بغداد - كاظم الحسن- الصباح
كان لصحيفة الصباح هذا الاستطلاع مع عدد من الاكاديميين والمتخصصين في الجوانب النفسية والاجتماعي والتربوية، الذين اتفقوا على ضرورة حظر العنف في العملية التربوية والتدريسية لانها تؤدي الى حالات من النكوص والاضطراب النفسي والاجتماعي ما تبعد الطالب عن دوره الايجابي في بناء المجتمع فضلا عن كونه يؤدي الى تهديد السلم الاهلي، وعد بعضهم اسباب العنف الى عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية ساهمت في تفاقم هذا الوضع وان الحروب والحصار التي فرضت على العراق وتسببت في تغيير نمط معيشته كان لها ابلغ الاثر في منظومة التربية والتعليم.
الدروس الخصوصية
يعزو اسباب العنف المدرسي، الدكتور صاحب الجنابي، رئيس قسم علم النفس/ كلية التربية/ جامعة بغداد، الى ضعف ثقافة القائم بالتعليم وقصوره في اساليب وطرائق التدريس المناسبة، وقلة خبرته بالتعامل مع المتعلمين حسب امكانياتهم وطاقتهم وان مايصدر من عنف او تجريح من قبل الكادر التعليمي والتربوي لاتوجد مشروعية قانونية او اخلاقية او تربوية له.
فيما تذهب الدكتورة فوزية العطية/علم الاجتماع/ كلية الاداب/ جامعة بغداد، الى ان الحروب التي مر بها الشعب العراقي والحصار الذي تعرض له المجتمع، هذه العوامل ادت الى التأثير في الوضع الاقتصادي والنفسي وبشكل خاص التربويين والنفسيين ما دفعهم الى استخدام انواع العنف، حيث انتشرت ظاهرة الدروس الخصوصية وتفشي الفساد الاداري والمالي بل حتى في الجامعات ما ادى الى لجوء المعلم الى استخدام اساليب العنف اللفظي والمعنوي وعدم الاستجابة لمشاكل التلاميذ او الطلبة والاستماع لمشكلاتهم وارائهم واعتماد النقاش والحوار معهم، حيث انتشرت ليس مظاهر استغلال الطلبة عن طريق الدروس الخصوصية فحسب بل الى الاستهانة بهم ما ادى الى انعدام الثقة بين الطرفين.
ضعف التاهيل العلمي
فيما تشخص الدكتورة زينب حمزة/علم النفس/جامعة بغداد، اثار العنف المدرسي الخطيرة التي تؤدي الى تعطيل النمو الانفعالي والاجتماعي والابداعي للطالب ويسبب في خلق مشاكل نفسية وتنمية اتجاهات سلبية عن المدرسة والمادة والمعلم والمجتمع.
اما اسبابه فتعود الى ضعف الاعداد المهني للمعلم اذ يجهل في اي الاتجاهات النفسية والتربوية التي ينبغي ان يسير بها الطالب وكيفية تنمية الاتجاهات الايجابية لديه. اذ يتم تعيين معلمين ومدرسين غير مؤهلين علمياً للقيام بالدور التربوي والتعليمي في المؤسسة التربوية.
يحذر الدكتور نبيل محمد/ معهد اعداد المعلمين/ الرصافة/1 من الاثار الاجتماعية والنفسية التي تتولد من خلال العنف على السلوك والمعرفة والعلاقات العامة، والتي سوف تعيق اندماج الفرد بالمجتمع وتجعله يميل الى العدوان والاضطراب في مراحل حياته ويستبطن الخوف والقلق والشك عالمه الداخلي فيعيش حالة صراع ذاتي وخارجي تبدد طاقته وامكانته وتحيل حياته الى جحيم.
