طب الاطفال تداعيات الحروب وتلوث البيئة أهم الاسباب
بغداد - قاسم الحلفي
سجلت احصاءات المنظمات الصحية الدولية ارقاما خيالية للاطفال العراقيين الذين عصفت بهم الامراض والاوبئة في مراحل مختلفة من التاريخ لاسيما ابان الحروب التي خاضها النظام السابق والازمات التي عاشها البلد وفي مقدمتها فترة الحصار.
غير ان ما يثير الغرابة حقا ان سقوط هذا الكم من ضحايا الطفولة العراقية جرى في وقت كان بلدنا يتمتع بوجود اطباء على مستوى عال من الخبرة والكفاءة في اختصاص امراض الاطفال كان يستعين بهم ويفد الى عياداتهم حتى مرضى الدول المجاورة فهل تراها السياسات الصحية كانت وراء ذلك؟ ام ان الامر كان يتعلق بضعف اصاب اداء المؤسسة الصحية، ام انه ضعف الوعي لدى المواطن ام التلوث بسبب خزن المواد الكيمياوية والعمليات العسكرية؟ ثم اين يقف طب الاطفال اليوم بين انواع الطب الاخرى لاسيما انه علم يستقي منها مقوماته ويجد نفسه في مختلف العلوم الطبية.
بدأنا ملفنا بشأن طب الاطفال من خلال زيارتنا الى مستشفى الاطفال في الكاظمية وهو الاقدم في استقبال المرضى الاطفال وقال مديره د. مبين علي موسى مستهلا حديثه بعرض لتأريخه واقسامه والملاكات العاملة فيها.
افتتح هذا المستشفى على يد الملك فيصل الثاني عام 1948 وبداياته كانت اقرب الى المستوصف الصحي من اجل تقديم الخدمة الطبية للاطفال، وعبر تلك السنين حصلت عمليات تطويرية عليه، ولكننا سنركز على ما موجود حالياً، حيث يضم 150 سريراً، واضيف اليه اجنحة جديدة اهمها قسم الجراحة وهو تخصصي باجراء العمليات الجراحية المختلفة للاطفال من عمر 12 عاماً ولغاية عمر اليوم الواحد، ولدينا ثلاث صالات جراحية وخمسة اطباء مختصون في جراحة الاطفال ومجموع الاطباء لدينا يقدر باربعين طبيباً اغلبهم من اصحاب الخبرة ومضى على عملهم اكثر من 15 عاماً، وكان لمستشفانا الدور الفاعل في تحمل الضغط الذي ولدته عمليات الاعمار في مستشفى الطفل المركزي حيث كانت ترسل الينا الحالات التي تستوجب اجراء عملية جراحية، ومعدل العمليات الجراحية لدينا من 50 الى 75 عملية خلال الشهر الواحد وفي فترة التحويل من مستشفى الطفل المركزي وصلت حتى من 100 الى 120 عملية شهرياً، ولم يحصل لدينا أي توقف للعمليات الجراحية على الرغم من كل الظروف السابقة، بل افتتحنا اقسام الاشعة والسونار وتطوير قسم المختبرات والخدج وتعدى تقديم خدماتنا للرقعة الجغرافية فأصبحنا نستقبل حالات من الكرخ والرصافة بل والمحافظات، وقد سيطرنا على النقص في الادوية او خيوط الجراحة والتخدير أو الاوكسجين، لاسيما بعد منحنا صلاحية شراء الادوية والمستلزمات الطبية لذلك لم تسجل لدينا اية حالة نقص أو عدم استيعاب المرضى، وقد استحدثنا قسم العزل لتلافي انتشارحالات انفلونزا الطيور والكوليرا والسعال الديكي وفيه معدات متكاملة ومخزون من الادوية يسد الحاجة بالكامل. وحول حالات ضيق التنفس التي يعاني منها الكثير من الاطفال عند هبوب العواصف الترابية قال موسى: ان تلك الحالات علاجها بسيط يتمثل في اعطاء المريض مادة الاوكسجين والبخاخ الموسع للقصبات ولدينا ما يقرب من 220 قنينة اوكسجين وهي تسد الحاجة بشكل تام، وحتى لو حصل وضع طفلين على سرير واحد الا ان الغاية تقديم العلاج بسرعة للحالات الطارئة، اما بخصوص ضرورة بناء مستشفيات جديدة فهي مسألة مركزية متعلقة بقرارات الادارة العليا واطلاعها على اوضاع كل مستشفيات الاطفال في بغداد ومدى الحاجة لمستشفى جديدة أو تطوير الموجود مع الاخذ بنظر الاعتبار التوزيع السكاني لبغداد والمحافظات.
