ازدهار تجارة الأطفال في العراق
الصباح - رند طلال
تعاني البيئة العراقية العديد من المشاكل، والآفات التي تفتك بالمجتمع، لاسيما انتهاكات حقوق الانسان التي تطال الكبير والصغير، بسبب الحروب والاقتتالات الطائفية والتهجير، فضلا عن المشاكل الاجتماعية الاخرى التي تكتوي بها العوائل العراقية، كالفقر والبطالة والامية والجهل، وفي ظل انشغال الحكومة، وما رافق دخول البلاد من مخلفات الاحتلال من ظواهر ازدهرت في الآونة الاخيرة منها "تجارة الاطفال"، والتي تستحق الوقوف عندها، اذ اكدت صحيفة "الغارديان" اللندنية: " وجود عصابات منظمة تستخدم وسطاء يتخفون كموظفين في مؤسسات غير حكومية، يعملون على إعداد الوثائق المطلوبة، لتسهيل عملية نقل الأطفال، بما في ذلك تغيير أسمائهم، وإصدار جوازات سفر جديدة لهم، أو إضافة اسم الطفل إلى جواز سفر الشخص، الذي يكون مقرراً أن يصطحب الطفل معه إلى الخارج، في حال بيعه إلى زبون خارج العراق"، حتى وان كان هذا الموضوع مجرد حملات اعلامية مضللة وكاذبة، للحد والتقليل من اهمية الاداء الحكومي، واثارة الرأي العام ضده فهي مسألة تستحق الوقوف عندها واثارة الجدل فيها بغية التفعيل الحقيقي لاتفاقيات حقوق الانسان لاسيما الطفل الذي يعاني من انتهاكات صارخة لحقوقه.
أسباب ازدهار تجارة الاطفال
توجهنا الى عدد من الناشطين والحقوقيين، للحديث عن هذه الظاهرة، قال القانوني ومدير منظمة المنقذ لحقوق الانسان كاظم البيضاني، عن تجارة الاطفال: في هذه الايام يسلط الضوء، على واحدة من ابشع الجرائم الانسانية، التي يجري ارتكابها في البلاد اذ تشير التقارير، الى أن اعداداً كبيرة من الاطفال، يتم بيعهم في السوق السوداء، وبأسعار زهيدة جداً، ويبدو ان الذي يقوم بذلك، عصابات منظمة ومتخصصة في تجارة الاطفال، مشيرا الى الظروف والفوضى التي يمر بها العراق،على أنها من الاسباب التي هيأت ووفرت المناخ المناسب لنمو مثل هذه التجارة، فضلا عن عدم اهتمام الحكومة، بوضع حد لهذه الظاهرة، وبالرغم من ذلك لاتوجد تقارير دقيقة تشيرالى عدد الاطفال، الذين يباعون سنوياً،ً الا ان احصائيات قامت بها منظمات مجتمع مدني، قدرت عدد الاطفال باكثر من مئة طفل سنوياًًًًًًًً، وغالبيتهم يمرون عبر المنافذ الحدودية التي تربط العراق بدول الجوار، اذ يتم نقلهم الى دول اوروبا، ويباعون باسعار عالية جداًًًً، كما ان بعض العوائل الفقيرة جدا والتي لاتجد قوت يومها، ولاسيما ممن فقدوا آباءهم بفعل الظروف، لجأت طوعياً الى بيع اطفالها، مقابل مبالغ بسيطة لسد رمقهم اليومي، مشيرا الى أن عمليات الاتجار بالاطفال، قد تكون حديثة في المجتمع العراقي وازدهرت نتيجة الظروف الصعبة، لكنها موجودة في عدة دول من العالم والمنطقة العربية.
وفي السياق نفسه اكدت القانونية د. بشرى العبيدي: ان الموضوع غاية في الاهمية والخطورة، وبالفعل فقد انتشر بشكل واسع في العراق، وعلى وجه التحديد بعد الاحتلال، الا ان اية احصائيات مؤكدة عن هذا الامر غير متوافرة، لسرية ارتكاب هذه الجريمة، ولتكتم الحكومة، فضلاعن انه من الاستحالة، ان يتم احصاء المتاجر بهم خارج البلاد، اي الذين يتم اخراجهم عبر الحدود العراقية، معللة ازدهار هذه الجريمة، لازدياد وتفاقم مشكلة الفساد الاداري، المستشري في الاجهزة الحكومية، الذي يقوم بتزويد الجناة المتاجرين بالاطفال، بوثائق رسمية تساعد على اخراجهم من العراق، أو عن طريق الرشوة، فضلا عن تدهور الوضع الاقتصادي للمواطن العراقي، والذي يشكل عاملا اساسيا في دفع الضحايا، او عوائلهم الى الانجراف وراء الجناة، مشيرة الى أن ضعف وانعدام القوانين التي تعاقب على هذه الجريمة، وضعف اجهزة تطبيق وتنفيذ القانون، لها دور مهم في افلات الجناة، من العقاب، كذلك هناك اخبار متداولة تشير الى ان بعض المتنفذين في الدولة، يسندون بعض العصابات المتخصصة بهذه الجرائم، وتيسر لهم عملية الاتجار بالاطفال.
