This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

المجتمع المدني العراقي ومنظماته ...بين محاولات الاحتواء الحكومي والاستقلالية !!
06/05/2009

 

 

المحامي حسن شعبان- الصباح
بادئ ذي بدء لابد من الوقوف ولو كان ذلك من باب المتطلبات عن معنى المجتمع المدني ذلك لان فضاءه لم يعد طفلا يحبو بل بات عملاقا له ثقله ويشكل رقما مهماً في اركان الدولة مع الحكومة والقطاعات الاقتصادية وتمت تسميتهم بالحكم الراشد والحكم الصالح .

ورغم اختلاف المفسرين على مفهوم ومحتوى المجتمع المدني مابين الذين الحقوا به كل المنظمات والنقابات والجمعيات وحتى الأحزاب السياسية وبين الذين وضعوا الأحزاب خارج هذا الاطار بحجة ان اهدافها السلطة وغالبا ما تمارس العمل الحكومي لكن هذا لا يمنع ان يكون البنيان الاساسي للمجتمع المدني هو منظماته غير الحكومية وغير الحزبية وتعمل في اطار العمل التطوعي غير الربحي وفقاً لمعايير العمل السلمي والحواري غير العنفي او الاكراهي وهذا ما تبلور فعلاً في الدول الديمقراطية المتقدمة في القرن الماضي حيث بات المجتمع المدني فيها يشكل كتلة اجتماعية واسعة لها وزنها وثقلها في حركة المجتمع .
 في العشرينيات من القرن الماضي وعلى وجه التحديد عند تأسيس الدولة العراقية في آب 1923 اتجه العديد من قادة الفكر والعمل المجتمعي إلى تأسيس العديد من المنظمات والجمعيات والنقابات وغيرها في بغداد وبقية المدن العراقية مهنية منها واخرى سياسية كجماعة الاهالي ونادي المثنى والحركة الشعبية ونقابة المحامين والمهندسين والاطباء والعمال والمراة والطلبة وغيرها من المنظمات غير الحكومية ورغم نشاطها الملحوظ في نشر ثقافة المجتمع المدني إلا أنها ظلت أسيرة لتدخلات القوى والأحزاب السياسية ما أفقدها امكانية التحول باتجاه حركة مدنية مستقلة وفاعلة .
وبعد ثورة 14 تموز 1958 وما حدث في العراق من تطورات كماً ونوعاً في العديد من الميادين وخاصة السياسية والفكرية ما اتاح للعديد من المنظمات غير الحكومية ان ترى النور وضمت عشرات الالوف من المنتسبين وشكلت درعاً برياً للدفاع عما حققته الثورة من منجزات، لكن مع الاسف الشديد وقعت من جديد في فخ الأحزاب السياسية فافقدها ذلك الاستقلالية وانحازت إلى هذه الجهة او تلك!.
جاء نظام انقلاب شباط 1963 ومن بعده انقلاب 17 تموز 1968 ليحرق الاخضر واليابس في مسيرة ما تبقى من المجتمع المدني ومنظماته غير الحكومية والحقها - دون استثناء -  بالمكتب المهني لحزب البعث الذي ارتبط بدوره مباشرة بسلطة الفرد وتحول هذا الكم من المنظمات إلى توابع وابواق سلطوية وحتى بوليسية ابعدها تماماً عن المعايير والضوابط للمنظمات غير الحكومية.
 وما ان زال نظام الاستبداد والقمع توفرت اجواء ايجابية لانبثاق عدد واسع من منظمات المجتمع المدني سواء تلك التي كانت تتمتع بقوانين خاصة بها (محامين، معلمين، عمال، ذوي المهن الطبية) او التي سميت بالمنظمات الاهلية غير الحكومية بعد ان توفر لها قسط واسع من الحريات في مجال التعبير وحق تأسيس المنظمات المدنية ورغم ان الكم طغى فيها على النوع إلا انها ظلت ظاهرة ايجابية لابد ان تتحول آجلا ام عاجلا باتجاه النوع .