التشوه الخلقي اكثر الحالات
التقينا بعدها الدكتور مازن عزيز علي أختصاص أطفال وسألناه بشأن امراض الاطفال الشائعة حالياً وهل ازدادت نسبة الاصابة بالامراض بين الاطفال، وهل هناك حالات جديدة ظهرت حديثاً؟ فأجاب قائلاً:
من خلال خبرة 15 عاماً اعتقد ان امراض الاطفال هي نفسها التي درسناها وعالجناها مثل امراض الجهاز التنفسي والقلبية والباطنية والاسهال وغيرها من الامراض، الا انه في الاونة الاخيرة لاحظنا ازدياد نسبة الاصابة بالتشوهات الخلقية لدى الاطفال لاسيما الاطفال حديثو الولادة، وعن سبب تلك الاصابات قال علي: ان ما مر به العراق من حروب وخزن للاعتدة والمواد الكيمياوية والعمليات العسكرية كان له الاثر البالغ لانتشار تلك الحالات، واضاف ان العائلة العراقية بحاجة الى مزيد من الوعي الصحي لاسيما قد حل فصل الصيف وفيه من الحالات المرضية التي تصيب الاطفال الكثير بسبب تلوث المياه والاطعمة، ونحن افتتحنا شعبة تعزيز الصحة تحتوي على وسائل توضيحية وارشادات وتوصيات عبر شاشات وجهاز عرض يوضح للام امورا طبية كثيرة استفادت منها الامهات وتعممت الفائدة عن طريقهن لبقية الامهات . ونتمنى من وسائل الاعلام الاسهام قدر الامكان بتعميم تلك التعليمات والارشادات للمواطنين لتعميم الفائدة . وعما يمكن تقديمه للحوامل لوقايتهن من حالات الاجنة المشوهة قال الطبيب الاختصاص:نحن نعمل بما لدينا من خبرة واجهزة وعلاجات ونقدم لهن ما نستطيع، الا ان مشكلة حالات التشوه ولادية، واقل شيء يمكن ان يفعل هي الوقاية التي يجب اتباعها من العائلة لاسيما التي تسكن قرب مناطق ملوثة وما شاكل ذلك، ولدينا دراسة تؤكد ان فصل الصيف تكثر فيه امراض الاطفال بسبب ارتفاع نسبة تلوث الماء والطعام لاسيما مع اقتراب العطلة الصيفية، وبما اننا محددون باجراء العمليات لعمر 12 عاماً فما دون فلو تتبعنا مايجرى من عمليات في المستشفيات العامة لوجدتها اكثر من 650 عملية شهرياً وبينهم الكثير ممن اعمارهم 13 سنة واكثر، وآخر ردهة افتتحت لدينا هي ردهة معالجة الامراض الجلدية للاطفال، ونستطيع ان نعتبرها طفرة في طب الاطفال.
