This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

الغبار ضيف بغداد الثقيل
08/07/2009

 

بغداد - علي السومري- الصباح
(لم تكن بغداد مغبرة هكذا قبل نصف قرن، كلمات صاحبت دخان سيجارة نفثه الحاج صمد سوادي (73 عاماً) من صدره، مضيفا ً : (نعم ياولدي عاصمتنا ما كانت مثل ما تبدو عليه الآن أرملة شابة لفت بالسواد مخنوقة بالأتربة، بعد ان كانت عروسا ً للشرق في خمسينيات القرن المنصرم).
صورة العاصمة المرسومة تلك قد تبدو غريبة ً على من عاش فيها زمن الحروب ودخانها أو رأى تصحر تربتها عند حصارها المزدوج من داخل وخارج الوطن في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، و قدأكد لناعدد من العراقيين تلك المعلومة، الذين وأن تباينت اراؤهم عن مسببات ذلك التغيير، لكنهم في النهاية اتفقوا على إن خطة شاملة ومدروسة وفق برناج عمل متكامل كفيلة باستعادة وجه العاصمة المشرق من جديد.
  عوامل أخرى بحسب المختصين ساهمت في التغيير المناخي الحاصل في العالم عموما ً والعراق خصوصا ً بينها ظاهرة الاحتباس الحراري التي استطاعت أن تكون وليمة مهمة لتقاريرعالمية تناولت تأثيرها في السياسة الداخلية والخارجية للدول، وهو ما لابد لحكومتنا أن تدرسه للحؤول دون انعكاساتها السلبية على قطاعات مهمة بينها الصحة والزراعة والبيئة، بعد أن تأثرت جميعها بهذه الأزمات التي أوصلت العراق في نهاية المطاف لأن تكون أرضه الزراعية بورا ً ومعرضة للقحط والجفاف ونهراه العظيمان مقبرة لمياه الصرف الصحي، وما أنتشار الأمراض كالكوليرا إلا خير دليل على ما يقوله المواطنون.
أنغام السعال
للخراب الذي طال العاصمة منذ عقود ومازال أوجه عدة لا يسعنا ذكرها الآن، مثل واقعها الخدمي والصحي، آثرنا هنا ان نتحدث عن وجهها الظاهر للعيان مع أبنائها، وبالتحديد عن ظاهرة هبوب العواصف الترابية المستمرة فيها التي شكلت لقاطنيها همّـا ً حقيقيا ً باتوا يتحايلون عليه بطرق شتى للخلاص منه، طعمة ناصر الموسوي يقول عنها :( تعودنا عليها وصرنا ما أن نرى السماء خالية من الغبار حتى نشعر بعدم الطمأنينة الناتجة من خوفنا بأن عاصفة جديدة تتربص بنا وبأطفالنا الذين أنهكت الأتربة صدورهم وأصبح السعال نغمتهم التي تنبهنا لضرورة إيجاد الحلول لها).
(الموسوي) يحلم كغيره من العراقيين بجو خال من الغبار وبيئة نظيفة تساعد على نشأة صحية لأطفاله الصغار.
هجرة الأتربة
تقارير محلية وعالمية بيـّنت إن العراق ومنذ غزوه للكويت وعملية تحريرها التي استخدمت فيها أنواع الأسلحة أضحى مكاناً ملوثا ً، كما استطاعت البرامج والأنشطة الكيميائية الممارسة من قبل النظام المباد في نهاية المطاف أن تلوث بيئته ومناخه، حيث غزت الصحراء مجمل أرضه واقتلعت الصواريخ الملايين من نخيله وجفت على إثرها معظم أنهاره الصغيرة وسواقيه مادفع بأغلب الفلاحين الى ترك أراضيهم والتوجه الى المدينة، ليتحول بعدها البستان والحقل الى أرض لا تنتج سوى الغبار الذي لحق بالمزارعين الى المدينة أيضا ً، وهو ما أوضحه جاسم صحن أحد النازحين من منطقة الأهوار في جنوب العراق بعد تجفيفها من قبل النظام المباد، حيث قال: (كل شيء تغير بعد ان أقدم الطاغية على تجفيف موطننا (الأهوار)، إذ بدأت العواصف الترابية تظهر لأول مرة في هذه المناطق منذ آلاف السنين وذلك لموقعها الجغرافي، لكونها أرضا ً مغطاة بالماء منذ القدم وموزعة على مساحة شاسعة)، مبينا ً إن لحظة التجفيف تلك هي اللحظة التي تغير بها مناخ العراق الى مناخ قاري حار وجاف دوما ً لا تتجاوز فيه ايام الشتاء الحقيقية أصابع اليدين.
