This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

حي النصر في شمال بغداد وما جاوره من أحياء: مثــال صــارخ على التخلف الحضاري وانعدام الخدمـات
11/06/2009

 


بغداد - قاسم الحلفي- الصباح
ما ان تحاول اجتياز السيطرة الامنية في مدخل حي النصر حتى تعرف من أمتار قليلة أنك تدخل مناطق لا تعرف الخدمات اليها طريقا فالشارع العام مليء بالحفر والمطبات والبناء توزع بشكل عشوائي بما يدل على غياب التخطيط العمراني، سبعة أحياء هي النصر وقطاع خمسة والعماري والباوية والمعامل  والحسينية والبتول، مناطق غابت عنها يد الاعمار والتحضر على الرغم من وجودها في العاصمة، فلا مجاري ولا ماء صالح للشرب ولا شوارع مبلطة ولا مدارس كافية ولا مستشفى وغير ذلك الكثير... واذا كانت المعاناة تبدو امام عينيك على شكل مدن متعبة بمبانيها واسواقها وطرقها فان تلك المعاناة تصبح الماً يحز في النفس عندما تستمع الى الاهالي وهم يطرحون همومهم...
 سوق حي النصر هو السوق الرئيس لكل تلك الاحياء يقصده فضلاً عن اهالي تلك المناطق سكنة الشماعية والرشاد والكمالية، يضم ستمائة محل متنوع الاغراض بنيت بشكل عشوائي على الشارع العام الداخل الى حي النصر، بينما الجهات الامنية تطالب اصحاب هذه المحال بالانتقال الى مكان آخر واخلاء المكان، الا ان الغريب في الامر اصبحت هناك خمسة اسواق فرعية منها انشئت ومنها قيد الانشاء فتناثرت محال هنا واخرى هناك، اصحاب بعض المحال اشاروا الى ان بعض المنتفعين راحوا يحركون الامور باتجاهاتهم لذلك توزعت مواقع المحال في كل مكان، بينما يرى المواطن"سلمان صباح" صاحب احد المحال ان الحل يكمن في بناء سوق إنموذجي حيث مضى عليهم اكثر من ست سنوات يعملون في هذا السوق متحملين الحر والبرد والمطر والغبار وكل الظروف الجوية الصعبة ويبلغ عددهم تقريبا الفي شخص يعيلون الفي عائلة ، وكانوا أول من استثمر محال في هذا السوق، ويضيف نعم نحن متجاوزون ولكننا نريد سوقاً موحداً يجمع كل الباعة حتى لا يغبن احد حيث تختلف مساحة المحال حسب البضاعة التي يبيعها ومكانه في السوق في بدايته أو وسطه أو نهايته وكمثال على ذلك محلي مساحته ثلاثة  امتار مربعة فهل يكفي محل مساحته مترين مربعة؟ وهناك مسألة اخرى تتمثل بالمهجرين الذين قدموا من مناطق خان بني سعد وبعقوبة  والحصوة والراشدية  يرتزقون من على مهنهم هنا ومن الصعب جداً عودتهم الى المناطق التي هجروا منها،ونحن نحترم القانون والاجراءات الامنية  لكن العدالة في دمج كل تلك الاسواق وجعلها سوقاً إنموذجياً كبيراً واحداً هو مطلب اكثر من الفي مواطن.
بين المترو والمجاري
بحثنا عن احد كبار السن ليحدثنا عن بدايات انشاء تلك المناطق لاسيما حي النصر فقال لنا " سعدون جاسم" (80 عاماً) انشئت تلك المنطقة في مطلع العقد الثمانيني وانا سكنت فيها العام 1980 وكان هناك تبليط اولي للشوارع الرئيسة والفرعية الا ان ازدياد البناء وسكن المواطنين وعدم وجودشبكة تصريف المياه الثقلية دفع الناس الى دفن محيط بيوتهم وامام ابواب دورهم بالانقاض بارتفاع متر واكثر تحاشياً من دخول مياه المجاري الى دورهم فاندثر التبليط وفتح المواطنون السواقي العديدة، وما علمناه ان سبب عدم انشاء شبكة المجاري هو نية انشاء مشروع مترو بغداد الذي من المفترض ان يدخل مناطقنا، فتأخر تنفيذه حتى الان ولا نعلم هل ان مشروع المترو ما زال قائماً ام الغي؟ ونحن مع تطوير البلد وبناء مشاريع جديدة  لكن هل يمنع اقامة مشروع المترو انشاء شبكة تصريف صحي في المنطقة لاسيما ان كثيراً من البلدان ومنها العربية توجد فيها مثل تلك المشاريع، والمعلوم ان عدم وجود شبكة تصريف مياه صحية يخلف اضراراً صحية وبيئية وحضارية غير مرغوب بها، واستدرك قائلاً لكن قبل عام  قدم احد المقاولين باجراء مسح للمنطقة على اساس تنفيذ مشروع مجار فيها ولم ينتج مجيئه عن شيء يذكر ونحن نيابة عن اهالي تلك المناطق نطالب الجهات المسؤولة لانشاء شبكة مجار متكاملة للامطار والمياه الثقيلة، بعد ان نفذ مثل هذه الشبكات في مناطق العبيدي والكمالية والرشاد وغيرها من المناطق المجاورة.
