المحامي طالب الوحيلي- الصباح
يحفل الفصل التشريعي قبل الأخير لمجلس النواب العراقي بباقة مهمة من مشاريع ومقترحات القوانين التي تقتضيها الكثير من مبادئ الدستور العراقي، ومن ذلك مشروع قانون لتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدني
او المنظمات غير الحكومية كما هو شائع في هذه المرحلة، لاسيما بعد ان انفتح العديد منها على مستوى الشارع العراقي ،وقد حظي قسم منها بثقة المواطن والجهات الراعية ،وقسم اخر تعثر وانكشفت ابعاده، وبين هذا وذاك لا بد من قيام جهة حكومية للإشراف على هذا النشاط الجماهيري الحيوي، دون ان تفرض صيغا بيروقراطية تميل الى التدخل المباشر في إدارته،مما يفقد تلك المنظمات وجودها الشعبي غير الحكومي، واستنادا الى المادة (45) من الدستور العراقي التي تنص في مادتها اولاً على ما يأتي: (تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعة لها، وينظم ذلك بقانون) فقد عرض على مجلس النواب مشروع قانون المنظمات غير الحكومية ،نسعى للمساهمة في قراءة بعض جوانبه وكما يلي:
1ـ لما كان القانون هو قانون خاص بالمنظمات غير الحكومية فانه ينبغي افراد مادة خاصة بتعريفها ، اما التعاريف التي تورده مادة 1 فينبغي ان تكون خاصة بالمصطلحات التي يتداولها القانون بمواقع متعددة ،كأن يعرف المنظمة بانها تعني المنظمة غير الحكومية ، والدائرة هي دائرة المنظمات غير الحكومية في الامانة العامة لمجلس الوزراء ،والشبكة هي شبكة المنظمات غير الحكومية المسجلة بموجب احكام هذا القانون ..الخ.
2 ـ في الفصل الخاص بالتأسيس نصت المادة 4 اولا بان لكل شخص عراقي طبيعي ومعنوي حق تاسيس منظمة غير حكومية او الانتماء اليها او الانسحاب منها .. وفصل ذلك بالنسبة للاشخاص الطبيعية لكنه لم يتناول الاشخاص المعنوية باي تفصيل ، كما ان صياغة جملة (شخص عراقي طبيعي ومعنوي ) ينبغي ان تستبدل واو العطف ب (او).
3 ـ المادة 10 حظرت على المنظمة جملة من الممارسات والنوايا ،ولنا ملاحظة على الفقرة الرابعة منها حيث اجملت حظر تبني اهداف تنتهك القوانين العراقية او تشكل خطرا على الامن القومي او السلامة العامة او النظام العام ثم قدمت أمثلة على ذلك دون الاشارة الى الحصر او المثال والنص واضح ولا يحتاج للامثلة اي كل ما ينتهك القوانين العراقية او يشكل خطر على الامن (الوطني) وليس القومي او النظام العام مع اضافة والاداب..
4 ـ الفقرة سادسا من المادة 10 تحظر على المنظمة ترشيح اي شخص للمناصب العامة او جمع الاموال لدعم المرشحين للمناصب العامة او تقديم الدعم المادي والمعنوي للمرشحين ، نرى بان الترشيح للمناصب العامة غير وارد في القانون العراقي ،فاذا كان المقصود المجالس النيابية او مجالس المحافظات وغيرها فان في ذلك الحظر يعني تعسفا كبيرا من قبل الحكومة وتدخلا في الحريات العامة ،حيث ان حجم المنظمة ونشاطها في المجتمع قد يكون ادعى لتميز اعضائها ،ثم ما الضير لو انها استثمرت نشاطها الجماهيري في دعم اي مرشح وذلك من ثوابت الديمقراطية التي اقرها الدستور؟ كما ان الفقرة سابعا تحظر تقديم اي منافع خاصة او شخصية مباشرة او غير مباشرة الى اعضائها او منتسبيها واعضاء الهيئة الادارية واقاربهم واي شخص له علاقة بالمنظمة بمن فيهم المانحون الى الدرجة الثالثة.
