This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

متاعب العراقيين في المطارات العربية
27/07/2009

 

 توفيق التميمي
كانت المرة الاولى في مطار الملكة عالية في عمان بدايات العام 2007 في ثاني دخول لي للعاصمة الاردنية خلال عامين متتاليين، حينما طلب مني ضابط الجوازات الاردني جوابا لسؤاله الاستفزازي عن هوية مذهبي واسم طائفتي؟

رفضت الاجابة فانزعج الضابط العربي الاردني من (وطنيتي المفرطة) وازداد غضبه، لما اضفت الجملة المختصرة التالية)) انا في بلادي لااجيب عن مثل هذا السؤال المشبوه))،فلم يملك ان يضبط اعصابه معتبرا اجابتي اقرب للشتيمة والاهانة، فطردني من غرفته بكل ما يملك من موروث الكرم اليعربي،بعد ان ابقى جوازي في حوزته وأنتهت تلك الواقعة بتدخل رئيسة الوفد الذي كنت ضمنه ((اليسيا الاجنبية الجنسية))لتعيد لي جوازي وتأمر الضابط العربي بدخولي رغما عن ارادته ورغبته، ولكن ظلت عيناه تقدح شررا وحسرة لانني دخلت الى الاراضي العربية الاردنية وهو لم يعرف فيما اذا كنت سنيا ام شيعيا.
في مطار سعد الحريري ببيروت (سويسرا الشرق) في صيف آب الحار الذي لايطاق كان علي الانتظارفي طوابير طويلة مع غيري من العراقيين حال نزولنا من الطائرة العراقية في مطار سعد الحريري ببيروت، بانتظار ختم الدخول والسماح بالمرور الى عاصمة الثقافة والحداثة وملاذ الهاربين من ظلم اوطانهم من المثقفين والوطنيين الاحرار،بيروت ضحية الحروب الطائفية والاقتتالات الاهلية على هويات المذاهب والطوائف.
في تلك العاصمة التي تتألق في تاريخ ذاكرة العراقيين الهاربين من جحيم الفاشية كمحطة وسطية ومضافة عابرة الى اصقاع الدنيا.
في تلك اللحظة كان علي الانتظارمع عراقيين آخرين من مختلف الاعمار والشرائح، بانتظار ان يتعطف علينا الرقيب اللبناني بالمرور بعد جلسة استجواب قصيرة عن القصد من الرحلة ومدة الاقامة وعنوان الفندق الذي سينزل فيه العراقي،وهي بطبيعة الحال اسئلة خاصة بالعراقيين وحدهم بما يذكر العراقيين بطقوس الاستجوابات الامنية في غرف التحقيق ايام الامن العامة السيئة الصيت والذكرى،كانت تتقمصني في تلك اللحظاتة مشاعر من الخيبة المبكرة والقلق من احتمال عودتي خائبا الى بغداد،وانا لم اباشر بعد في عملي الجديد في بيروت..فبغداد التي غادرتها قبل ساعتين املا بفرصة للنجاة تركتها تحترق وتتطوح تحت ضربات القذائف المتبادلة للطوائف والنيران المتعاكسة للميلشيات وعصابات القتل التي تستبيح شوارعها وضفاف انهارها ووداعة بيوتها في ذروة الاقتتال الطائفي الذي قطّع الشوارع وشطر ضفاف انهارها الى اقطاعات متحاربة واحقاد متاججة بالشرور. كنت هاربا من هاجس يومي بقصة متوقعة ومحتملة التكرار من موت يومي يقتنص ضحاياه من بين مثقفين وصحفيين وشعراء وسياسيين واناس عاديين، كنت هاربا من تلك اللحظة التي التحق بها باخر صحبتي وزملائي القتلى، كان اخرهم زميلي الشهيد فليح وادي مجذاب الذي حزّوا رقبته بدم بارد على تخوم المدينة ودون اعارة اهتمام لتوسلاته او تشفع له سيرته المهنية الناجحة التي تتألق بمواهبه وامكاناته الابداعية في مجال الصحافة.