صور العنف
يشكك الدكتور عبد الزهرة عباس صالح/ معهد الجوادين لاعداد المعلمين، بوجود مصطلح العنف التربوي لانه يجمع بين مفهومين متناقضين الاول العنف والثاني التربوي بل من الافضل ان تطلق مايسمى بصور العنف المتبعة في التربية، ومهما كانت هذه الصور فهي بالنتيجة لاتقدم مخرجات العملية التعليمية - التربوية والمتمثلة بالمستويات العالية من التحصيل الدراسي للمتعلمين، التلاميذ الطلاب ومن الافضل تبنى سياسة الارشاد والاقناع وسياسة التوجيه نحو الوسائط الصحيحة لتلقي المعلومة العلمية ومن ثم فهمها وتطبيقها في مجالات الحياة.
يدعو الباحث والاكاديمي كاظم عباس تايه، الى التوازن في العلاقة بين الطالب والمدرس فلا الميل الى العنف واردا كحل اولي ولاترك الطلب بدون محددات سلوكة ضابطة فهو اولا واخيرا طالب علم ومعرفة، الا ان الطالب يخضع الى مجموعة قيود وضوابط اجتماعية وفي المقابل هو مجموعة افكار وتطلعات وعنفوان وبالتالي يكون فهمه والتناغم معه في المقدمة من ادبيات العمل التربوي والثقافي حتى ينشأ صحيحاً في ادائه وسليماً في نضجه ووعيه ويتقبل الاخر.
انعدام الثقة
يرى الباحث موسى القريشي، ان العنف لايمت بصلة الى المجتمعات الحرة والمتحضرة، التي تعتمد اسلوب الحوار والاقناع والنقاش للوصول الى افضل الحلول واحسنها، لان التلاقح مابين الاراء لن يتم باستخدام العنف الذي يقطع الجسور مع الاخر ويعمق الفجوة والهوة مابين الاستاذ والتلميذ ويبدد الثقة اللازمة للتواصل مابين الطرفين بل ان العنف يسهم في تعطيل النمو النفسي والاجتماعي ويخلق شخصية مضطربة لدى لتلميذ.
الكاتب محسن جاسم، يعتقد ان العنف مترامي الاطراف تسهم في تشكيله عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية، اي ان الحواضن له كثيرة، وتغذيه بشكل دائم ومستمر واذا اردنا ان نحجم من هذا العنف في المدارس ودور العلم، ينبغي ان تسعى الدولة الى خلق مناخ سلام بل ان تتبنى فلسفة التسامح وتحترم الرأي الاخر وتحافظ على الروح الديمقراطية بين الافراد، بحيث لايستطيع اي فرد سواء كان في المدرسة او الشارع او العمل اللجوء الى العنف وهذا يتم عن طريق تفعيل القانون والنظام في المجتمع.
التأهيل المهني
تقول العطية، ان انعدام الثقة بين الاستاذ والتلميذ ادى الى تغيير الصورة الذهنية عن المعلم والمدرس وبالعكس ونظراً لخطورة هذه المظاهر لابد من مراجعة المناهج الدراسية وفتح دورات للتعليم المستمر للمدرسين والمعلمين لتوعيتهم لها بغية التعامل مع التلاميذ والطلبة من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية لما لها من دور هام في التنشئة الاجتماعية للاطفال والشباب كذلك فتح قنوات الاتصال مع الاهالي من قبل وسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني .
ويحذر عبد الزهرة من نتائج العنف في التربية وخطورة انتقاله وتحوله الى سلوكيات سلبية قد يتقمصها هؤلاء الطلاب وبذلك سيكونون عدوانيين في ادائهم لوظائفهم واعمالهم في المستقبل ويكونون كذلك مع المقربين منهم. وهذا بطبيعة الحال نتيجة تراكم السلبيات خلال العقود الثلاثة الماضية وقد ولدت اجيال رافضة وقليلة الدافعية بالاضافة الى انعدام الاهتمام بالجانب المهني وهذا ادى الى ضعف الخبرة والحماس ولذلك لابد من ثورة علمية متطورة تتماشى مع الثورة المعـلوماتية التي يشهدها العالم بالاضافة الى اعادة تأهيل المدرسين بدورات علمية حقيقية داخل العراق.
