This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

لم يعد سراً
06/05/2009

 

 

د. كريم شغيدل- الصباح
يرى عدد من الدارسين أنَّ بعض الفساد له بعض الفائدة، فكيف يكون ذلك؟ يضطر المستثمرون لدفع الرشاوى لتسهيل مهامهم التنفيذية وتجاوز عقبات الروتين المؤسساتي وذلك لكسب عامل الزمن ومهما كانت المبررات فإنَّ الفساد هو الفساد، ومضاره الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية أكثر من فوائده المفترضة، مع ذلك فإننا في العراق اليوم لا مجال للبحث عن فوائد ترتجى من الفساد الذي لم يعد طفيفاً أو مجرد عمل شخصي يأتي بالمصادفة، وإنما صار ظاهرة سائدة، ما لم نقل أصبح عملاً منظماً، له قواعد وتقاليد وتجندت له خبرات واجترحت له أساليب وخطط وشبكات متعددة من الوسطاء والعناصر المدربة، بل أصبح القاعدة وصارت النزاهة استثناءً، فلا عجب أن يتصدر العراق إحصاءات الدول الأكثر فساداً في العالم، فنحن بإزاء إرهاب مادي ومعنوي وأخلاقي لا يقل خطراً عن إرهاب العنف والتفجير والتفخيخ، بل هو مجموعة قنابل موقوتة لنسف البناء المؤسسي وتدمير أمن المجتع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ونفسياً.
لا يمكن الاكتفاء بعوامل التركة التي خلفتها السياسات الاقتصادية المرتجلة للنظام السابق، كما لا يمكن الارتكان إلى غياب التخطيط الإنمائي للبلد منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أو الفراغ الأمني والقانوني على خلفية الأحداث والمتغيرات الحاصلة منذ 9- 4- 2003. فهناك عوامل ساعدت على تفشي الفساد وتكريسه واتخاذه مصدراً من مصادر تمويل القوى المتصارعة على المكاسب الشخصية والحزبية والجهوية، ولعل المحاصصة كانت المأزق الأكثر تأثيراً، في أن يصبح الفساد المالي والإداري غاية للتسابق على المناصب والتنازع بشأنها، فقد تحولت مؤسسات الدولة إلى مقاطعات حزبية وطائفية لتمويل هذه الجماعات أو تلك، وتمادت بعض الجماعات المسلحة لتفرض أتاوات وتمارس عمليات ابتزاز على بعض المؤسسات تحت سطوة السلاح، وراحت تتدخل في عمل المؤسسات وتمارس هيمنتها على المسؤولين وأعطت لنفسها حق الوصاية، فتحولت بعض مؤسساتنا إلى منابع لتمويل الإرهاب وتسويق العنف والعنف المقابل، لذلك كان حجم التستر على المفسدين أكبر مما نتصوره، لما يشكله الأمر من حساسيات تمس بعناوين وشخصيات لها ثقلها الجهوي والحزبي، لاسيما أنَّ غالبية الأحزاب في طور التكوين وتحتاج ما تحتاجه  من بنى تحتية لتديم عملها، ومع غياب التمويل الشرعي للأحزاب وتأخر سن القوانين الخاصة بتأسيس الأحزاب وعملها وتمويلها يصبح الفساد بديلاً متيسراً إلى جانب التمويل الخارجي الذي يخضع الأحزاب لإملاءات خارج الشرعية الوطنية، ما لم يكن الفساد نفسه واحداً من تلك الإملاءات، أو أن يكون الدعم الخارجي عاملاً مساعداً لتهريب الأموال وتبييضها ومن ثم توظيفها لإشاعة الخراب.