قررت سلطة الائتلاف (الاحتلال) وفقاً لصلاحياتها الممنوحة من مجلس الامن اصدار قرار رقم 45  لعمل المنظمات غير الحكومية والذي بموجبه منح الحق في تأسيس هذه المنظمات للمواطنين دون قيود مسبقة وبمجرد اشعار دائرة المنظمات غير الحكومية بتشكيل المنظمة ويراعى في حلها قراراً قضائياً مكتسباً الدرجة القطعية راعت فيه المعايير الدولية للمنظمات غير الحكومية .
وما ان رحلت سلطة الاحتلال غير مأسوف عليها حتى عجزت السلطات الوطنية عن وضع بديل قانوني مناسب يتناسب مع عمل هذه المنظمات والوضع الجديد بل وحتى عن متطلبات الدستور الدائم الذي نص صراحة على أهمية دور المنظمات غير الحكومية وعن استقلاليتها ودعمها. بدلاً من ذلك تعاقبت الحكومات العراقية على اصدار قرارات واجراءات تعسفية بل وحتى غير قانونية لاحتواء هذه المنظمات ووضع العصي في طريقها وشل نشاطاتها الاجتماعية متمسكة ومتذرعة بذات القرار رقم 45 الذي قيد تدخلها خاصة بعد ان شعرت الأحزاب الحاكمة عزوف غالبية المواطنين عن العمل الحزبي ذي الصفة الطائفية ومحاصصتها المقيتة ولجوئها إلى العمل المدني الذي ظل إلى حد ما بعيداً عن ذلك وتمسكه بمبدأ المواطنة والهوية العراقية .
ابتدأ مجلس الحكم ذو السمة المحاصصية بقراره المعروف بوضع الحجز على أموال جميع النقابات والاتحادات ذات القوانين الخاصة وشكلت لجان السيطرة على قياداتها بحجة حماية أموال هذه المنظمات من التلاعب والضياع كلمة حق أُريد بها باطل رغم أنبثاق هيئات ادارية جديدة منتخبة لها . ليس بالضرورة أن تكون آلية التجميد هذه قد وفرت (الحرص) على هذه الأموال وليس بالضرورة ايضاً أن تكون الالية الوحيدة على كبح الاختلاس أو التبذير حيث لم تستطع كل اجراءات الرقابة المالية والنزاهة ان تفعل فعلها في المال العام في كل مؤسسات الدولة باعتراف قادة حكوميين ونواب ودوائر حسابية رصينة وبدلاً من اجراء كهذا كان من الممكن ان يعهد إلى ديوان الرقابة المالية مثلاً في الإشراف على حركة أموال هذه النقابات بعيداً عن هذا التدخل الحكومي المباشر خاصة ان هذه الأموال ملكاً لمنتسبيها وليست حكومية وهيئاتها العامة يسمح لها القانون بالتدخل القضائي لحماية هذه الأموال .
لا نستبعد ان بعض المنظمات قد اساءت استخدام اموالها وانحرفت عن أهدافها من قبل ادعياء في المجتمع المدني لكن في القانون والقضاء ما يمكن من محاسبتهم ذلك لان ليس كل ما يلمع ذهباً .
لم تتوقف الاجراءات الحكومية في التدخل في الشأن المدني بل تصاعدت والملفت للنظر انها كانت تستند في كل مرة إلى قرار سلطة الاحتلال (45) وحتى الوقت الحاضر ذلك لوجود الفراغ القانوني جراء عدم سن قانون جديد للمنظمات غير الحكومية .
الغيت دائرة المنظمات غير الحكومية بعد انتهاء مهمة الحاكم المدني والحقت بوزارة التخطيط التي عملت بتسجيل هذه المنظمات ومنحت تراخيص العمل لعدد واسع منها .
أنبثقت وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني وعين لها وزيراً وفقاً للمحاصصة الطائفية ورغم انها ظلت شكلاً وهيكلاً ليس إلا لكنها تمكنت من نقل مهام دائرة المنظمات غير الحكومية اليها وحاولت احتواء هذه المنظمات لكن دون جدوى .
ولما لم تجد اذاناً صاغية لها في المنظمات المدنية راحت باتجاه احتوائها قانونياً فاعدت مشروعاً لقانون المنظمات تم فيه تجاوز غير مألوف على حقوقها من خلال الصلاحيات الممنوحة لوزير المجتمع المدني وصل الامر حد الغاء انتخاباتها وقراراتها وحتى حلها نصوصاً قانونية تجاوزت المكتب المهني لحزب البعث في صلاحياته .
