الموصل - نوفل الراوي- الصباح
صالات البليارد في مدينة الموصل اصبحت مراتع خصبة لعدد من الظواهر السلوكية المريبة، والسلبية.ابطالها من الشباب العاطلين عن العمل والمنقطعين عن الدوام المدرسيّ.. والهاربين من جحيم عوائلهم.
الظاهرة تتحول الى مشكلة بحاجة الى حل حينما تتحول هذه المراتع من اللهو البريء الى بؤرللفساد.. والقمار.. وربما تصل إلى الإنحراف السلوكي والجريمة
زوايا معتمة وكواليس مخفية
هذه الصالات بدأت تنتشر في مدينة الموصل بشكلٍ غير طبيعيّ مما يستدعي التوقف عنده في محاولة اكتشاف ما يحصل في هذه الأماكن وتسليط. الاضواء على زواياه المعتمة وكواليسه المخفية.
وأولى المشاهدات أنها تقع في الغالب في الزوايا (الميتة) أي في المناطق التي لا تقع عليها عين الناظر، ويوجد معظمها داخل (القيسريات) المعتمة، وفي الامكنة المهجورة والتي لاتجلب نظرا ولاتثير حضورا،اغلب روادها من المراهقين والشباب الصغار وهذا ما يعقد الصورة ويثير الريبة.
هروب ومقامرات
في منطقة الدواسة وسط الموصل؛ دخلنا في ساعة مبكرة من الصباح ففوجئنا بأنَّ صالة البليارد كانت مملوءة بالمراهقين من اعمار متقاربة، تكلمنا مع أحدهم كان يجلس على (أريكة) يراقبنا تارةً ويرقب زملاءه المنشغلين باللعب تارة أخرى.. سألناه عن اسمه فلم يرد، لكنه (علّق) على ماسألناه عن سبب تواجده هنا اجابنا: كل الذين تروهم هنا طلابا في المدرسة، لكننا نهرب من المدرسة ونقصد هذا المكان للهو فقط، لأننا بصراحة نكره المدرسة!! ويقول زميله (صفوان ماجد): هذه (اللعبة) رياضة معترف بها ولها بطولاتها وأبطالها ونحن نسعى لنكون أبطالاً في هذه اللعبة، صحيح إنها تكلفنا مالاً لكننا نحصل على المال من خلال احد الوالدين خاصة أمهاتنا فهنَّ لا يبخلنَّ علينا بمال، وكذلك بعضنا يعمل في العطل فيستطيع تحمل مصروفاته...
في مكانٍ آخر من الصالة نفسها فوجئنا بتجمهر عدد من الشبان على طاولة وجميعهم كانوا يصرخون بحماس وكأنهم امام مباراة لكرة القدم، قلت لأكثرهم هدوءاً، ماذا يجري هنا ؟ أجاب (م.م): هذا أمر طبيعي هنا حيث ترتفع الأصوات كلما وصلت المنافسة إلى ذروتها..الذين أمامك من (كبار) المقامرين، تصل مبالغ مقامراتهم (الرهن) لكل مباراة لأكثر من نصف مليون دينار يحصل عليها الطرف الفائز..الذين تراهم قد إنقسموا بين فريقين متنافسين...سالناه هل صاحب الصالة يعلم بذلك ؟فأجابنا:
يعلم لكنه يتظاهر أنه لا يعلم
ظروف اجتماعية مساعدة
السيد سعدي حسن الطائي (ماجستير علم إجتماع) يعلل الظاهرة من الوجهة الاجتماعية: ثمة أكثر من ظرف اسهم في تفاقم هذه المسألة لتبدو كظاهرة سلبية في المجتمع، أول تلك الظروف هو (تلاشي) دور مراكز الشباب السابقة والمنتديات المسؤولة عن رعاية الشباب والمراهقين، حيث أصبحت مثل هذه الألعاب تمارس خارج دائرة الرقيب والموجه التربوي، كما أن غياب الرقابة ممثلة بالأجهزة الأمنية ساعد الكثير على افتتاح صالات للبليارد من دون ضوابط تنظيمية، كما أن هذه الصالات أصبحت بؤرا للقمار والفساد الأخلاقي وغير ذلك يتعلم فيها المراهق كل شيء ابتداءً من شرب السيكارة وانتهاءً بلعب القمار!، وهو مستعد ليفعل كل شيء من أجل تحقيق رغباته، كما ان قيام القطاع الخاص بتصنيع طاولات البليارد محلياً شجّع الكثير لافتتاح الصالات بعد أن كانت الطاولات الخاصة بالبليارد تستورد من الخارج ... بالاضافة الى ظروف البطالة وعدم متابعة المراهقين من قبل عوائلهم وأولياء أمورهم ومن قبل إدارات مدارسهم أيضاً ساعد في جعل انتشار صالات البليارد يبدو جلياً.
رؤية حقوقية
الضابط الحقوقي في مديرية شرطة نينوى المقدّم حسان علي يعلق على انتشار هذه الصالات وكيفية التعامل معها امنيا:
صالات البليارد وغيرها من أماكن اللهو والترفيه مؤشرة لدينا بأنها مناطق خصبة لنشوء الجريمة، أو ترعرع السلوك المنحرف على الأقل كون من يرتادها لا بدَّ أن يكون قاصراً، أو ينقصه النضج لا سيما في الحالات الشديدة الخطورة حين تصبح ممارسة لعبة البليارد مهنة أو إدمانا ووسيلة للكسب المادي من خلال المقامرة.. في أروقة القضاء ثمة شواهد كثيرة تعزز هذه الأقوال، فهناك حوادث عديدة مسجلة قضائيا بدأت من خلافات في صالة البليارد ووصلت حد القتل أو الشروع به.. كما أن بسبب الإفلاس والخسارات المتكررة هناك يقوم الخاسرون بالتفكير في السرقة، أو بإيذاء نفسه بالادمان على المسكرات والمخدرات وربما محاولة الانتحار.. فهناك شخص خسر حتى بيته حين راهن عليه في صالة البليارد ثم أدمن السكر حتى فقد عقله! الخطورة ليست في مزاولة هذه اللعبة إذا ما كانت وفق ضوابط وخاضعة لرقابة أجهزة الدولة، لكن الخطورة تكمن حين تتحول إلى مراهنات وقمار حيث غالبا ما تنتهي بكوارث يتحملها المجتمع كله.