بعض الجماعات وظفت المال العام لأهدافها وأغراضها الجهوية بمسوغات شرعية وفتاوى مضللة، على وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، حتى صار الفساد جزءاً من ثقافة مؤسساتية قائمة، يستحضر فيها الفرد نزعات التملك والثراء الفاحش واغتنام الفرص على حساب المصالح العامة، بل يستحضر نزعة الوحش المتوثب للانقضاض على فريسته، فلا غرابة في احتلال العراق للمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً بحسب التقارير الدولية.
لا أعتقد بأنَّ ثمة خلطة سحرية للقضاء على الفساد بين ليلة وضحاها، ولا حتى على المدى القريب أو المتوسط، ربما على المدى البعيد أو البعيد جداً، ماذا ترانا فاعلين إذن؟ ونحن بأمس الحاجة لإعادة بناء البلد، نظماً مؤسساتية، ومنظومات معرفية وثقافية وأخلاقية، وإنساناً، وبنى تحتية، ومكانة حضارية، وبإزاء جملة من التحديات الإقليمية والدولية؟ هل يمكن أن نمنهج فكرة النزاهة وآلياتها وأخلاقياتها؟ هل يمكن للقضاء أن يقف حائلاً دون تمادي البعض واستعمالهم السيئ للسلطة؟ هل يمكن ترسيخ قيم النزاهة عبر قنوات الإنتاج الثقافي التقليدية، من مؤسسات تعليمية وتربوية وإعلام؟ هل يمكن أن نشنَّ حرباً ضد الفساد بموازاة الحرب ضد الإرهاب؟ هل يمكن أن نوفر مضادات حيوية لمكافحة الفساد، أم نجري عمليات جراحية كبرى في المفاصل المؤسساتية؟ كيف نستنهض الوازع الأخلاقي والقيمي للنزاهة؟ كيف نكرس ثقافة مجتمعية ترفض مظاهر الفساد والإفساد؟ هل ستكون الأحكام القضائية رادعاً كافياً للتقليل من الفساد؟ ماذا بشأن المحصنين حزبياً وطائفياً؟ أو المبسوطة أياديهم على مقدرات المجتمع ومؤسساته؟ هل ثمة فلسفة محددة للتخطيط الإنمائي المحصن إدارياً ومالياً؟ ما الآليات الفعالة التي يمكن اعتمادها من هيئة النزاهة ودوائر المفتش العام وديوان الرقابة المالية للحد من ظاهرة التلاعب الإداري والهدر المبرمج للمال العام؟ طبعاً لا نستطيع أن نفترض بأنَّ جميع منتسبي المؤسسات العراقية من المفسدين، لكن من الصعب أن نستثني مؤسسة واحدة من الفساد، وإن كان بمستويات متفاوتة، بما في ذلك المؤسسات الرقابية والقضائية والتربوية والتعليمية، التي تعد هياكل أساسية في بناء الإدارات الرشيدة.
أرى بأنَّ كل سؤال من الأسئلة الآنفة الذكر يصلح أن يكون عنواناً لخطة إجرائية، إذا ما اتبعنا مبدأ الشفافية، وضمنا تدفق المعلومات بصورة مهنية، واتفقنا على آليات للمساءلة المشروعة، سواء من المؤسسات الرسمية، أو من مؤسسات المجتمع المدني، أم من السلطة الإعلامية الرابعة، فالفساد لم يعد سراً خافياً على أحد، ما جعل الثقة بين المواطن العراقي والدولة كلما يراد لها أن تترسخ بفضل الإنجازات الأمنية المتحققة، تتراجع بسبب ما يشاع عن أرقام صادمة وعمليات فساد خطيرة، سواء كانت حقيقية أو مجرد إشاعات مغرضة، فهي تفعل فعلها وتؤدي انعكاساتها على علاقة المواطن بالدولة والمجتمع.

YouTube: iraqicf Shakiry Charity - Instegram Shakiry Charity - Tiktok
Charity Registered in 2006, No: 1115625
العراق
تأسست 2006 رقم التسجيل IZ70166

 

Tel: +44 (0) 7503 185594     للتواصل معنا
Unit 1, Freetrade House, Lowther Road, Stanmore, HA7 1EP, United Kingdom