منظمات المجتمع المدنــي:
بغداد ـ شمخي جبر- الصباح
اكد عدد من الناشطين في منظمات المجتمع المدني ان لمنظمات المجتمع المدني دورا كبيرا وواضحا في دعم العملية السياسية والتحولات الديمقراطية من خلال التحشيد الشعبي في الانتخابات او الاستفتاء على الدستور او حملات التوعية الثقافية والاعلامية ونشر الثقافة الحقوقية او ثقافة المجتمع المدني وقيمها.
ولكن مع كل هذا بقيت منظمات المجتمع المدني، من دون اطار قانوني ينظم علاقتها مع مؤسسات الدولة ويضع
حدا لمحاولات الهيمنة والاحتواء التي تتعرض لها، قدمت العديد من مشاريع القوانين التي لم تكن بالمستوى المطلوب او بقيت في ادراج بعض مؤسسات الدولة، وكانت السمة الغالبة على بعضها انها تؤكد الدور الحكومي ،بالتالي فانها لم تستطع التخلص من مؤثرات الاستبداد والتسلط وثقافته .
وكان آخر هذه المشاريع ،مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني، الذي نظر اليه الناشطون المدنيون بوصفه حلقة من حلقات هيمنة الحكومة على منظمات المجتمع المدني،مايعني فقدان هذه المنظمات لاهم سماتها ـ الاستقلاليةـ وفقدانها لصفة اللاحكومية، بل نظر البعض الى مشروع القانون على انه تدخل في عمل المنظمات.
وقانون منظمات المجتمع المدني يفترض به انه يتحرك داخل البيئة الخارجية، اي لايتدخل في الشأن الداخلي للمنظمة والا فانه يفقد المنظمة استقلاليتها.وهذا يعني دخول الحكومة على البيئة الداخلية للمنظمة،مواد القانون تتحدث عن تدخل السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الدولة لشؤون منظمات المجتمع المدني، ودائرة المنظمات غير الحكومية. وكانت بعض الاراء تذهب الا ان القانون يجب ان تضعه منظمات المجتمع المدني وليست الحكومة.. ويرى اخرون أن تكون الهيئة المشرفة على القانون مستقلة، وغير تابعة للسلطة التنفيذية ولا ترتبط بتقلبات السلطة، والا كيف تمارس وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني كل هذه الصلاحيات. ويتفق الكثيرون على ان القانون يشكل ثغرة كبيرة في جدار استقلالية المنظمات.جاء ذلك في عدد من اللقاءات مع ناشطين في منظمات المجتمع المدني.
اذ أكدت رئيسة منظمة العدالة النسوية في الديوانيةعضو الهيئة الادارية لجماعة لاعنف العراق (سلامة الصكبان): بعد سقوط النظام المباد في 9/ 4 / 2009 اصبحت الحاجة ملحة وضرورية لان يكون هناك مجتمع مدني كل حسب اختصاصه ليدافع عن أية شريحة في المجتمع بغض النظر عن من تكون هذه الشريحة والى أية جهة تنتمي فانتشرت في كل انحاء العراق من شماله الى جنوبه من دون ضوابط وطنية محددة. وتابعت الصكبان: وقد خضعت المنظمات المعنية لاجتهادات وآراء وامزجة ومصالح خاصة بحكم عدم اكتمال هذا القانون من جهة ومطاطية بعض بنود القرار المذكور الذي اعطى الحق للوزير او المسؤول عن مكتب التسجيل في اصدار التعليمات والضوبط. وبالرغم من اهتمام لجنة مؤسسات المجتمع المدني في مجلس النواب ومتابعتها المستمرة. والتي آخرها مطالبتها بتشكيل لجنة مشتركة مع الامانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة الدولة للمجتمع المدني، وكذلك مشاركتها في مؤتمر اربيل الذي نظمته الامم المتحدة حيث قدم مكتب الامم المتحدة لخدمات المشاريع وبعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق وبمشاركة اطراف حكومية ومنظمات مجتمع مدني وافراد, بعض الملاحظات حول مسودة القانون المرتقب في 20 / 2 / 2009, واضافت الصكبان :لوكان القانون المنوه عنه قد احيل في كانون الثاني لعام 2009 الى مجلس شورى الدولة, الذي تم اعادته من المجلس بعد ان تولى الدكتورثامر الزبيدي وزارة الدولة للمجتمع المدني وهو اجراء قانوني لابد من اتباعه ' ولكنه اعيد ثانية وبشكله الذي يعترض عليه الكثيرون. فبدأ الناشطون في مجال المجتمع المدني بدعمه أو تهيئة متطوعين لغرض الاصلاح على امل ان تقف الدولة معنا لعملية تعديل هذا القانون فكانت رؤية المنظمات غير الحكومية لهذا القانون رؤية شمولية وواقعية لعمل هذه المؤسسات غير الحكومية بما يخدم مصلحة المجتمع لكي تبقى اهدافنا واضحة وصريحة لمنفعة عراقنا الحبيب ونظامه الديمقراطي لمواكبة ركب الحضارة والتمدن من خلال خدمة بلدنا الجريح دون دوافع أنانية او ذاتية او شخصا نية.