نرى ان ذلك غير منطقي لان اية منظمة تؤسس لا بد ان يكون غرضها خدمة فئة معينة كابناء الشهداء او المعاقين او النساء بلا معين او رعاية الايتام ، فمن هم اعضاؤها ؟ انهم بالتاكيد ابناء الشهداء او المعاقين او النساء .. كما ان اعضاء الهيئة الادارية والمنتسبين في هذه الحالة يجب ان يكونوا متبرعين ولا يتقاضون اي مرتب او منحة من المنظمة وذلك مناف للمنطق..
5 ـ المادة 14 ثالثا نصت على ان للمنظمة بموافقة الدائرة تملك العقارات بالقدر الضروري لاتخاذ مركز لها او لفروعها او محل لا جتماع اعضائها او لتحقيق اهدافها وفقا للقانون.
نرى ان المنظمة مادامت قد اكتسبت الشخصية المعنوية فان من حقها تملك وبيع العقارات وذلك لا يقتضي الرجوع الى الدائرة واخذ موافقتها.
كما ان الفقرة رابعا يمكن دمجها بالفقرة ثالثا اي بيع وشراء العقارات ..الخ.
المادة 16 الفقرة اولا التي تنص على الآتي ( تجري المنظمة عملياتها المالية باستلام المواد المالية وصرفها من خلال المصارف الحكومية حصرا او الأهلية بموافقة الدائرة وفي الحالات الضرورية فقط ) نجدها غير ضرورية و تشكل عائقا اداريا وروتينيا لا داعي له بالرجوع الى احكام المادة 13 من هذا القانون الخاصة بموارد المنظمة ،اذ انها لم تستحصل مواردها من الدائرة او غيرها من الجهات الحكومية ، اما اذا كانت منحة حكومية فان الجهة المانحة هي المسؤولة عن الاموال واماكن ايداعها وطرق سحبها وليس المنظمة.
المادة 17 فيها تعسف كبير للدائرة حيث اشترطت موافقة الدائرة على تسلم المنظمة التبرعات والمنح والوصايا من داخل العراق وخارجه، لان في ذلك حد من حريتها في استقطاب العون المالي من الجهات المانحة ، ويضعها دائما محل ريبة الحكومة وشكها ،وتلك امور غير مبررة قطعا ما دامت المنظمة قد جرى تأسيسها على وفق هذا القانون بما فيه من شروط يكفي قبولها الى تحقق حسن النية من قبل المنظمة. المادة 18 ميزت بين المنظمات ذات النفع العام وغيرها من ناحية الإعفاءات الضريبية ،واشترطت عليها بان تحقق مصلحة عامة ، على ان تمنح صفة النفع العام الى المنظمة وتسحب منها بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح من الأمين العام لمجلس الوزراء ،لكن الملاحظ على القانون انه لم يعرف صفة النفع العام بالمفهوم الاقتصادي ،حيث ان معظم المنظمات هي ذات نفع عام مادامت تخدم شرائح من المجتمع ،لكن قسم منها قد يكون مدعوما من الحكومة ويكون ذو طبيعة استثمارية وبذلك يحق لديوان الرقابة المالية والجهات الحكومية تدقيق معاملاته وسجلاته ، ولهذا السبب نجد ان مجلس الوزراء هو الذي يعين هذه الصفة لبعض المنظمات وليس لجميعها . وبذلك نجد ان المادة 21 يجب ان لا تكون عامة خصوصا بالنسبة لديوان الرقابة المالية:
(اولا: تقوم الدائرة بالتنسيق مع ديوان الرقابة المالية بتدقيق حسابات المنظمة.
ثانيا: اذا تبين للدائرة ان سجلات المنظمة غير دقيقة او فيها تلاعب ، فلها إجراء تحقيق مباشر على حسابات وسجلات وأنشطة المنظمة في مكاتبها وفروعها وبواسطة محاسب قانوني مجاز ...الخ ) نجد ان القانون بهذا العموم قد ذهب بعيدا في التدخل بعمل المنظمة وكأنها منظمة حكومية، وذلك يتنافى مع أهداف تأسيسها..
المادة 24 فقرة ج تنص على ان للمنظمة التظلم من قرار التعليق لدى الوزير خلال 10 ايام من تاريخ تبلغها به .. والسؤال الذي يثور هو اي وزير ؟! حيث ان المادة 1 لم تورد تعريفاً له ،فهل هو وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني ام وزير الداخلية ؟ كما هو وارد في قانون الجمعيات النافذ والذي سوف يلغى بهذا القانون..