أفرزت الانتهاكات التي تعرضت لها الأمة العراقية طوال سني حكم الديكتاتورية أمراضا ً اجتماعية كثيرة وصارت مسألة البقاء على قيد الحياة هما ً يؤرق افرادها حتى لو على حساب قضايا اخرى وهو ما أكده أطباء نفس عراقيون أوضحوا لنا إن من تلك الأمراض، الشعور باللاانتماء للوطن، عادّينه بالقضية الخطيرة التي تفاقمت لتنتج سلوكيات مرفوضة غذتها الحاجة، بينها عمليات التجاوز السافر على ممتلكات الوطن باعتبارها ملكا ً لحاكم ظالم، تضخمت في النهاية لتصل الى مستويات كارثية تمثلت في نهاية المطاف على شكل عمليات نهب وسلب بعد سقوط الصنم 2003، الشعور باللانتماء جعلهم يتناسون حريتهم المستعادة، لتنقلب أفعالهم بعد فترة الى وبال طال بنى البلد التحتية .
السلوكيات التي أشر لها أطباء النفس ظهرت أول الأمر بعد غزو الكويت وعملية تحريرها فالحصار الأقتصادي على العراق الذي كان منهكا ً بسبب الحروب المتلاحقة.
النخلة / العارضة
الحاجة للطاقة البديلة بعد شحة النفط والغازآنذاك، دفعت العراقيين الى قطع أشجار وطنهم والاستفادة منها في أعمال الطهو والتدفئة، ياسرعمارة الرويجحاوي موظف في أحد المجالس البلدية في بغداد أوضح: إن نهب الأشجار كان الحلقة الأولى لمسلسل من التجاوزات غذاها النظام المباد على كل الأحزمة الخضراء التي تحيط سواء ببغداد أو باقي محافظات العراق محولة ً إياه الى أرض بور ومقبرة للأشجار وخصوصا ً تلك التي لا تعيش بعد قطعها مثل النخيل، ليؤدي بعدها دورالمتراس او المصد أو العارض لقطع الشوارع. مبديا ً امتعاضه لما يراه من قتل متعمد يطول النخيل.
وعن المشاريع التي تقيمها المجالس البلدية أومجلس محافظات بغداد قال (الرويجحاوي) : (هناك العديد من المشاريع التي تقوم بها الجهات المختصة بشأن اعادة التشجير وهندسة الحدائق على مساحات كبيرة ومتفرقة في بغداد، لكن ما يعيب هذه المشاريع هو افتقارها الى التقنيات الحديثة التي تساهم في ديمومتها).
ما أثارنا في اجراء تحقيقنا هذا هو تلك الظاهرة الجديدة (انتشار الأتربة) في العراق عموما ً حتى اضحت موضوعاً يثير القلق لدى المسؤولين والمواطنين، وأصبح بامكان اية عاصفة تحدث في البلدان المجاورة الوصول الى قلب العاصمة بغداد وخلق جو من الذعر والقلق لدى الناس وبالأخص مرضى الجهاز التنفسي، أحمد حسن بائع عطور وبخور في تقاطعات الشوارع يقول عن هذه العواصف: (كلما حدثت عاصفة ترابية أضطر الى استبدال بضاعتي البخور بالـ(كمامات) التي تستخدم للوقاية من الغبار، وبالرغم من حصولي على مبلغ جيد عند العواصف إلا أنني اشعر بالألم كلما رأيت طفلا ً أو عجوزا ً او شيخا ً لا يقوى على التنفس).
قاطع الأشجار
وأنت تتجول في بعض شوارع العاصمة بغداد الرئيسة تصدمك القطع واللافتات المنتشرة في بعض المشاتل، وقد كتب عليها (مستعدون لقطع الأشجار بجميع الأحجام)، جملة مستفزة تربك متلقيها وتشوش منظومته الفكرية، طارحة ً أسئلة عديدة بينها، هل نمتلك في عراقنا غابات شاسعة ليتم الاعلان عن امكانية قطع اشجارها؟ وهل إن كنا فعلا ً نمتلك مثل هذه الغابات، أنستطيع قطعها متى ما شئنا؟
اسئلة توجهنا بها الى أصحاب المشاتل الذين بيـّنوا من خلال حديثهم إن لافتاتهم المعروضة ليس لها علاقة بما يجري من تجاوزات على الأشجار والنخيل في الشوارع العامة، وإنهم يقومون بقطع الأشجار العائدة للمواطنين بعد أن يقرر أصحابها التخلص منها وشغل مكانها حسب الحاجة، خالد فليح حسن عامل في مشتل الصباح ببغداد يقول : (يأتي الناس لنا من أجل قطع أشجارهم ولا نتفق إلا بعد معاينة طول وحجم الأشجار، التي يستغل مكانها لبناء البيوت أو المحال التجارية)، مضيفا ً : بانهم يقومون بعدها ببيع خشبها الى مطاعم شواء السمك أو الدجاج بمبلغ (14) ألفا ً لكل (50) خمسين كيلو غراماً.
(حسن) أكد إنهم لا يستطيعون أن يتجاوزوا على الأشجار العامة لأنها تعرضهم للمساءلة القانونية بحسب قرارات صدرت من مجلس محافظة بغداد، مضيفا ً ان منطقة الضلوعية تجهز أماكن عديدة بالاشجار المقطوعة بينها الكاظمية والصالحية لاستخدامها في أعمال النجارة.
