This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

متخصصون يدعون إلى تبني خطة عاجلة لمكافحة التصحر والزراعة تقول إن حلها يستغرق عشرة أعوام
06/07/2009

العراق: 90 بالمائة من أراضي البلاد مهددة بالتصحر ومتخصصون يدعون إلى اتخاذ معالجات فورية

الزراعة: إزالة النباتات الطبيعية والرعي الجائر وراء تفاقم العواصف الترابية
بغداد ـ مصطفى مجيد- الصباح
ازدادت حدة العواصف الترابية التي تضرب معظم مناطق البلاد بعد أحداث العام 2003 بشكل لافت، وباتت اليوم ظاهرة ملازمة لحياة المواطن، اذ أثر تفاقم هذه الظاهرة بشكل سلبي في حياة المواطنين وارزاقهم، وتراجعت اثرها معدلات البيع والشراء والتعاملات التجارية بشكل ملحوظ منذ بدء الصيف.

وبحسب خبراء فان مشكلة التصحر التي تعرض لها العراق في الآونة الاخيرة أصابت أكثر من 90 بالمائة من مساحته بدرجات متفاوتة، لأسباب عدة اهمها الممارسات الخاطئة للإنسان التي أسهمت بتدهور الغطاء النباتي للمراعي الطبيعية، اضافة الى الرعي الجائر والزراعة الهامشية في اراض غير مضمونة الامطار، وهو ما ادى الى تكوين الكثبان الرملية المتحركة وظهورها في مناطق لم تكن موجودة من قبل، والتي أدت بمجموعها الى زيادة العواصف الترابية التي تجتاح بغداد وبقية المدن خلال أشهر الصيف.
وتوقع مدير الهيئة العامة لمكافحة التصحر في وزارة الزراعة الدكتور فاضل الفراجي استمرار العواصف الترابية طيلة أشهر الصيف، والذي عزاه الى قيام البدو بإزالة النبات الطبيعي من الأراضي وزراعتها بمحاصيل الحبوب بشكل عشوائي وغير مدروس، لافتا الى ان حركة الآليات العسكرية فوق الاراضي الصحراوية منذ عام 1991 تسببت هي الاخرى بإزالة الطبقة السطحية الصلبة التي استغرقت عقودا طويلة لتتصلب وبالتالي انتقالها عن طريق الرياح وتعرضها الى ما أسماه بـ"التعرية الريحية"، فضلا عن ما تلا ذلك من إزالة الاشجار في الاحزمة الخضر حول أغلب المدن وخاصة بغداد.
الدكتور الفراجي بين لـ"الصباح" أن المشكلة أزدادت "مأساوية" عقب عام 2003  عندما أزيلت الاشجار والنبات الطبيعي بشكل كامل من جميع أنحاء البلاد لأغراض التدفئة أو لأسباب أمنية أو حتى لصناعة الاثاث غير المتقن، فضلا عن قيام البدو بزراعة المناطق الصحراوية بمحاصيل الحبوب بعد إزالة نبتها الطبيعي وحراثتها، لافتا الى أن الجفاف الذي يضرب البلاد للعام الخامس على التوالي أسهم بزيادة حدة المشكلة متمثلة بارتفاع حدة ومدة العواصف الترابية للعام الحالي، والتي توقع استمرارها طوال أشهر الصيف. ورأى مدير الهيئة العامة لمكافحة التصحر ان الحل يكمن في تدخل الدولة الفوري وعلى أعلى المستويات لإيقاف حركة العجلات الثقيلة فوق الاراضي الصحراوية واعتماد الطرق المعتمدة فقط للسير فيها، فضلا عن فرض عقوبات رادعة ضد من يمارس الحراثة والزراعة في تلك الاراضي، كاشفا أن خطط المعالجة الجذرية الواجب القيام بها قد تستمر لعشرة أعوام قبل ان تؤتي ثمارها المنظورة لتقل او تتراجع حدة العواصف الترابية في عموم محافظات البلاد، منوها بأن التخصيصات السنوية للهيئة من وزارة الزراعة لا تكفي للحد من هذه الظاهرة التي وصفها بـ"الخطيرة" التي ازدادت وتيرتها بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية وتهدد بتحويل ملايين الدونمات الزراعية الخصبة في وسط البلاد وجنوبها الى جزء من الصحراء. كما أثرت العواصف الترابية بشكل سلبي في حياة المواطنين وارزاقهم حيث تراجعت معدلات البيع والشراء والتعاملات التجارية بشكل ملحوظ منذ بدء الصيف بحسب مواطنين وتجار التقتهم "الصباح"، موضحين ان قلة المواطنين المتبضعين في مناطق بغداد اثرت بشكل سلبي في حجم مبيعاتهم والحقت بالتالي خسائر توقعوا ان تستمر باستمرار العواصف الترابية. المواطن حسين عبد الامير صاحب محل لبيع الملابس في منطقة الكرادة، اشار الى تراجع ملحوظ في حركة البيع ناتج عن انخفاض عدد الزبائن بشكل عام ليس في الكرادة فحسب وانما لبقية مناطق بغداد، والذي عزاه الى العواصف الترابية التي ازدادت وتيرتها خلال العامين الماضيين، فضلا عن ما تسببه الاتربة من اتساخ للملابس وما يصاحب ذلك من خسائر يدفعها صاحب المحل اولا واخيرا. فيما قال الحاج ابو حيدر صاحب احد المطاعم في منطقة الجادرية ان استمرار العواصف الترابية بات يهدد عمله بالتصفية كون المطعم عبارة عن حدائق تظللها اشجار النخيل، وبالتالي فان جميع الرواد يرفضون الجلوس ليأكلوا طعاما "معبقا بالاتربة"!!