فيما رأت رئيسة منظمة بنت الرافدين (علياء الانصاري) ان المجتمع المدني مفهوما وممارسة، ظاهرة حديثة على المجتمع العراقي كجزء من التغيير الحاصل بعد 2003، وفي وقت نتحدث فيه عن دولة المؤسسات، ودولة القانون، لابد من وضع قانون لعمل منظمات المجتمع المدني، ينظم عملها ويدعم ذلك العمل ويرفع من قدراته لاجل تمكين تلك المنظمات من اداء واجباتها بالشكل الصحيح خدمة للصالح العام، اذن لابد من قانون، قانون يدعم عمل المنظمات ويرتقي بمستواها، لا قانون يشل حركتها ويقيدها! وبشأن مشروع القانون اشارت الانصاري الى ان المسودة التي طرحت من قبل وزارة المجتمع المدني، للاسف الشديد، تجعل من المنظمة غير الحكومية، عبارة عن موظف لدى الوزارة! وهذا امر غير قانوني وغير منطقي، منظمات المجتمع المدني هي منظمات غير حكومية، يجب ان تبقى غير مرتبطة بالمؤسسات الحكومية، كي تحافظ على استقلاليتها، وتكون قادرة على أداء واجباتها بالشكل الصحيح.
وعن موقف منظمتها من القانون اوضحت الانصاري: نعم، نحن مع القانون الذي ينظم حركتها ويعمل على تقليص حجم ودور بعض المنظمات التي للاسف الشديد اساءت لمفهوم المجتمع المدني ولرموزه وللهدف السامي الذي يحمله، فكانت عبارة عن منظمات وهمية او منفعية عملت لمصالحها الخاصة واساءت بالتالي للمجتمع المدني، او منظمات ارهابية دعمت الارهاب او شجعت على العنف الطائفي، او لها أجندة سياسية معينة، نحن بحاجة الى القانون لكي يحجم دور هكذا منظمات، وفي الوقت نفسه يسهل عمل المنظمات الحقيقية الفاعلة والتي تعمل لاجل المواطن العراقي والمجتمع.
وعن معاناة المنظمات في علاقتها مع السلطة التنفيذية اشارت الانصاري الى ما تعانيه المنظمات اليوم بشكل عام (جميع المنظمات الفاعلة وغير الفاعلة)، من صعوبة استحصال الاجازة الرسمية من خلال تعقيدات الاجازة غير المنطقية وجعل الدائرة المعنية بالامر في المنطقة الخضراء، وعدم تسهيل مراجعة اعضاء المنظمات، هذا ما نحن بحاجة الى تنظيمه وترتيبه، كما لا يوجد في اية دولة بالعالم منظمة تأسست قبل خمس او ست سنوات، وهي كل سنة تجدد اجازتها! المنظمة تعلن عن تأسيسها في البدء وتستحصل على اجازة رسمية لتباشر اعمالها، نحن كل سنة نستحصل اجازة من دائرة ما، او نقوم بتجديدها! وتابعت الانصاري:والامر الآخر الذي تعاني منه المنظمات هو التمويل لمشاريعها، هناك للاسف منظمات لا مشاريع لها ولا برامج ولا خطط، ولكنها تحصل على منح من منظمات دولية وحتى منظمات عراقية، بل ومن البرلمان نفسه، بطرق ملتوية او عن طريق الوساطات والعلاقات الشخصية فيما تعاني منظمات اخرى لها مصداقية ولها برامج وخطط من ضعف في التمويل، وعدم وجود الموارد المالية الكافية لتحقيق برامجها لانها لا تملك تلك العلاقات او ترنو بنفسها عن الجري وراء المصالح الخاصة!
