كاظم الحسن- الصباح
موضوعة حقوق الانسان في العراق تأخذ ابعادا كثيرة منها ما قبل التغيير وبعده ومع كثرة الملفات وتشابكها، الا ان الاستطلاع الذي قامت به جريدة الصباح، يسلط الضوء على وزارة حقوق الانسان ومدى قدرتها في الحد من انتهاكات حقوق الانسان، وكذلك على حياة المواطن في العراق وسط مخاطر وتهديدات الحروب والارهاب وكيفية الحفاظ على حقوقه لاسيما اذا كان لا يعي حقوقه، فهل يستطيع الدفاع عنها؟
واذا كان ثمة تعارض ما بين المعايير الدولية والوطنية لحقوق الانسان فايهما له الاولوية في ذلك؟ هذه الاسئلة وسواها كانت مدار نقاش وبحث مع بعض الباحثين والاعلاميين، الذين اتفقوا على اهمية ثقافة حقوق الانسان، اذ انها تشكل الحجر الاساس للديمقراطية والحرية ولا يمكن للشعوب النهوض والتطور ما لم تصان كرامة وحقوق وحرية الفرد، الا انهم اختلفوا بشان وزارة حقوق الانسان، اذ عد بعضهم، ان دورها اشبه بالخصم والحكم وكذلك رأى البعض الاخر ان معايير حقوق الانسان.. هي الاساس في صياغة المعايير الوطنية.
تمكين المواطن من حقوقه
يقول كامل مدحت نصيف المجلس العراقي للسلم والتضامن: ان وجود وزارة حقوق الانسان في التشكيلة الحكومية يساهم في الحد من انتهاكات حقوق الانسان بشكل محدود جدا. لاسباب عدة، حيث انها جزء من السلطة التنفيذية، ومع عدم توفر الامكانات الفنية وغياب عناصر التدريب والتأهيل فضلا عن ندرة الكوادر العاملة في ومجالات المراقبة ورصد الانتهاكات.
ومن المهم تمكين ومعرفة المواطن لحقوقه وذلك سوف يؤدي الى تعزيز قدراته لمواجهة مخلفات ونتائج الحروب وتحديات الارهاب.
ويشاركه في الراي، الكاتب كاظم الواسطي، حيث يرى ان وزارة حقوق الانسان تشكيلة ظاهرية لا يمكنها الحد من الانتهاكات واخرى بسبب وضعها الرسمي.
الا انه يشدد على اهمية منظمات المجتمع المدني ودورها في خلق التوازنات الايجابية، وتفعيل البرامج الخاصة بحقوق الانسان، وفي اطار العمل المدني، يصبح من الضروري ممارسة الافراد لحقوقهم رغم كل المعوقات والصعاب..
الحروب وحقوق الانسان
يذهب الكاتب، ثامر الهيمص، الى ان الحفاظ على حقوق الانسان ولو بحدها الادنى في الظروف الاستثنائية غير ممكن وخصوصا في الحروب، لان الحرب لايحدها شيء، كونها بحد ذلاتها انتهاكا لكل شيء بما فيه المقدس.
ويعتقد ان وزارة حقوق الانسان، لا تستطيع الحد من انتهاكات حقوق الانسان، وذلك لما يتسم به الجهاز التنفيذي من بيروقراطية وفساد، اضافة الى مفاهيم السلطة الابوية والاستبداد التي ما زالت فاعلة، ولكنها يمكن ان تقدم شيئا اذا قامت بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني الحقيقية ذات الانتشار الافقي.
فيما يرى ايفان كريم منظمة تموز للتنمية الاجتماعية، ان التشريعات القانونية هي الضمان الحقيقي لحقوق الانسان والتخلص من القوانين المجحفة، وتشريع القوانين ضمن المعايير الدولية والتزام الجهات التنفيذية لهذه التشريعات واحترام المواطن العراقي وخصوصيته وحريته وتعزيز مبدأ المواطنة.
انقاض الحروب
يشكك الاعلامي علي القيسي، بدور وزارة حقوق الانسان/ في الحفاظ على حقوق الانسان او منع الانتهاكات والتجاوزات عليه، ويتساءل عن اداء الوزارة بعد (2003) ومبررات وجودها من خلال ما قدمته من نشاط.