المجتمع المدني ومنظماته، رفضت وبكل قوة هذا المشروع الذي يتعارض كلياً مع أبسط المعايير الدولية وراحت عبر تجمعاتها وبياناتها وحتى تظاهراتها  تقبر المشروع ليذهب ادراج الرياح غير مأسوف عليه .
ومع الاسف الشديد ظل مجلس النواب المعني باصدار قانون جديد للمنظمات أسير اهتماماته وصراعاته ولم يحرك ساكناً لحماية هذه المنظمات وابعاد السلطة التنفيذية عن تدخلها وايقاف اجهزتها في التدخل بأمر لايعنيها بل ساهم في دعم بعض المنظمات ذات الصبغة السياسية على حساب المنظمات التي تعمل على استقلاليتها وحياديتها وبانها منظمات غير حكومية وغير حزبية وغير سياسية بحتة .
ولم تكتف السلطة التنفيذية بهذا كله فعمدت الامانة العامة لمجلس الوزراء بقرارها الحاق دائرة المنظمات غير الحكومية بها وفك ارتباطها بوزارة المجتمع المدني والغيت وبشكل دراماتيكي جميع التراخيص الممنوحة لهذه المنظمات ومطالبتها بتقديم طلبات جديدة وفق شروط ومواصفات اخرى وتعهدات خطية واوعزت لجهازها الحكومي هذا مهمة مراقبة هذه المنظمات فهي مهمة غير معنية بها ولا تتفق مع القوانين ولا حتى مع أبسط المعايير المعترف بها دولياً ولم تكتف بذلك بل وضعت هذه الدائرة في المنطقة الخضراء وجهات لا علاقة لها بالعمل المدني لا من قريب ولا من بعيد بجهات تنفيذية ولابد ان تبرر عملها هذا بحجة وجود بعض المنظمات تعمل في نطاق الارهاب !!
اي منطق هذا ؟؟ وهل عجز القانون والقضاء عن مهمة كهذه وهو المعني قبل غيره وله الرقابة والولاية العامة على أي انحراف يحصل لهذه المنظمات وهو القادر وحده أن يقول الحق والعدل وليست اجهزة حكومية هي طرفاً ونداً في القضية ونتساءل بمشروعية هل هذه هي دولة القانون وهل هذا يقع في خانة سيادة القانون .
قصيرو نظر وواهمون من يتصورو ان اجراءات كهذه تستطيع احتواء هذه المنظمات فالمجتمع المدني لم يعد في بداياته بل ستجدونه عملاقاً يتحدى هذه التدخلات غير القانونية وصرفها عن اتجاهها الحقيقي واؤكد ان حركة المجتمع سوف لن تكون تحت عباءة أحد ولن تخضع لقرارات غير قانونية ذلك لانه ترك خلفه كل هذه الاجراءات والتدخلات .
وآخر ما تفتقت به عقول بعض المسؤولين في هذا المجال وهم قبل غيرهم يدركون كيف اتت بهم المحاصصة الطائفية إلى هذه المسؤولية وليست معايير المسؤولية الحقيقية تقضي بتشكيل لجنة سداسية برئاسة وزير المجتمع المدني تأمر بتشكيل لجان (سيطرة) على النقابات والاتحادات تؤدي بها إلى اجراء انتخابات جديدة بعيدة عن احكام قوانينها وضوابط العمل المهني والمدني .
وبغض النظر عن الهيئات الادارية الموجودة حالياً التي اتت معظمها عبر انتخابات جديدة فانها ملزمة باجراء انتخابات جديدة وباشراف قضائي تام وبدلاً من سلوكيات (اللجان الخاصة) هذه والتي لابد انها اتت وفق المحاصصة ان تراقب وزارة المجتمع المدني وغيرها الانتخابات وتحيل المخالفين إلى القضاء لا ان تتدخل بهذا الشكل غير المقبول .
وفي طريق هذه التدخلات الحكومية الفظة في شأن المجتمع المدني دفعت الحكومة بقانون جديد للمنظمات غير الحكومية لا يقل تدخلاً عن سابقه مشروع قانون وزارة المجتمع المدني بدلاً من ان تدع اجازة أية منظمة تمر عبر خبر وايداع إلى الجهة المعنية لتسجيل المنظمة واعطائها الرقم القانوني اصرت على ان يكون هناك طلب للتأسيس وشروط وموافقات .