نتمنى من القانون ان يضع بندا خاصا لتنظيم هذا الامر، كأن تكون هناك ميزانية خاصة لمنظمات المجتمع المدني، تقسم على المنظمات حسب حجم المنظمة وعملها وانشطتها ودورها في المجتمع، كأن تقدم المنظمة خططها السنوية ومشاريعها، لتقدم لها ميزانية مناسبة، مع متابعة لها وتقييم لانشطتها وحساباتها لقطع الطريق امام الفساد، ويمكن تحقيق ذلك من خلال لجان متابعة وتقييم من قبل الوزارة توضع لمتابعة وتقييم نشاطات المنظمات، على ان لا تتدخل في شؤونها والسيطرة على مقدراتها او تحجيم عملها وتحويلها الى موظف اداري في الوزارة.
كما نأمل ان يكون هناك تفهم لعمل منظمات المجتمع المدني من قبل المسؤولين في الدولة، ومن قبل مدراء الدوائر وصناع القرار، وان تكون علاقة ثقة متبادلة، لاجل المساهمة معا في تنفيذ البرامج والنشاطات التي تخدم المجتمع، لا أن تكون العلاقة علاقة تقاطع وتنافر وحرب، فكل طرف يسقط الآخر ويتحدث عن سلبياته، نحن بحاجة الى علاقة متكاملة ما بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية، علاقة تعاون وشراكة، علاقة ثقة، لاجل تنفيذ البرامج التنموية المهمة، سواء على مستوى التنمية البشرية او التنمية بمجالاتها الاخرى المختلفة.
واضافت الانصاري: على الجميع، سواء العاملين في منظمات المجتمع المدني او المسؤولين في الدولة، ان يعيدوا النظر في مفهوم المجتمع المدني، ما هي صلاحيته، واجباته، الدور المناط به، علينا قراءته جديدة واعية لعمل المجتمع المدني لاجل الارتقاء به نحو الافضل، وهذا لن يحدث الا من خلال تفهم كلا الطرفين لعمل الآخر، وعدم محاولة فرض السيطرة على عمل المنظمات، في الوقت الذي على المنظمات ان تعي دورها بشكل جيد وان تحترم هذا الدور وتحاول ان تثبت وجودها بمصداقية وواقعية، وبذلك تبرهن للجميع اهمية دورها واهمية وجودها الفاعل في بناء الحياة الجديدة في العراق الديمقراطي الجديد.
كما على منظمات المجتمع المدني ان تتكاتف فيما بينها، وتتعاون لاجل استثمار كل الفرص الداعمة لاجل تقوية عملها والارتقاء به، وان يكون عملها كعمل الجسد الواحد، لان اهدافها واحدة، الا وهي خدمة المجتمع والانسان.
