د. قصي عدنان الحسيني- الصباح
استهدفت الهجمة الضاربة للارهاب ضمن مااستهدفته في الجسد الابداعي العراقي.. فتم تهديد هؤلاء الذين يفحصون نبض البؤساء ويتحسسون الام صدورهم .. ويكتبون لهم وصفات الشفاء..
فهجر من هجر واستشهد من استشهد... ومنهم من اغلق ابواب عيادته واكتفى بعمله الرسمي ومستشفيات حكومية واهلية.. بين هؤلاء نماذج في الانسانية والشرف المهني رابطوا في وطنهم رغم اعاصير الفتنة وشدة الهجمة .. رغم اوراق التهديدات الصفراء .. ظلوا مشدودين الى الالم والعذاب الذي تزفره حشرجات الفقراء في عياداتهم الطبية..
نماذج عراقية صميمية اتخذت من الطب سلماً للوطنية وسلماً للشرف المهني وسلماً للعروج الى رحمة السماء..
ومن امثلة هذه النماذج الانسانية:
المثال الاول: الدكتور الشهيد الطبيب (ابراهيم العاشقي) لقد اثر هذا الطبيب ان يجسد مهنة الطب بواقعها الانساني المحض واعطائها ارقى درجات الانسانية من حيث التعامل مع الناس، ابتداء من مقاضاته اجرة المعاينة وهي دراهم معدودات من مرضاه!! خلافاً لما يتقاضاه اقرانه من الاطباء حتى يصل بعضها الى مبالغ استنزافية ينوء بها كاهل المريض الفقير، وان آخر ماكان يتقاضاه الدكتور (ابراهيم العاشقي) قبل استشهاده هو (2000) دينار فقط!! مع خلق رفيع وتواضع جم تجاه مرضاه ومراجعيه، لهذه الصفات ترشح هذا الطبيب الانسان ليكون ضمن دائرة العنف الاعمى، وامتدت اليه الايادي الاثمة لتتخطفه في احدى لحظات افتتاح عيادته في مدينة الصدر قطاع رقم(1)!! لتنهي بهذا الفعل الشنيع سيرة رجل حمل هموم الناس في تلك الرقعة البائسة من عراقنا الجريح، تاركاً آهات مرضاه والامهم ودموعهم وتراثاً جماً من الرحمة عليه، لذا اثر محبوه ان يقصدوا عيادته لقراءة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة.
اقول والحق اقول: وماقتلوك ياابراهيم فان طيبك واحسانك في الافاق ذائعان، والناس على فراقك لمحزنون، فاالسلام عليك يوم ولدت ويوم سقطت صريعاً ويوم تبعث حياً مطالباً بدمك وانصافك من هذه الظلامة.
الطبيب المهاجر
المثال الثاني: هو الدكتور(جمال مولود) الذي رفع لواء الاخلاق الى جانب مهنته الانسانية (الطب) حيث كانت عيادته في منطقة الحرية قريباً من العيادة الشعبية وهي منطقة مكتظة بالسكان، وهي البقعة ذاتها التي كان يبحث عنها لينشر فيها رسالته الانسانية، وهي خدمة الناس ابتغاء مرضاة الله تعالى، وكانت اول علامة لرسالته الانسانية هو مبلغ معاينة المرضى البالغ(500) دينار فقط، وعندما يتحسس الفقر وعدم القدرة على دفع ذلك المبلغ لدى مرضاه يتوسل اليهم بعدم اخذ مبلغ المعاينة، نتيجة لهذ السمو الاخلاقي في سلم الانسانية ترشح لخارطة الحقد الاسود وهدد بالقتل فاثر ان يحمل هموم مرضاه لينجو بنفسه ويعمر مملكة اخرى رأس مالها التعامل الانساني وتحسس الام الناس وسماع انينهم، النتيجة ان الطبيب لاذ بنفسه ونجا وظل المرضى والبؤساء لايقدرون على حمايته او الدفاع عنه.
الطبيبة الزاهدة
المثال الثالث: الدكتورة (هاجر القزويني) التي عاشت الام مرضاها من النساء ومن مختلف المحافظات العراقية. لقد كان تعاملها مع مريضاتها بشكل يذهل العقل ولايصدقه عاقل، بالنظر لما يجري في عيادات الاطباء من اقرانها، وقد قضت عمراً في اخذ مبلغ المعاينة الرمزي البالغ(250)ديناراً او كما يقولون: ربع دينار فقط وفقط، وان ذلك الربع لايغني ولايسمن وليس بذي قيمة حتى على الفقير المدقع، وان الربع المستحصل لايستقر بيدها وانما بيد مساعدتها، حتى اذا هلت فقيرة سائلة على عيادتها امرت (الطبيبة) مساعدتها باعطائها كل ما لديها من هذه الارباع المعدودة لديها لتدفعها الى تلك الفقيرة !! وقبل عامين انتقلت الى مكان آخر بسبب حريق التهم البناية التي فيها عيادتها، واصبحت تتقاضى (2000) دينار اجرة المعاينة، لاتماشياً مع ارتفاع الاسعار، وانما لتسديد مبلغ ايجار العيادة ومبلغ خط
المولدة!!.
فتأمل مثل هذه الروح الانسانية فاي رقي تطلب واي رقي قد بلغت واي سمو تطلب؟
ان هؤلاء الاطباء قد ارتقوا الى مرتبة القديسين والصالحين الذين يفهمون الانسانية بمعناها المطلق وبعدها الاوحد، وهو التفاني في خدمة الناس التي لاتقف عند حد، وهذه هي التجارة التي لاتبور، وهذه هي خلافة الانسان الحقة لله تعالى في المعمورة .
مناشدة
نناشد اطباءنا الاخرين ، ان تكون لهم هذه النماذج قدوة صالحة في العمل والتفاني..
ليس في سلوك الزهد والتعفف والتحسس الام الفقراء فقط بل الاهتمام بالنظافة والرعاية الصحية .. والاعتناء بغرف الانتظار وصالة العمليات الصغرى.
لان الانسان اولاً واخيراً هو اثمن رأسمال وطني في بلادنا.