات ونبذ نظام الطرق والابنية رقم 44 لسنة 1935.
* اجراء تغييرات ومراجعة شاملة على جميع التشريعات الخاصة بالاوضاع المحلية النافذة وخصوصا قانون المحافظات النافذ وقانون ادارة البلديات وتعديلاتهما وتوجيه التشريعات المحلية والاقليمية الثانوية وسواها من تشريعات المدن والقصبات باتجاه تلبية متطلبات التنمية الحضرية والاقليمية اجتماعيا وعمرانيا وثقافيا بل وسياسيا واقتصاديا ايضا .
ولأجل مكافحة الفساد يتطلب ايجاد موازنتين لا غنى عنهما:
الاولى: ملاحقة الفساد والمفسدين بكفاءة دون ان يؤدي ذلك الى تعطيل جهود الاعمار والبناء ويكون ذلك عبر ملاحقة المفسدين دون ان تتورط في ملاحقة المخلصين بوشايات كاذبة او بدوافع سياسية شخصية .
الثانية : تحقيق التوازن بين ملاحقة الفساد والحفاظ على حقوق الانسان فمن غير المقبول ان تهدر مبادئ حقوق الانسان تحت حجة ملاحقة الفساد لأن الحفاظ على اعراض الناس وحرياتهم مسألة لا تقل اهمية عن السيطرة على الفساد !
سيبقىالفساد الى ان تستقل السلطات عن بعضها البعض وفق الدستور وخاصة السلطة القضائية التي يجب ان تتحرر من كل الضغوط ومنها الخوف سيبقى الفساد ما دام المواطن دون ضمان صحي ولا ضمان اجتماعي ولا ضمان شيخوخة ولا ضمان للعاطلين عن العمل سيبقى الفساد ما دامت المرأة لم تدخل حتى الان في معادلة التوازن الاجتماعي للوجود الانساني ومادام الطفل يولد ويترعرع في بيئة الشد والجذب دون قواعد قانونية صلبة تضمن حاضره ومستقبله وعليه حتى نصل الى اليات فعالة لمحاربة الفساد ما علينا الا ان نضع استراتيجية مكافحة حقيقية /معاقبة الفاسدين/ وقاية جدية التوعية والتثقيف وقبل كل ذلك قيادة سياسية مؤمنة ايمانا حقيقيا بتغيير هذا الواقع المر.