حالات خطرة ومعقدة
انتقلنا الى ردهة الطوارىء حيث حدثنا الدكتور "صلاح سلمان محمود" الاختصاص في جراحة الاطفال اذ قال: ان ردهة الطوارىء تتكون من قسمين يضم كل منهما ستة اسرة ونستقبل معدل حالات يومية تصل الى 15 حالة أي بمعدل 60 حالة شهرياً، ومنها حالات خطرة جداً ومعقدة نضطر فيها لاشراك ثلاثة اطباء اختصاص لاجرائها ، وحول كثرة ارسال الحالات الى الخارج لعلاجها، قال محمود: ان الاسباب السابقة من هجرة الاطباء والظرف الامني وعدم مباشرة العديد من الملاكات الطبية لاسباب شتى اضطرت بعض العوائل الى علاج مرضاها خارج العراق، برغم استمرارنا بالدوام واجراء العمليات الجراحية في مستشفانا، اما الان فالواقع تغير تماماً ولدينا ملاك متخصص واجهزة ومستلزمات طبية حديثة تساعدنا على تقديم كل الخدمات الطبية لاطفالنا الاعزاء، وقبل شهر قمنا باجراء عمليات تتطلب تداخلا جراحيا معقدا كانت ترسل للخارج سابقاً، واكثر ما نحتاجه هو تسليط الضوء من قبل وسائل الاعلام على التقدم والتطور في العمل الطبي لاسيما طب الاطفال في العراق، مع اشاعة الوعي الصحي لدى العوائل لتجنيب ابنائها مخاطر الاصابة بمختلف الامراض، ونحن من منبركم ندعو العوائل التي لديها اطفال من اعمار 12 سنة فما دون ويحتاجون الى عمليات جراحية لمراجعة مستشفانا قبل المغادرة الى الخارج، وسيجدون كل شيء بخدمتهم.
قصة الطفلة طفوف
لفت نظرنا في تلك الردهة الطفلة طفوف داود التي قدمت من محافظة ديالى وتسكن قضاء بعقوبة روت والدتها قصتها فقالت: قبل عام اصيبت ابنتي بانتفاخ في منطقة البطن، فراجعنا عدة اطباء هناك ولم يستطيعوا تشخيص حالتها في البدء وثم اكدوا ان الورم الذي في بطنها ناتج عن تلف الطحال ولابد من اجراء عملية لها، وبالفعل ذهبت بها الى مستشفى بعقوبة ودخلت صالة العمليات وبعد فتح بطنها تفاجأ الطبيب بانتشار الورم في بطنها وعدم ظهور مكان محدد لها فقرر على الفور خياطة الجرح وارسالها الى مستشفى الاطفال في الكاظمية، فقدمنا الى هنا جالبين معنا كل التقارير والفحوصات وتقرير الطبيب الذي حاول استئصال الورم اولا وعلى الفور ادخلت الى ردهة الطوارىء واجريت لها الفحوصات الطبية والاشعة والتحاليل فقرر الاطباء اجراء العملية ورفع الطحال، وهي الان باحسن حال، هنا عقب الدكتور صلاح الذي اجرى العملية بالقول: وردت الينا حالة الطفلة طفوف البالغة من العمر 9 سنوات بتاريخ 9 - 5 - 2009 حيث اخضعت الى عملية فتح بطن استكشافية في احد مستشفيات ديالى تم خلالها تشخيص ورم كبير في التجويف البطني وبعد اجراء فحص الرنين المغناطيسي لها تبين اصابتها بورم كيسي كبير شغل التجويف البطني ابتداء من الحجاب الحاجز الى داخل الحوض لاسيما الجانب الايسر من البطن وبحجم 21 سم وعرض 13 سم، وشكلنا في حينها لجنة من الجراحين الاختصاصيين في مستشفانا ضمت الدكتور حبيب الربيعي والدكتور ضياء المرسومي وقاسم فارس الطبيب الجراح وصلاح سلمان الجراح مع اختصاصي التخديرالدكتور محمد ناصر وتم استئصال الورم بالكامل، حيث تبين ان سببه هو تحول الطحال الى كيس بهذا الحجم، وتعد الاصابة بهكذا مرض من الحالات النادرة التي ترد الى المستشفيات باقسامها الجراحية علما ان الطفلة مصابة بمرض فقر الدم الوراثي (ثلاسيميا) هو ما سبب اصابتها وكنتيجة لمرضها الدموي بحصى المرارة المتعدد مما استوجب استئصال المرارة وتكللت العملية بنجاح باهر. ان حالة الطفلة طفوف معقدة جداً فالورم انتشر من الحجاب الحاجز الى الرئتين واسفل البطن ووزنه قارب 5 كيلوغرامات واشترك أربعة أختصاصيين في اجراء العملية التي استمرت قرابة اربع ساعات متواصلة استطعنا رفع الورم بالكامل وهي امامكم الان تتمتع بصحة جيدة، وهذه العملية واحدة من عدة عمليات تجرى شهرياً في مستشفانا بجهود كوادر طبية عراقية خالصة وادوية ومستلزمات من احسن المناشىء ووفق المواصفات العالمية، وهو ما يشكل نجاحاً باهراً بكل المقاييس.