ثمن العنف
فيما لا يعتقد (حمزة) بوجود مبررات لاستخدام العنف لكن هناك مستويات للعقوبة التأديبية التي لاتلحق اضرارا نفسية او جسدية للطالب وانما هي نوع من التحفيز وخلق الدافعية للمتعلم، وهذا يحتاج الى نشر الوعي التربوي ومد جسور الاتصال بين الاسرة والمدرسة والتواصل المستمر والتعاون من اجل ابناء سليمين من الناحية النفسية والتربوية والاستفادة من خبراتهم وامكاناتهم وتنمية قابلياتهم .
يوضح محمد، اسباب وجذور العنف التربوي الى الحرية المفرطة التي يتمتع بها الاستاذ دون وجود رقابة او ضوابط مهنية تمنعه من استخدام العنف الجسدي او المعنوي ما ادى الى حدوث شرخ في العلاقة مابين الاستاذ والتلميذ سوف تظهر نتائجها واثارها لاحقاً مما يتسبب في تهديد السلم الاهلي ونسيج المجتمع ولذلك على المدارس والتربويين ان ياخذوا بنظر الاعتبار النتائج المستقبلية للمثل هكذا سلوكيات مضـرة ينبغي عدم القبول بها او الترويج لها او ادامة زخمها في العملية التربوية.
للعنف اسبابه
يوضح تايه سبب اضطرار المعلم الى مقاربة العنف الجسدي والمعنوي حين يشعر مع الاسرة ان الاساليب الاخرى لم تقدم ثمارها ولانتائجها المرجوة ولكن المعلم ينطلق في مقاربة العنف الى مسوغات يكون فيها الحرص هو المحدد لهذا السلوك، حيث ان المدرسة عالم مصغر يحتوي كل تناقضات المجتمع والطلبة يمثلون فيها قيماً مختلفة وسلوكيات متعددة واصولا اجتماعية متنوعة وهذه الاشكالية صنعت جملة تباينات في علاقتها مع المدرسة كمجموعة انظمة وقوانين ادارية واجبة الالتزام.
يبين حسين، النقاط التي يجب ان تتوفر لدى المعلم او ان يطلع عليها او يعد على اساسها وهي ان يطلع المعلم على نظريات التعلم واصول ومبادئ علم النفس التربوي ويفهم طبيعة التلاميذ اثناء حزنهم وفرحهم ومرضهم لان ذلك يجعل المعلم يتعامل معهم باسلوب حضاري متقدم والطريقة التربوية والابوية هي الاساس في العملية التربوية فالخوف والقمع والعنف لايبني مجتمعا بل التسامح واحترام الاخر والاحساس بانسانيته على اعتبار ان الانسان هو قيمة عليا.
لغة الحوار
يتهم جاسم، من يستخدم العنف في المدارس بانه فاقد الحجة ولايملك المبررات او المسوغات القانونية او الانسانية لفعله هذا، بل ان اقدامه على العنف دليل على وجود ازمة نفسية او اجتماعية يعاني منها التربوي او المعلم وهو بالنتيجة لايصلح في عمله هذا لانه غير مؤهل لاداء عمله بصورة جيدة او مقبولة، لاسيما توجد وسائل اخرى ذات طبيعة انسانية تتمثل بالحوار والاقناع والتواصل مع الاخر بصورة شفافة ما يخلق اجواء من الهدوء والاسترخاء تسهم في ايصال المعلومة للمتلقي بشكل سلس.
يشخص عباس الارباك والتوتر مابين المدرسة والاسرة الى اختلاف زوايا النظر بينها، المدرسة التي ترى الاسـرة انها مسؤولة بالدرجة الاولى عن تربية الاولاد واعدادهم ليكون لهـم المستقبل الباهر والمفتوح بينما ترى المدرسة ان الاسرة مطالبة بايجـاد معيـارية عالية الاداء والتباين هنا اشتراط ايجابي وليس جملة تناظر سلبي مابيـن الاسـرة والمـدرسة وهـذا اساس التوفيق بينهما.