واشار الى اقتصار نشاطها على اكتشاف المقابر الجماعية التي خلفها النظام السابق او تسجيل اسماء المفقودين في الحروب السابقة واللاحقة التي صنعتها الاحتدامات الطائفية الماضية.. ويتساءل هل قدمت الوزارة حراكا ثقافيا من اجل تعزيز ثقافة حقوق الانسان، سواء بين صفوف افراد القوات المسلحة او بين افراد المجتمع.
يقر الكاتب عبود محمد، باهمية وجود وزارة حقوق الانسان في التشكيلة الحكومية ويعده تطورا لافتا للنظر في المنطقة، حيث ان ذلك يؤشر الاهتمام النوعي للسلطة التنفيذية لهذا الملف الحيوي والخطير، لاسيما ان ثقافة حقوق الانسان تمثل الحجر الاساس للديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة قد تكون الوزارة متعثرة ومربكة بعض الشيء في السنوات الاولى ولكنها مع مرور الوقت تتجاوز وتتخطى العقبات التي تعترض طريقها لاسيما ان البلد خرج من انقاض الحروب، ليدخل في نفق الارهاب والصراعات الدولية والتي جعلت الفرد العراقي مادة الموت في مشاريعها الظلامية.
الوعي بالحرية
يقول الاعلامي، محسن جاسم، ان وعي المواطن لحقوقه، هو مقدمة للحفاظ عليها، وان العبيد لم ينالوا حريتهم الا بعدما شعروا ووعوا قيمة الحرية، وفساد العبودية، لان المؤسسات الاجتماعية والتراتبية السياسية، جعلت من هذا الوضع الشاذ على انه قدر طبيعي ملازم للفرد، طوال التاريخ ومن العبث محاولة رفضه.
واضاف، ان الوعي بالحرية وبالذات سوف يمنع الحكام المغامرين من القيام بنزواتهم وقراراتهم الفردية، ونزوعهم للحروب وصناعة الازمات على حساب حقوق المواطن وحريته وهذا يؤدي بالضرورة الى الاستغناء عن اية وزارة لحقوق الانسان، لان الفرد هنا قادر على حماية حقوقه بنفسه.
فيما ينظر الى مسألة الوعي بالحقوق، الناقد المسرحي، ايوب موسى، على انها موجودة في الفطرة لدى الانسان، وليس هنالك حاجة للتوعية والتثقيف بشان ثقافة حقوق الانسان، وان الانسان استطاع انتزاع حقوقه وحريته عبر التاريخ بسبب نزوعه الفطري نحو تحقيق الذات. اما من يعتقد باهمية وجود وزارة لحقوق الانسان، فانه لا يمكن التعويل عليها لانها الخصم والحكم في الوقت ذاته ما يفقدها المصداقية.
المعايير الدولية
يقول المحامي/ غانم الساعدي، ان قضية حقوق الانسان هي اساس الدولة الحديثة التي تلتزم بالقانون والدستور وتحترم صوت المواطن وتشركه في العملية السياسية، ويصبح المواطن هنا مشاركا ومراقبا في القرار السياسي، وهذا ياتي من خلال وجود منظمات المجتمع المدني، وتبلور الراي العام وتماسك السلطة الرابعة.
فضلا عن ذلك لابد من الاستفادة من تجارب دول العالم في مجال حقوق الانسان، ولذلك لا ينبغي التحسس من المعايير الدولية لحقوق الانسان وفي حالة وجود تعارض بين المعايير الدولية والوطنية، ينبغي الاخذ بالدولية بسبب عالميتها ونتائجها الايجابية للشعوب.
فيما يفند الكتبي، ياسر توفيق، المقولات والافكار التي تدعو الى اعتماد المعايير الدولية في مجال حقوق الانسان اذ يرى ان التراث فيه من المعايير الانسانية الرائعة والتي تمثل اصالة تأريخنا وهو المنبع الاساس والرئيس الذي ينبغي الاغتراف منه، وعليه في حالة وجود تعارض ما بين المعايير الدولية والمحلية او الوطنية ينبغي اعتماد المعايير الوطنية وترسيخها لانها الاقرب الى ثقافتنا.