فيما استعرض سكرتير منظمة تموز (علي الدجيلي) الملاحظات التي وردت من المنظمات وبحسب الورش التي اقامتها منظمته ،فكانت اراء المنظمات تؤكد ان مشروع القانون يحتاج الى مناقشة اضافية في ورش عديدة مثلما قامت به منظمة تموز ومن ثم عقد مؤتمر عام للمناقشة كما انه يحتاج الى اعادة صياغة بعض الفقرات ويجب ان تحترم ادارة منظمات المجتمع المدني وعلى المشروع ان يوفر الحماية القانونية وملاحظة. فعلى سبيل المثال، من المواد المقيدة المادة (40) الخاصة بصلاحيات الوزير، ومن المواد التي اقترحتها الورش، ان يقدم القانون تعريفا واقعيا للمنظمات وضرورة دعمها وحمايتها من قبل الدولة و ضرورة ان ينص القانون على مراقبة دوائر الدولة و ضرورة حماية منتسبي المنظمات من الانتهاكات الحكومية فضلا عن اشراك ناشطي المنظمات ممن لديهم القدرة في تشريع هذا القانون. ويرى البعض ان هناك قيودا مشددة على التبرعات التي تحصل عليها المنظمة، وضرورة ان تستبدل بـ(للمنظمة حق تسلم التبرعات والمنح من داخل جمهورية العراق دون الحاجة لموافقة الدائرة الا اذا كانت المنحة من خارج العراق. على من يرغب بالتبرع للمنظمة غير الحكومية من خارج العراق اشعار الدائرة بذلك). واقترح اخرون ان تحذف كلمة (الدائرة) و لايكون الارتباط بدائرة تابعة الى وزارة. في هذه الحالة اصبحت المنظمة حكومية والبديل تشكيل هيئة او مفوضية لمنظمات المجتمع المدني و يكون ارتباطها بمجلس النواب و حل وزارة المجتمع المدني. الكثير من المنظمات ترى ان القانون يسعى لان تفقد المنظمات استقلاليتها وتحويلها الى منظمات حكومية.
من جانبه قال نائب رئيس تجمع التدريسيين الجامعيين (ناصر سعيد): للاسف اثبت واقع المشهد التشريعي العراقي وبتشريعات عدة غياب النضج او العقلية المنسجمة مع اسس الدستور وقواعده ، فعلى الرغم من تضمن مشروع قانون المنظمات غير الحكومية جوانب ايجابية الا اننا نجد الهواجس والتداعيات المتوارثة من ثقافة النظام السابق تتجلى في بعض فقرات هذا المشروع ، واوضح سعيد :فعلى سبيل المثال اشترط في المشروع ان يكون حق التأسيس والانتماء لمنظمة مجتمع المدني للعراقي الذي يتجاوز عمره العشرين سنة وهذا يتعارض مع تعميم ثقافة العمل المدني في مجتمعنا العراقي والذي نأمل ان تتحرك فيه الثقافة الديمقراطية والعمل المدني منذ انخراط الفرد العراقي فـي المدرسة، اضافة لبعض التعقيدات الناتجة من هيمنـة نظريـة المؤامـرة والهاجس الامنـي فـي مجال التبرعات للمنظمة، كذلك العقوبة التي فرضها المشروع على مـن ينتسب لمنظمة تعمل خلاف هـذا القانون او انـه مارس نشاطا في منظمة رد طلب تأسيسها او علـق عملها بالسجن ثلاث سنـوات وهـذا التوجـه يفسح المجال للسلطة التنفيذية في تدجين منظمات المجتمع المدني وبما ينتج نوعا مـن تهميش الحرية وجـدل السلطات المؤدي لتكامل النظام الديمقراطي، بل الانكى من ذلك كله الية انتاج المشرع العراقي للتشريع فغالبا اذا لم يكن دائما نشهد تشريعات تنزل من الاعلى دون ملاحظة او جس نبض الشرائح الاجتماعية المتعلق فيها التشريع، واما بالنسبة للحلقات الضيقة التي تحاول السلطة ابرازها على انها حلقات لاستنطاق القواعد الشعبية بما يتعلق في مشاريـع القوانين فهـي تكـاد تكـون وسيلة لذر الرماد في العيون، وعن استقلالية المنظمات اكد سعيد: فالكل يعلم ان السلطة سواء التنفيذية او التشريعية تشاطر فقط المنظمات التابعة لاحزابها او لتوجهاتها الاراء والملاحظات على التشريع، على العموم نحن مدركون ان المرحلة التي نعيشهـا ستكون الاخطاء الحاصلـة حالة طبيعية لاستحقاقات الثقافة المتخلفة التي توارثناهـا فـي نفوسنـا مسؤولين ومواطنين ولكننا على يقين ان المستقبل المنظور سيكون واعدا ويجري الكثير من الغاء وتعديل للقوانيـن التي سنت في هـذه المرحلة.