منفذ واحد لست مناطق
المواطن"رائد كاظم" شخص حالة اخرى صعبة تتمثل في المدخل الرئيس لتلك المناطق حيث يقول: مناطقنا لها مدخل واحد هو الشارع الرئيس الذي يمتلئ بالحفر والمطبات، وهو ذو ممر واحد وقد اقيم في عهد النظام المباد وكان من المقرر انشاء ممر ثان ليصبح هناك ممران للذهاب والاياب وقد جرت عمليات صب الجوانب، لكن المشروع توقف وما زاد الطين بلة تلك التجاوزات الكثيرة الموجودة على هذا الشارع الذي سرعان ما صار يستخدم لرعي الاغنام والجزر العشوائي للحيوانات وغسل السيارات وغيرها من التجاوزات التي حولته الى حفر ومطبات، يلاقيك بعدها حي النصر الذي لا يوجد فيه شارع واحد فرعي أو رئيس مبلط، وكثيراً ما يلجأ الموطنون الى دفنه بانقاض البناء كل يدفن المنطقة الواقعة امام منازله وحصلت الكثير من المشاكل جراء ذلك بسبب صعوبة مرور السيارات أو تحويل مجرى مياه الامطار، وهو ما خلف ايضاً عدم تمكن سيارات دوريات الاجهزة الامنية من المرور فكثرت حالات السرقة وحتى سيارات الاسعاف يصعب عليها انقاذ المرضى بسبب تلك الاوضاع المزرية، ولا ننسى معاناة الموظفين والطلبة الذين يجدون صعوبة بالغة في تنقلهم، وهل يعقل اننا في القرن الواحد والعشرين ولدينا ثروات نفطية ومصافي نفط عديدة ولا نستطيع تبليط شوارع قليلة تقدم خدمة لمئات الالاف من المواطنين؟
علماً ان مناطقنا مضى على انشائها اكثر من ربع قرن وقد سمعنا كثيراً بتخصيص مبالغ لانجاز مشاريع هنا الا ان المجلس البلدي غير فاعل في مناطقنا.
لابد من بناء مستشفى
الحاج " محمد علاوي الماجدي" قارب عمره على السبعين، ترك محله اوجز مشكل المنطقة بقوله: نحن محرومون من كل الخدمات فلا مجاري ولا ماء صافيا ولا شوارع واذا كنا نستطيع الصبر على ذلك فماذا نفعل ازاء عدم وجود مستشفى يلبي حاجة اكثر من مليون ونصف شخص(على حد تعبيره) ، ونحن اذا حصلت لنا حالة مرضية ليلاً نتعذب حتى نوصلها الى المستشفى لان المستوصفات الموجودة لا تفي بالغرض وتفتقر الى الاطباء التخصصيين والادوية فيها شبه مفقودة وقد تعرضت عائلتي لهكذا موقف ولولا مساعدة السيطرة لنا وارسالنا بسيارة الشرطة الى مستشفيات مدينة الصدر وهي اقرب المستشفيات علينا لوقع ما لم يكن بالحسبان، ويضيف ان اغلب سكنة مناطقنا هم من الفقراء واصحاب الدخل المحدود ولو احصينا عدد مستحقي مناطقنا للرعاية الصحية مع المناطق المحيطة بنا لاستحق عدد الساكنين بناء مستشفى كون اعداد المواطنين تتجاوز المليون، احد الحاضرين اضاف معلومة اخرى، فقال"ابو طيبة" ان هناك جهوداً بذلت من بعض المواطنين وساعدهم فيها بعض المسؤولين والبرلمانيين تمكنوا من خلالها من تخصيص قطعة ارض في منطقة الرشاد لبناء مستشفى ووضعت يافطة لها الا ان اعتراضاً عليها من بعض دوائر الدولة واشكاليات التخصيص والعائدية اوقف المشروع وهذا بحد ذاته يؤكد امكانية بناء مستشفى وحل كل الاشكاليات.