الممانعة السياسية
يقول الكاتب، سامي حامد ان ثقافة حقوق الانسان مازالت حديثة العهد وتعاني من ممانعة سياسية واجتماعية لانها تهدد التراتبية السياسية والاقتصادية من خلال المساواة امام القانون وان تداعيات ذلك قد تفقد البعض الامتيازات التي حصلوا عليها عبر التاريخ المغلف بالاستبداد، ولذلك انهم يرفعون لافتة الاصالة والتراث امام اي اصلاح او تغيير في التركيبة الثقافية او التاريخية او السياسية التي تكلست امام طائفة معينة او عرق محدد، ولذلك ينبغي مساءلة الجذور والمسلمات التي همشت المواطن وجعلته ريشة في مهب رياح الاستبداد.
فيما يرى المحامي امير حسن خلاف ذلك من خلال ما شهدته الساحة العراقية من فوضى مدمرة وليست خلاقة كما اشيع عنها، وذلك لانها حطمت النسيج الاجتماعي للبلد، وان كانت هنالك تراتبية كما يعتقد البعض، فكان من الممكن معالجتها او ابقاؤها طالما انها تحقق الاستقرار وان الامن والسلام يتقدمان على الحرية المنفلتة او ما يسمى بثقافة حقوق الانسان الوافدة.
الامية وضياع الحقوق
اشار مدحت الى الصعوبة التي تعترض المواطن في وصوله او انتزاعه لحقوقه، ما لم يمتلك قدرا من المعرفة بها وبالتالي هناك حاجة ملحة لاشاعة ثقافة حقوق الانسان على جميع الفئات العمرية.
واضاف: ان معايير حقوق الانسان الدولية.. هي الاساس في صياغة المعايير الدولية.. والتي ثبت جزء منها في الدستور الدائم، وان الشرعية الدولية لحقوق الانسان هي المعول عليها.
فيما يرى هيمص خلاف ذلك في مسألة وعي المواطن لحقوقه وعد الحصول على الحقوق غير مرتبط بعملية الوعي، فتغير الوعي لا يعني انه بلا حقوق، وان ذلك ملقى على منظمات المجتمع المدني والتشريعات القانونية ولذلك لا ينبغي حجب حقوق الانسان في حالة عدم الوعي بها هذا لا يعني عدم وجود هوامش للتلاعب السياسي والاجتماعي وغالبا ما تتوافق عملية الوعي في هذه الحالة مع المباشرة العملية لان العملي اجدى في هذه الحالة في استيعاب الوعي بحقوق الانسان وتصحيحه، وطالما توجد امية بالبلد وهي معوق حقيقي وهذا لايعفي الدولة او المنظمات المعنية من القيام بواجبها في الوعي وتثقيف المواطن.
مسؤولية المنظمات
اكد الواسطي، العلاقة المباشرة بين ثقافة المجتمع العامة، وحقوق الانسان، وان بناء مجتمع مدني حقيقي يستدعي فعاليات واسعة
من قبل المنظمات المعنية بهذا الامر، وهي التي تعمل على توعية الافراد بحقوقهم وبالتالي فان مثل هذه التوعية العامة بالحقوق هي التي تحد من الانتهاكات لان ذلك مسالة في غاية الاهمية، لكي يمارس الانسان نشاطه الخاص بتنظيم حقوقه وواجباته وان عدم الوعي بهذه الحقوق يربك مفهومه عنها، وبالتالي يحدد سلوكه ونشاطه في ممارسات تكون بعيدة عن حقوقه نفسها.. وذلك يشكل خسارة للمواطن.
يعتقد كريم، ان الانسان او المواطن الذي لا يعي حقوقه لابد ان تكون منظمات المجتمع المدني مسؤولة عن توعيته وتعليمه والنهوض بالواقع الاجتماعي بما يضمن للمواطن الحصول على حقوقه لان الحقوق تكتسب ولا تعطى.
واشار الى ان وجود وزارة حقوق الانسان في الحكومة ستكون غير فاعلة كونها ستخضع لقرارات حكومية والمقترح هو تشكيل هيئة مستقلة لحقوق الانسان يشرف عليها البرلمان وعندها سيكون لها حرية العمل والحد من انتهاك حقوق الانسان وخروجها من التوافقات السياسية.