القانون اللبناني والفلسطيني وقوانين عربية واقليمية اكتفت بعلم وخبر الجهة المعنية وليس اي شرط آخر وجعلت القضاء وحده له الكلمة الاخيرة في حل أية منظمة وليست الحكومة .
وينص المشروع على أن الحق للمنظمات المشاركة في العطاءات التي تعلن عنها الحكومة وبذلك صادرت حق العمل التطوعي عنها وجعلها اسيرة العمل النفعي والربحي وهذه المنظمات - كما ورد في مشروع القانون تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وتسحب منها هذه الصفة بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح من وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني وقد وضعت عقوبات بالحبس مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات لمنظمات اسست خارج هذا القانون .
هذا هو دعم المجتمع المدني لمنظماته كما وردت في الدستور تدخلات واسعة وسافرة ولماذا لا يقوم القضاء بمهمة (الغاء الاجازة) هذه وهي منظمات غير حكومية لماذا هذه الاحكام القاسية بحق تراخيص لمنظمات مدنية وانسانية هل هذه رياح التغيير وهل هذه معايير الوضع الجديد لماذا لايكتفي بالحل وهل ان الاجهزة الادارية نقية إلى هذا الحد لتختار الحل بشكل قانوني واتساءل ايضاً هل ان الباب من الدستور المستند إلى الاعلان العالمي لحقوق الانسان وفيه حرية التعبير وحرية الانتماء إلى المنظمات يتفق مع هذا الاحتواء والاحكام القاسية .
رئيس النظام السابق وحده الذي كان يؤسس على العقوبات الصارمة وتشديد العقوبات حتى بات قانون العقوبات لا يحتوي على نص بدون تشديد اتقوا الله بهذه الممارسات والمعايير والضوابط أيها الأخوة لاي مجتمع مدني ومنظماته غير الحكومية ينبغي ان تأتي من طبيعة تكوينه المدني غير الحكومي ومن اهدافه ذات الطابع الانساني الذي يرتبط بالعمل التطوعي بعيداً عن الربحية والمنافع الشخصية والتطلعات الحكومية .
الاستقلالية تقع في سلم الاوليات للمجتمع المدني سواء اكان ذلك في الاطار القانوني الوطني او القانون الدولي والشرعية الدولية لحقوق الانسان وبمعنى أدق شرعية وجود المجتمع المدني تأتي من خلال الفصل بين مؤسسات الحكومة والمؤسسات المجتمعية وضرورة التمييز بينها وبين آليات العمل الاقتصادي .
ويمكننا القول ان هؤلاء الافراد والمجموعات التي تنشط في الحقل العام والمنحدرين من فئات وطبقات وافكار مختلفة والذين استطاعوا تنظيم انفسهم خارج اطار المذهب والطائفية والحزبية والاتجاهات السياسية والقبلية ينبغي ان يمارسوا عملهم الجمعي هذا في اطار الاستقلالية وان يتمتعوا بحرية واستقلالية قراراتهم ضمن اطار القانون والانظمة الداخلية التي تحكمهم دون تدخل حكومي او غيره .
واخيرا لابد من صيغة منطقية وقانونية بعيدة عن اي قرارات ادارية وحكومية في موضوع عمل هذه المنظمات وفي حالة خروجها عن اهدافها المنصوص عليها في انظمتها يكون من خلال القضاء وحده.

YouTube: iraqicf Shakiry Charity - Instegram Shakiry Charity - Tiktok
Charity Registered in 2006, No: 1115625
العراق
تأسست 2006 رقم التسجيل IZ70166

 

Tel: +44 (0) 7503 185594     للتواصل معنا
Unit 1, Freetrade House, Lowther Road, Stanmore, HA7 1EP, United Kingdom