ليس المرارة والانتظار والترقب هما الاثمان التي ينبغي ان اسددّها مع غيري من العراقيين واهدرها في حضرة المطارات (اليعربية) بل هناك مشاعر من الاذلال والمهانة التي تاتي من جراء فرجة قومية خالصة ينفذها موظفو المطارات (اليعربية) افواج المسافرين تاتي وتمضي بثوان من مختلف الجنسيات والالون والسحنات (البيضاء والسمراء والصفراء) يمضون برطانة لغاتهم الاجنبية وروائح بلدانهم،تجار... وعاهرات... وسماسرة ياتون ويختفون بلحظات بعد ان يختم لهم موظف الجوازات المختص ويودعهم بالابتسامات وعبارات الترحاب العربية،والاستثناء الوحيد في ذلك هم هؤلاء السومريون العراقيون الذين عليهم ان يدفعوا ضرائب لادخل لهم بها،اخرها ضريبة المذهب الحاكم والمحكوم بلعبة السياسة ودورانها والمفارقة بالامر اننا على بوابات البلد الذي دمرت جماله قبائل الطوائف وميليشيات العقائد الماضوية السوداء.
كان علي ان اشهد كل ذلك خلال ساعات الانتظار واستحضر كل تلك التداعيات والذاكرة الحربية لهذا البلد، المحفوظة في ارواح الناجين منها ما تبقى على قيد الشهادة والحياة،كان علي ان اشهد اغماء امرأة عجوز لانها لم تجلب دواء السكري معها، كان عليّ ان اصغي لثرثرة العراقيين الهاربين من اوطانهم والطالبين لامان مجهول والمقبلين على مغامرات غامضة تنتظرهم في مطارات وموانئ اخرى قادمة.
ثرثرة العراقيين المسافرين سوف تروى بحكايات وحكايات في مطارات عربية اخرى هنا في بيروت وعمان ودبي والمنامة وستصبح مدونات مكرورة في رحلة البحث عن الحياة والخلاص الى المجاهيل.
قصص تحكي عن عراقيين يهاجرون طلبا لفرصة قد تتحقق او لاتتحقق في حياة حرة كريمة افتقدوها في اوطانهم بعد ان قايضوا مغامراتهم تلك بما يملكون من ارصدة وعقارات ومدخرات العمر
ساسمع عشرات من هذه القصص الغريبة والعجائبية امام بوابات مفوضية الامم المتحدة للاجئين ايضا في منطقة سن الفيل في بيروت وكذلك في عمان وطهران.
اطباء ومهندسون ومعلمون وعاملون بسطاء هاربون من جحيم الحرب الاهلية ومن غائلة الجوع والعوز،فتستقبلهم مطارات الاشقاء العرب بذل الاستجوابات وضريبة الانتظارات الطويلة.
كنت اخر من غادر مطار سعد الحريري في ساعة متاخرة من الليل البيروتي، بعد ان غادرته جموع المسافرين الاجانب والغرباء.
كان علي ان اكون اخر من يغادر صالة الانتظار، بعد ان تكفل مدير شركة ماجيك للالكترونيات بضمان اخلاقي وسلوكيتي طيلة مدة مكوثي في بلاد الحريات والثقافة وضحية الحرب الاهلية الطويلة.
خرجت من المطار استنشق هواء بيروت الذي طالما حلمت به بديلا امنا لحريتي المستلبة وحياتي المهددة بالموت اليومي كان اول ما فعلته عند خروجي سالما من القلق والخيبة البيروتية عند بوابات مطارها الحديث ان القيت باللائمة على هواء بيروت وبحرها اللازروردي الفاتن بسبب هذه الساعات الطويلة التي قضيتها من الاذلال والانتظار والتوجس.
اعاتب البحر الذي حملت سفنه قصص الام العراقيين الى موانئ وشواطئ الارض كلها،اعاتب مقاهي الحرية ومسارح الرفض وطغيان الانوثة في شوارع بيروت وضواحيها، اعاتبها على هذه (العروبة المفرطة جدا) التي تمنع العراقيين من الخروج من بوابات مطارتها وموانئها من دون عن خلق الله كلهم الا بعد ان يدفعوا ضريبة غير معقولة من الاذلال والاستجواب الامني والانتظار غير المبرر.لاافهم لماذا يعاقب العراقيون بهذا الشكل ؟هل بسبب ميراث حماقات نظام بوليسي اذاقهم الويلات لاربعة عقود ؟ ام بسبب مذهب ينتمون اليه بقهر الولادة ليس لهم خيار فيه،لاعرف... سيظل سؤالي معلقا حتى يدرك فرسان العروبة وموظفو مطاراتها مدى الاثام والجرائم التي ارتكبوها بحق شعب ابتلى بالوان من العذابات والالام التي يستحق عنها التكريم والتشريف لاذلال والانتظارات وغلق حواجز المطارات اليعربية بوجوههم.