حاجة إلى مدارس جديدة
المعلم"محمد سلمان" اصطحبنا الى مدرسته (الاستقامة الابتدائية) بشق الانفس حيث يحيط بها السوق من كل جانب بل ان بائع السمك يفترش باب المدرسة، اكد سلمان معاناة تلك المدرسة التي تتميزبضيق  مساحة صفوفها وزيادة عدد طلبتها الذي يبلغ بين 70 الى 75 طالباً في الصف الواحد ما يسبب ارباكاً كبيراً في العملية التربوية، الى جانب وقوعها وسط زحام المارة والمتبضعين فالداخل اليها يجب ان ينحرف يمينا وشمالا حتى يستطيع المرور ولا ننسى الاصوات والروائح والذباب والنفايات التي تؤثر على استيعاب الطلبة مع العلم ان بناء المدرسة كان قبل انشاء السوق بسنوات طويلة،  وتحتاج المدرسة الى اعادة اعمار وبناء طوابق اخرى او صفوف جديدة او بناء مدرسة اخرى ولا يسد طلاء المدرسة بين مدة واخرى عمرانها او حل مشاكلها، وقد اوصلنا صوتنا الى المسؤولين في تربية الرصافة الثانية مع صور ارفقناها والحديث ما زال للمعلم محمد سلمان، وقبل ايام زار السيد محافظ بغداد الجديد المدرسة وقد وعدنا خيراً ببناء مدرسة وفتح الشارع العام وابعاد السوق عن المدرسة، المشكلة الاخرى هو عدم وجود مدارس اعدادية ومتوسطة للبنات  والبنين حيث تضطر الفتيات للذهاب اما الى منطقة الكمالية او العماري للدراسة ما يثقل كاهل عوائلهن بمصاريف النقل فضلا عن مخاطر الطرق وغيرها من المشاكل، واذا سلمنا ان الاولاد يستطيعون الذهاب الى مناطق اخرى فهل ينطبق هذا الحال على البنات، اذن لابد من بناء مدارس للبنات، وبرغم كل الظروف الا ان العملية التربوية مستمرة.
طمر صحي أم الحزام الأخضر؟
كل المدن والمناطق السكنية التي تقام وفق التخطيط العمراني الحضاري تحاط بحزام اخضر يضم مختلف المساحات التي تساعد في تحسين البيئة كالغابات والمزارع والمتنزهات والبحيرات وغيرها، الا ان هذه المناطق والاحياء محاطة بمناطق شاسعة للطمر الصحي وهي المناطق التي تنتهي بها عملية التخلص من نفايات المدن، ذلك ما اشره المدرس " طالب جبار" واضاف: ان مناطق الطمر الصحي كانت قبل سنين بعيدة عن مناطقنا الا ان التوسع العمراني والبناء العشوائي للمهجرين في المساحات الفارغة من جهة وتوسع رقعة مناطق الطمر الصحي من جهة اخرى جعلها الان تحيط بمناطقنا فاضحت تشكل حزاماً اسود بدلاً عن الحزام الاخضر، وفيها من الاضرار علينا الكثير حيث انتشار الاوبئة والامراض مثل الكوليرا والحصبة التايفوئيد والاسهال والتقيؤ المفاجىء والامراض الجلدية لاسيما ان الهواء والحشرات والبعوض تسهم في نقل تلك الاوبئة والامراض وقد تسبب مرض الحصبة وحده بوفاة عدد من الاطفال، ناهيك عن سحب الدخان التي تغطي مناطقنا ليلاً بعد حرق تلك النفايات والكثافة السكانية لها اثر بالغ في انتقال الامراض كون اغلب البيوت التي تبلغ مساحتها 150 متراً تسكنها اكثر من عائلة وقد يصل عددهم الى عشرين فرداً، ونحن نطالب بتحويل تلك المناطق الى جمعيات سكنية تنهي مشاكل السكن وتحول الامر من امراض وتخلف ووباء الى عمران وتطور وبناء، والامر متروك للسادة المسؤولين فهم ادرى بما يحتاجه البلد.