وعلل الناشط بحقوق الانسان ومدير "منظمة صناع السلام للطفولة والشباب" اسعد مناف، بروز تلك الظاهرة قائلا : نظراً لتدهور الأوضاع الأمنية في العراق، ونتيجة للظروف التي مرت بها العديد من العوائل العراقية، لاسيما الفقيرة منها فقد تعرض المواطن العراقي، لانتهاك حقوقه نساء ورجالاً، ولم يسلم الطفل كذلك فقد سلبت منه حقوقه البسيطة في الحياة،اذ حرم من والديه بسبب الارهاب والانفجارات، فترك المدرسة واتجه الى الشارع المريب، وبدأ بالتسول واقتباس العادات السيئة، مؤكدا ان كل تلك الاسباب، ادت الى ظهور "جريمة التجارة بالاطفال"، عاداً اياها من ابشع الجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية، وبحق براءة الأطفال، تلك التي نشأت بؤرتها تحديداً بعد 2005 بأماكن قد غابت يد القانون عنها، فالتجأ قسم من الأشخاص، الذين انعدمت بوجدانيتهم روح المواطنة الى المتاجرة بهم، بمساعدة العصابات المتخصصة بتجارة الأطفال، وبدأوا يستغلون طيبة العوائل الفقيرة، التي تحتاج الى مساعدة او من يعينهم، الى علاج طفلهم المشلول او طفلتهم التي تحتاج الى علاج خارج العراق، وهم يخدعون العوائل بتقديم المساعدات، بحجة انهم منظمة إنسانية "مع احترامي للمنظمات الأصولية"، وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد على المنظمات وعن العمل الانساني، اذ انهم مجرد عصابات، قاموا بالحصول على تصريحات وجوازات سفر، تستخدم لنقل الاطفال من مكان الى مكان.
تفعيل اتفاقيات حقوق الانسان
وعن تفعيل اتفاقيات حقوق الانسان لاسيما الطفل، ودور منظمات المجتمع المدني في التوعية، بخطورة هذه الظاهرة قال البيضاني: انه لابد للحكومة من اتخاذ موقف حازم، تجاه هذه الظواهر والانحرافات الخطيرة، ولابد من وضع تشريعات عاجلة، لهذه المسألة ومشيرا بالوقت نفسه، الى ضرورة قيام كل المعنيين، لاسيماً منظمات المجتمع المدني والاعلام، بدورهم بالتوعية والارشاد والتوجيه، لغرض تحجيم هذه الظاهرة والقضاء عليها، كذلك لابد من خلق حلقات تنسيقية بين المنظمات، والجهات الحكومية ذات العلاقة، وهو جزء من النشاطات التي تعنى بها المنظمات، وهي تنفذ رسالتها الانسانية في خدمة المجتمع العراقي.
اما مناف فقد اشار الى: ضرورة تعاون الجميع من اجل الالتفات الى الاطفال، واعداد اجيال واعية، وهذا هو دور الحكومة والمنظمات غير الحكومية، عبر اقامة الندوات والمؤتمرات، التي تهتم بقضية الاطفال وايجاد الحلول للمشاكل والمعوقات، التي يعاني منها الطفل، واعداد الدراسة المناسبة من الناحية النفسية والاجتماعية، والصحية وتعزيز ثقافة الحقوق المدنية للاطفال، وتعزيزمبدأ التسامح ونبذ العنف والنزاعات، وبذلك يتم وضع الاطفال كمرحلة اولية الى الطريق الصحيح، وحمايتهم من سلبيات المجتمع ومن الفقر والجوع والتخلف.
كما اوضح الخبير القانوني طارق حرب : ان تجارة الاطفال في العراق، كانت موجودة منذ القدم وهي ليست بالامر الجديد، شأن العراق بذلك شان الدول التي تعاني من ازمات اقتصادية، وحالات فقر أو عسر في المال، مؤكدا حصول هذه الظاهرة بعد الحروب، التي مرت بها البلاد في زمن النظام السابق، كما أشار حرب الى الكثير من الدعاوى القضائية، التي رفعت الى المحاكم في المحافظات الجنوبية والفرات الاوسط، والتي تتضمن تهريب عدد من الاطفال العراقيين، للعمل في دول الخليج، اذ كان الحكم يتم عليهم على وفق قانون احكام الجوازات، لان مغادرة البلاد لم تكن باستحصال جواز سفر اصولي، لاسيما ان النظام السابق كان متشددا في مسألة السفر الى الخارج، اما بعد السقوط وتدهور الاوضاع الامنية السيئة، فاستمر هذا الحال ومن الجنسين، بسبب سهولة استحصال على جواز سفر مزور او رسمي ايضا، كما بين حرب ان هذا الامر، لايشكل ظاهرة كبيرة كما هو الحال في الدول الافريقية، التي تنتشر فيها ظاهرة بيع البشر، ونقلهم من مواطنهم الاصلية الى دول اخرى.
اما بشأن وجود قانون في الوقت الحالي يعاقب على هذه الجريمة، فقد اكد حرب : أن اي فعل يتضمن تهريب من لم يبلغ سن الرشد، حتى وان كان بجواز سفر اصولي، فانه يشكل جريمة خطف، وذلك لان القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد، غير مدرك للآثار التي تترتب على مغادرته بلده، أما اذا كان الشخص ذكرا أو انثى وقد بلغ سن الرشد، فان المسألة تحتاج الى تفصيل، اذ يعد الفعل منطويا على جريمة "البغاء" سواء كانت للجنسين، لان لفظ " البغاء" يشمل الحالتين، أما اذا كانت لاسباب مشروعة، فان الامر يكون مسببا لاشكالية بعض الشيء، مشيراً الى أن الاتفاقيات الدولية في جميع الاحوال، تمنع المتاجرة بالبشر.