، فيما لفت المواطن خالد حمد صاحب معرض لبيع السيارات في منطقة الجهاد الى ان استمرار العواصف الترابية وبالتالي تكدسها  على السيارات المعروضة يحمله مصاريف اضافية باتت تثقل كاهله لابقائها نظيفة على الدوام. وكانت وزارة الزراعة قد رفعت مقترحا الى لجنة المبادرة الزراعية في مجلس الوزراء لتخصيص 35 مليون دولار لتنفيذ برامج مكافحة التصحر، والتي اكد  عضو اللجنة العليا للمبادرة الدكتورعبد الحسين الحكيم في تصريح لـ"الصباح" أنها ستتضمن شراء آليات ومعدات ثقيلة وسيارات تخصصية تسهم في دعم أعمال الهيئة العامة لمكافحة التصحر التابعة للوزارة، مستدركا ان تخصيصات مشروع معالجة التصحر غير كافية حاليا لاتمام برامجها على الوجه الأكمل، لافتا الى أن ما تتم معالجته سنويا ضمن تخصيصات الهيئة السنوية لا يعالج مشكلة التصحر المتفاقمة بسبب أن ما يضاف سنويا من أراض رملية أكثر مما تتم معالجته.
وكشف تعرض اكثر من أربعة ملايين دونم الى التصحر في جنوبي البلاد ووسطها، منوها بأن الزراعة نفذت برامج ناجحة للغاية في هذا الصدد متمثلة بانشاء واحات صحراوية التي وصلت أعدادها الى 50 بمساحات 200 الى 800 دونم تروى أشجارها بالتنقيط، داعيا لتبني تجارب ناجحة لدول مثل الجزائر التي قال انها استطاعت ايقاف زحف الكثبان الرملية الى أراضيها الزراعية بشكل نهائي خلال سنوات معدودة. من جانبها كشفت وزارة الموارد المائية ان انخفاض معدلات سقوط الامطار في الآونة الاخيرة والنقص الشديد في واردات نهري دجلة والفرات اضافة الى التغيرات المناخية وما رافقهما من ارتفاع درجات الحرارة، أدت الى زيادة مظاهر التصحر في البلاد، على وفق ما صرح به وزير الموارد الدكتور عبد اللطيف رشيد، منوها بأن اجهزة الوزارة تعمل جاهدة لتقليل ظاهرة التصحر من خلال استعمال تقنيات "حصاد المياه" وحفر الابار وخصوصاً في مناطق الصحراء، علاوة على استمرارها بأعمال التشجير في مواقع السدود والسدات بمحافظات البلاد كافة لزراعة الاشجار المثمرة. يذكر أن 100 بلد في العالم تتأثر بالتصحر بسبب ارغام قاطني الاراضي الزراعية على ترك أراضيهم واللجوء الى المدن، وتقدر احصائيات الامم المتحدة أعدادهم بمليار نسمة وهو ما يشكل نسبة سدس سكان العالم، حيث يفقد العالم 691 كيلومترا مربعا من الاراضي الزراعية كل عام نتيجة استفحال مشكلة التصحر في العالم.
الاشجار ضمن الاحزمة الخضر التي كانت يوما تحيط بمداخل المدن او بمناطق الغابات التابعة للشركة العامة للبستنة والغابات في وزارة الزراعة، والتي تغطي مساحة تتجاوز 60 ألف دونم، تم التجاوز عليها بشكل دائم، دون اي تحرك من جانب الجهات ذات العلاقة في مجالس المحافظات التي غالبا ما تلقي باللائمة على وزارة الزراعة لتقاعسها عن ايقاف عمليات تجريد الغابات والاحزمة الخضر التي يتم تحويلها الى "فحم" يباع الى دول الجوار، من خلال معامل اهلية غير قانونية تقيمها "موقعيا" في مناطق الغابات لترحل الى منطقة جديدة بعد ازالة اشجارها تماما. كما تصاعدت عمليات "تجريف" البساتين المقامة ضمن مراكز محافظات بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الاشرف التي كانت تسهم بتقليل اثار العواصف الترابية داخلها، بغية تحويلها الى عمارات وابنية سكنية، برغم انها خاضعة لقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 154 لسنة 2001 والذي يمنع تحويل الاراضي الزراعية الى سكنية الا بقرار صادر من لجنة مختصة توصي بعدم صلاحية الارض للاستزراع، بيد ان عمليات تحويل الاراضي الزراعية الى سكنية استفحل خلال المدة الماضية بسبب الحاجة المتزايدة للاراضي السكنية لاقامة المباني السكنية والتجارية وبخاصة الفنادق بمحافظتي كربلاء المقدسة والنجف الاشرف اللتين شهدتا حركة اقتصادية وعمرانية واسعة منذ عام 2003 وحتى الان، في مقابل ما أسهمت به من ارتفاع هبوب العواصف الترابية.