ماء صاف ورائحة لا تطاق
 المواطن "ياسر صدام مطلك" أصر على دخولنا الى داره ليرينا مضختين منصوبتين في داره واحدة لتصريف مياه المجاري واخرى لسحب الماء الصافي، وقدم لنا قليلاً منه فوجدنا فيه رائحة كريهة لا تطاق، قال: ان عدم وجود شبكة مجار جعلنا نصرف المياه بهذه الطريقة ونفتح السواقي ولكن الصعب علينا هو الرائحة الكريهة الملازمة للماء الصافي التي جعلت كثيراً من العوائل تبتعد عن شربه الا بعض العوائل الفقيرة التي اصيب ابناؤها بمختلف الامراض الباطنية، وهذا الحال مستمر منذ عامين وحتى الان اذ تتميزشبكة الماء الصافي لدينا بشيئين الانقطاع المبرمج صيفاً وشتاءً والرائحة الكريهة الملازمة له، وقبل مدة حفر احد المقاولين بعض الازقة لغرض نصب شبكة ماء جديدة الا انه تركها وبقي الحفر فقط.
بين الأمل والعمل
 حملنا اوراقنا الى بلدية بغداد الجديدة حيث تنتمي تلك المناطق لها ادارياً لنلتقي مديرها المهندس عبدالحسن عبد كاظم وسألناه عن سر غياب الخدمات عن هذه المناطق، واولها شبكة مجار المياه الثقيلة،فاجابنا قائلاً: ـ المناطق التي ذكرتها لا تتوفر فيها شبكة مجار مربوطة مع الشبكة الرئيسة التي تنقل المياه الى منطقة الرستمية العامة لذلك يستوجب مدة خمس سنوات حتى تستطيع الجهات المختصة  انهاء الربط مع الشبكة الرئيسة أي بعد هذا التاريخ يمكن انشاء شبكة مجار لتلك المناطق، ومسألة وجود خطوط ناقلة للمياه الثقيلة من اولويات  انجاز شبكات المجاري، اما ما نفذ في منطقة الكمالية فالمشروع نفذه الجانب الاميركي وتم ربطه بنهر ديالى مع عدم موافقة وزارة البيئة على ذلك لتسببه بتلوث البيئة وهو خارج سياقات التصميم الاساسي لبغداد، وبخصوص تبليط الشوارع فان دائرتنا حصلت اخيراً على موافقة بانشاء 15 شارعاً رئيساً في مناطق النصر والعماري وهناك تنسيق بيننا وبين المجلس البلدي ومنظمات دولية وبدأ العمل فعلاً قبل مدة قصيرة، وهذا المشروع سيسهم في تخفيف معاناة المواطنين المستمرة. وحول قضية الروائح الكريهة في الماء قال كاظم: لدينا توسيع اربعة مجمعات لتصفية المياه سعة الواحدة منها 200 متر مكعب بالساعة وتتوزع في مناطق البتول والكمالية والعبيدي وبعد الانتهاء من اكمال تلك المجمعات سوف لن تنتهي الروائح فقط بل ستنتهي شحة المياه ايضاً، واعتقد ان في هذا العام سينتهي كثير من المشاكل.
 وبشأن مشكلة منطقة  الطمر الصحي وتوسع رقعتها ومجاورتها للمناطق السكنية اجاب: وصلتنا تعليمات من امانة بغداد بايقاف القاء النفايات في منطقة العماري والتوجه الى منطقة البوعيثة التي خصص فيها مكان للطمر وفق المواصفات العالمية ونفس التوجيه تلقته بلديات الكرادة والرشيد وغيرها، وهذا سيسهم بالحد من انتشار مناطق الطمر. وفيما يخص المدارس والمستشفى فهي قضية تخص وزارتي التربية والصحة وما يخصنا في هذا الموضوع هو تقديم المساعدة برفع الانقاض والنفايات وتقديم الخدمات لتلك الدوائر، ونفس الشيء يشمل السوق والعشوائية في انتشاره الى عدة اسواق، فنحن الان نسعى للحصول على قطعة ارض عائديتها الى وزارة النقل وننسق حالياً مع العقارات لانهاء القضية لتخصيص بناء السوق عليها وقضية ابعاد اصحاب المـحال قضية امنية ولا تقـع على عاتقنا كونهم يقطعون الشارع العام ولا نستطيع بناء سـوق إنموذجي الا بعـد ان تحصل مجموعة موافقات من بينها ادراجه في التصميم الاسـاسي لمدينة بغـداد.