مطاردبي و المحرق في المنامة هذه المرة
كي اصل لمطار المنامة كان عليّ ان اعبر بطريقة الترانزيت عن طريق مطار دبي،وذلك لعدم وجود مسافرين عراقيين للبحرين تشجع مكاتب السفر والسياحة بالحجز المباشر اليها،كما ان مطار المنامة من المطارات التي لاتسمح بطائرات الخطوط الجوية العراقية بالهبوط على اراضيها لعدم صلاحيتها الفنية،اولربما لاسباب اخرى تتعلق بالسياسة او علوم الطوائف او...اية اسباب اخرى اجهلها. خدمتني الظروف بالحصول على كفالة صديق بحريني بدرجة مديرعام في ديوان رئيس الوزراء وقدرلي عن طريق هذا الصديق الحصول على الفيزا بهذه الطريقة بعد معاناة ومراسلات طويلة لم تشفع كلها لسلسلة الاستجوابات الامنية والانتظارات الطويلة في مطار المنامة.
قبل الوصول للمنامة كان علينا النزول في مطار دبي وفيه مفرق يفصل بين حاجزين احدهما يؤدي الى المدينة السحرية التي دخلت الحداثة الكونية بقوة، وآخر وهو الذي سلكناه ينتهي بنا الى صالة انتظار اخرى ريثما ننتقل الى مطار اخر،ستحملنا احدى طائرته الجاثمات الى البحرين في دبي كانت في نفسي حسرة بأن اعبر هذا الحاجز الذي يفصلي عن مدينة دبي وعوالمها السحرية،بحسابات الجغرافية بضعة امتار وبحسابات العقلية الطائفية وحسابات السياسة ومنطقها ملايين من الاسلاك الكهربائية والموانع المستحيلة!
شهدت في دبي فصلا اخر من سيناريو الاذلال العراقي نفسه الذي شهدته في مطارات عربية اخرى،حيث يمر امام ناظريك المئات من المسافرين الغرباء الاجانب بسحناتهم الملونة وسيقانهم المكشوفة وحقائبهم المميزة بيسر وسهولة ونحن العراقيين نرابط في زوايا الانتظار ورصد العيون المتلصصة، نتوق حسرة لمشاهدة المدينة التي يحكى الجميع عن اسطورة تقدمها وحداثتها عشرات القصص والحكايات المبهرة،قضيت فترة الانتظار بالاصغاء الى قصص عراقية لشباب مسافرين صوب الصين اخر اصقاع الار ض حيث وجد العراقيون مؤخرا منفذا تجاريا سهلا لاستيراد البضائع الصينية الرخيصة حسب طلب التجار والتي تفي بحالة العراقيين المالية!.
الصين تفتح ابوابها ودبي تغلقها بوجه هؤلاء التجار العابرين الى اخر الدنيا مفارقة جديدة تلفت نظري وتزيد من خيبتي من العروبة واهلها المسافرون العراقيون سيقضون احدى عشرة ساعة فوق السحاب لبلوغ مطار شنغهاي،في الباص الذي اقلني لمطار اخر اتيح لي ان ارى جانبا من مدينة دبي وشوارعها وعماراتها الباذخة في لحظات عابرة كانت كافية لاتعرف على الوجه الاخر من المدينة واتشوق لرؤيته والذي لايمكن ان ادخلة بجواز سفري واختامه المشبوهة!
المطار الاخر كان غارقا بمطر من الكرستال الضوئي ومزينا بلوحات كبيرة لفناين عراقيين (على المعمار وضياء العزاوي)) يطرزون هذا المطار بفيض خيلاتهم ورجفة اناملهم المبدعة لتتفرج عليها انظار الغرباء ويحرم من مشاهداتها ابصار العراقيين ابناء وطنهم لان نوافذ عيونهم اغلقها دخان الحروب ودموع الاحزان المتوالية.
مطار لايتعبك روتين اجراءاته،ولايرهقك بانتظارات مملة لانه يغرق بشلالات من الضوء وايقاعات من الجمال الباذخ الموزع على كل الزوايا والممرات الضاجة بعالم من السحر والانبهار واللذة المعروضة بسخاء في اشكال النساء الاجنبيات وسيقانهن العارية وتنوراتهن القصيرة.
ولذا فهنا لاتحتاج الى النظر الى ساعتك حتى يحين موعد اقلاع طائرتك الى المنامة التي سينتظرك فيها فصل من الاستجواب الاخر فصل عربي اخر من التشكيك بالهوية والمذهب والنوايا!.
بالطبع كنت اتوقع ان لاادخل المنامة مكللا بالورود وملتحما بالاحضان ومستقبلا بابتسامات ضابط الجوازات البحريني الاسمر، وذلك لمجرد اني ضيف على مديرعام في رئاسة الوزراء لان ذلك سوف لايشفع لهذا الضيف بسبب الضرورات الامنية التي تتطلب ان ابقى مرابطا بالانتظار لاكثر من ساعة، ريثما تتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان سلوكيتي خلال اربعة ايام من الاقامة في البحرين،لم يكن الانتظار طويلا هذه المرة كما في عمان وبيروت بسسب وجود كفيل رفيع المستوى يعمل في ديوان رئيس الوزراء بدرجة مدير عام، كان ينتظرني في صالة المطار وهو يجيب على اسئلة واستفسارات ضباط امن المطار اثناء مكوثي منتظر اطلاق سراح الجواز والفيزا الذي قضيت من اجلها شهورا من الانتظارات والاستفسارات.
قدر لي بعدها ان ادخل العاصمة المنامة للمرة الاولى في حياتي.
ملاحظة: ماحدث في مطار دبي والمنامة في يوم واحد هو مساء الجمعة 26 حزيران - 2009

الصباح