امراض الخدج
الدكتور الاختصاصي مازن عزيز الذي يعمل في قسم الاطفال الخدم قال:
لدينا خمس صالات للخدج تضم الواحدة منها اربع حاضنات أي ما معدله 20 حاضنة واغلب الحالات المرضية التي تستقبلها تلك الردهات هي حالات اليرقان وعسر التنفس وتسمم الدم الجرثومي، ويقدم الملاك الطبي خدمات كبيرة للاطفال الخدج تبدأ من تشخيص الطبيب الاستشاري للحالة وكذلك توفير كل الادوية التي يحتاجها الطفل المريض من مضادات حيوية ومغذيات وكل حالة حسب احتياجهاوتشخيصها من قبل الطبيب المختص، وتختلف مدة مكوث الطفل من يوم واحد الى شهر حسب ما يحتاجه من عناية ورعاية.
امراض الاطفال كثيرا ما تتداخل مع الاختصاصات الطبية الاخرى كالباطنية والقلبية وكما يقول الطبيب"خالد خليل باقر" اختصاص امراض الاطفال ان تغير المناخ من فصل الشتاء الى الصيف يزيد من الامراض التي تصيب الاطفال واغلبها حالات الاسهال والباطنية، وسياق عملنا يتضمن مرور المريض على الاستشارية وفيها يقرر الطبيب اعطاءه العلاج او ادخاله المستشفى وبعد وزن الطفل يحول الى ردهتنا ونتخذ الاجراءات الاخرى المتعلقة بعلاجه، ونستقبل ما بين 50 الى 100 حالة يومياً لمختلف الاعمار والحالات وتعطى لهم العلاجات المناسبة ولدينا خزين من الادوية جيد جدا فالادوية الاساسية متوفرة بالكامل والبعض الاخر قد يكون بنسبة 80 % وهو يفي بالغرض والملاك الطبي متكامل ولا نحتاج الا الى توعية العوائل لابعاد اطفالهن عن مصدر الاصابة بمختلف الامراض لاسيما الانتقالية كالحصبة والكوليرا والسعال الديكي وانفلونزا الطيور وعلى العوائل ابعاد الاطفال المصابين عن اقرانهم بسرعة خشية اصابتهم.
آخر محطة الدواء
الصيدلاني "عباس صاحب سعيد" اوجز العمل بقوله: الدواء يجب ان لايصرف الا بوصفة طبية لاسيما للاطفال وعلى العوائل زرع ثقافة التعامل مع الدواء بايجابية بين اطفالهم وتحذيرهم من مخاطره وعدم ارساله الى الصيدليات الاهلية لجلب الادوية وكثيراً ما وقع خطأ غير مقصود خلف اذىً كبيرا، ونحن هنا في المستشفى نعتمد اعتماداً كلياً على مخازن المؤسسة العامة لتسويق الادوية والمستلزمات الطبية وهي بدورها تستورد الدواء من مناشىء عالمية وتجرى عليه عمليات الفحص والتدقيق على شهادات الاستيراد والمنشأ، ولدينا صلاحية شراء الدواء اذا لم يتوفر لدى المخازن ونعتمد الضوابط الاصولية في الاستيراد ونحيلها الى لجان تقوم بفحص العينات ومطابقتها مع شهادة الاستيراد والجودة وفترة النفاذ، ولدينا من الدواء ما يسد حاجة المستشفى بنسبة 90 % ولدينا تنسيق تام مع دائرة صحة الكرخ والوزارة لتأمين الدواء باوقات مناسبة.