د.وميض القصاب-الصباح*
تتشابك العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية ضمن علاقات العمل المشترك لتحقيق اهداف مشتركة تتعلق بتنمية المجتمع وبناء قدراته وحل مشاكله الاجتماعية والانسانية، وتتمتع المؤسسات الحكومية بدعم من السلطات التشريعية، الامر الذي يتيح لها موقعا أكبر لتحديد دورالمنظمات غير الحكومية من خلال القوانين التي تسن وتطبق ويمكن أن تكون تلك الحكومات إما مساعدة أو معوقة لتلك المنظمات, من خلال القوانين واللوائح التنظيمية التي تستخدمها لإنشائها أو لتوجيه أنشطتها, أو لفرض الضرائب عليها, أو حصولها على الأموال (عامة كانت أو خاصة أو أجنبية)، أولإلزامها برفع التقارير أو للتدقيق في أنشطتها، أو لاشتراكها أو رفض اشتراكها في المشروعات والسياسات الحكومية.
ويمكن أن يكون للقوانين واللوائح التنظيمية تأثير كبيرعلى المنظمات غير الحكومية, مثلا إذا كانت صياغة القوانين تمنح استقلالية ودعم أكبر لشراكة ايجابية مع المجتمع المدني سترى نهوض مؤسسات مدنية قادرة على خلق مراكز قوة لدعم وتنمية المجتمع، ولكن إذا كانت القوانين الخاصة بهذه المنظمات أو أسلوب تطبيقها غير كافيين, فقد يشيع سوء السلوك والاستغلال السيئ لها ومن ثم تسوء سمعة قطاع المنظمات غير الحكومية بكامله.
وثمة أسباب تقف وراء رغبة البعض من الدول في أن يكون لديها قطاع منظمات غير حكومية قوي ونشط ومستقل من خلال قوانين تضمن فعالية وقوة واستقلالية المنظمات غير الحكومية, وقد يبدو هذا التأكيد مخالفاً للمنطق بالنسبة لحكومات كثيرة, فلماذا يجب على مجتمع ما أن يقر ويحمي أنشطة لم تتم الموافقة عليها بطريقة ديمقراطية؟ السبب يعود الى ان خلق مجتمع مدني قوي ومستقل وفعال له دور أجتماعي بناء من خلال توفير مناخ الحرية والتعبير عن الرأي وحرية التجمع من خلال تشكيل المنظمات والانضمام إليها وتشجيع التعددية والتسامح، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي وسيادة القانون، ودعم دور المجتمع المدني للنهوض الفكري والتنموي لقابليات الفرد ما يحقق الكفاءة المطلوبة ضمن شرائح المجتمع والشباب بشكل خاص، وفوائد اقتصادية من خلال توفير المساندة لاقتصاد السوق ضمن مشاريع تمويل وتوظيف التنمية البشريه التي يقدمها المجتمع المدني.
وفي العراق كان المجتمع المدني هو العامل الحقيقي الذي واجه صعوبات الولادة الجديدة بعد اعوام من الحكم الشمولي للحزب الواحد، وتحديات العمل في بيئة غير مستقرة وفي مواجهة كارثة أنسانية حقيقة, وعمل المجتمع المدني خلال الأعوام الست السابقة ضمن أطار دعم بناء مؤسسات الدولة والمؤسسات التشريعية، ويطمح لوضع قانون يوفر له البيئة الايجابية لشراكة حقيقة مع الدولة ومؤسساتها.
ومع عرض قانون المنظمات غير الحكومية في العراق على مجلس النواب العراقي للمصادقة، تخشى منظمات المجتمع المدني من غياب آلية تمنع تحول الحكومة الى رقيب على عمل وتمويل المنظمات غيرالحكومية، وقد صعد عدم استشارة المعنين والمتأثرين بالقانون خلال عملية اعداد مسودة القانون هذه المخاوف, لما تؤثر عدد من فقراته على استقلالية عمل المجتمع المدني في العراق، ويترك المجال رحبا للهواجس التي تتعلق بموقف الحكومة الراغب في السيطرة على عمل المنظمات غير الحكومية بدلا من دعمها لبناء مجتمع مدني فعال.
برغم احتواء المسودة الاخيرة على تعديلات كثيرة أفضل من سابقاتها,الا أن المنظمات غير الحكومية تظل قلقة بشأن عدد من النقاط التي لها آثار جدية في مستقبل العمل المستقل للمنظمات المحلية والدولية في العراق واستقلاليتها.
وعلى ارض الواقع ربما يمثل وجود مجتمع مدني قوي وفعال الحلقة المفقودة في المجتمع لانجاح التجربة الديمقراطية الفتية، ولكن بالمقابل ومقاربة مع تجارب العديد من الشعوب، فان الطريق الوحيد لمساعدة العراق ليكون دولة مستقرة وامنة هو مجتمع مدني يمتلك القدرة على تحريك الشارع وبناء قدرات المواطنين وتقويتهم للمساهمة في بناء المجتمع العراقي الجديد وصنع التغيرات ضمن المجتمع للوقوف بوجه الارهاب والتسلط ومحاربة الفساد المالي والاداري, وستعتمد جهود المنظات غير الحكومية لنشر الادارة الرشيدة والديمقراطية على توفر بيئة مستقلة وحرة بلا سيطرة أو رقابة او تأثير لأي شيء غير سلطة القانون.
ان العلاقة مع الحكومة هي مفصل العمل الجدي للمجتمع المدني، ودعم استقلاليته هي ضمان النظام الديمقراطي لخلق مجتمع جديد وحر، وعليه فان الحاجه لوضع قانون يضمن حقوق العمل الجاد والمثمر للمجتمع المدني مطلب فعال لجميع ناشطي المجتمع المدني في العراق.
* عضو حملة اعادة صياغة قانون المنظمات غير الحكومية