زراعة الملح
حيدر علي (قاطع اشجار) في مشتل حجي علي أوضح في حديثه أن أصحاب الدور غالبا ً ما يأتون في طلبهم لقطع أشجار الحديقة التي تعترض بناء غرف جديدة أو تشييد المشتملات التي حلت وبسبب غلاء أسعار العقارات بدلا ً عن الحدائق في البيوت، يتقاضون عليها اجورا ًتتراوح مابين (50 -75) ألف دينار للشجرة الواحدة، مبينا ً إنهم غالبا ً ما يقومون بأعمال لصالح أمانة بغداد لا تتعدى عمليات التقليم للأشجار في الشوارع العامة والجزرات الوسطية، وعزا (علي) استمرارالعواصف الترابية في العراق الى عمليات قطع الأشجار في الأماكن العامة والبيوت، وانخفاض عمليات التشجير فيه منذ عقود.
(علي) أعرب عن خشيته من استمرار اعطاء مقاولات تشييد الحدائق الى تجار لا يفقهون من طرق الزراعة شيئا ً، وهو ما سيؤدي بحسبه الى زيادة نسبة التلوث والعواصف الترابية في العراق بعد أن تفسد التربة المزروعة من قبل (تجار الجزرات الوسطية والمتنزهات) بفعل الأملاح المتصاعدة من التربة غير الصالحة للزراعة والتي لم يفصل بينها وبين طبقة (الزميج) التي تنثر فوقها أية طبقة من البلاستك العازل (النايلون) لتفادي تلك الأملاح .
خضرة موسمية
أما حيدر زهير زيدان صاحب مشتل البركة فقال : (نحن نشعر بالسعادة كلما باشرت الأمانة بزراعة شجرة أو زراعة مساحات جديدة بالثيّـل في المتنزهات والتي أصبحت قبلة للعوائل العراقية)، وتابع (يعرض علينا أحيانا ً بعض المواطنين، قطع بعض الأشجار التي تعترض مشاريعهم في الأماكن العامة، لكننا نرفضها لكون ان هذه الأشجار هي ملكية عامة وليست شخصية اضافة الى أن مثل هكذا مشاريع تكون غير حاصلة على رخصها القانونية)، مطالبا ً أمانة بغداد ومجلس محافظة بغداد متمثلا ً بمجالسه البلدية مراقبة ما يحدث في الشارع من انتهاكات على الحدائق والمتنزهات، معربا ً عن أسفه لما يقوم به بعض المقاولين المتخصصين باقامة الحدائق والمتنزهات، وذلك لما يمارسون من أخطاء زراعية، مشيرا ً الى إن كل ما تمت زراعته في تلك المشاريع من أشجار هي موسمية لا تخضر بعد موتها وليست دائمية بينها (جعفري وقديفة وعين البزون وعرف الديك) وذلك لرخصها في السوق ولا تكلف المقاولين المال الكثير، أما الأزهار فهي أنواع موسمية أيضا ً لا يتعدى سعر الواحدة منها الألف دينار فقط بينما تقدر كلفة المشاريع بعشرات ملايين الدنانير.
(زيدان) بيـّن ان ما يزرع من أزهار يجب أن يكون دائميا ً مثل (الجربرة والرازقي والبلكون والجرونية والفيكس) على شكل تصاميم تلائم موقعها، موضحا ً إن لا علاج لمشكلة العواصف الترابية إلا في زراعة الأراضي المخصصة .
في حين قال آخر بان عودة ماء الاهوار بمستوياته قبل التجفيف وزراعة الأحزمة الخضراء حول العاصمة وتنشيط عمليات زراعة الاراضي الزراعية كالشلب لكفيلة بطرد العواصف خارج الوطن .
أحد سكنة منطقة جسر ديالى ذكر لنا إن العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات التحالف لها الدور الأكبر في اقتلاع الأشجار مستشهدا ً بما حدث للاشجار التي كانت تحيط بجسر ديالى وصولا الى كلية الشرط في الرستمية والمشغولة الان من قبل هذه القوات، حيث تم اقتلاع كل الأشجار بحجة مراقبة وتأمين المنطقة من هجمات المسلحين.
غبار كالمطر
أصبحت مشكلة التصحر من القوة بحيث استطاعت فرض وجودها حتى على اجتماعات الحكومة، وقد أوعز رئيس الوزراء نوري المالكي باصدار أوامر تقضي بمعالجته وضرورة التنسيق بين الوزارات لاعادة زراعة الأراضي المستصلحة والتي ستسهم بشكل فاعل بالقضاء على ظاهرة العواصف الترابية التي اجتاحت البلد.
صادق سرحان مهندس زراعي قال: ان لا سبيل لحل هذه المشكلة إلا من خلال نظم حديثة في الزراعة والري تضمن تدفق المياه للأراضي المزروعة ضمن برنامج وطني للقضاء على مناطق الصحراء، اضافة الى تحديد أماكن خاصة لرعي الحيوانات لما لها من تأثير مدمر على الأرض لا يقل عن شحة المياه .