This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

من أسباب انتحار الشباب والمراهقين
03/08/2009

 

بغداد ـ سعاد البياتي- الصباح
دوى فجاة صوت رصاصة انطلقت من احدى غرف البيت، بعد لحظات وجدت الام نفسها أمام مشهد فجائعي افقدها صوابها.. لتجد ولدها (صفاء) ذا الاثنى عشر عاما سابحا في بركة دمائه بعد ان اطلق على نفسه رصاصة قاتلة من بندقية ابيه، اخترقت جنبه الايمن مسببة تمزيق كبده ما ادى الى وفاته بعد ساعات من الحادث.لم تفهم الام لاول وهلة لماذا اقدم ابنها على هذه الفعلة، ولكنها عندما استرجعت ما جرى بينه وبين ابيه قبل يومين، عندما وجه له كلاما عنيفا وتانيبا شديدا لاخفاقه في دروسه وتهديده له بالقتل في حالة رسوبه في الامتحان الوزاري للصف  السادس الابتدائي، فهمت دافعه للانتحار، ولكن الصدمة كانت عنيفة وقاسية على الام والاب معا.
اصدقاء الصبي احمد صلاح) احد اصدقاء صفاء الطالب المنتحر وصفه بالعصبي والمتهور وبانه دائما يختلق المشاكل الا انه لا يمتلك روحا شريرة..
واضاف بان صفاء كان مهملا في دروسه ولا يهتم بها، بينما صديقه (سامر مجيد)  نفى ذلك وتحدث بنبرة يشوبها الحزن والنشيج قائلا: ((..فوجئت بخبر انتحاره لانه كان يحمل صفات جيدة، الا انه كان مهملا في دروسه ولا يواظب على الدوام ولهذا رسب في الصف السادس مرتين، حتى كان يوبخه اهله فيها كلما تسلم نتيجة الامتحانات الشهرية والتي دائما ما يكون فيها راسبا.
جرح نرجسي
(الدكتور محمود شمال) استاذ علم النفس الاجتماعي يشير الى الاسباب التي تدفع المنتحرين لانهاء حياتهم: بانها اسباب اجتماعية اولا حيث ان مستوى الاسرة الاجتماعي والاقتصادي  والمستوى الثقافي له تاثير كبير وواضح على حياة الفرد، والسبب الاجتماعي الاكثر تاثيرا يكمن في دوافع الانتحار بالدرجة الاساس اذ ان المراهقين الذين ينتحرون او يحاولون الانتحار ينتمون الى جميع الطبقات الاجتماعية بشكل متعادل.. وتبقى دوافع الانتحار ذاتية وذات تاثير اجتماعي خاص، فالفشل المدرسي الذي يعيشه المراهق يشكل جرحا نرجسيا عميقا، ما يزيد من خطورة هذا العامل موقف الاهل الذين يسقطون الاسباب على ابنائهم ويأملون تحقيق مالم يتمكنوا من تحقيقه من خلالهم، فيلجؤون الى استعمال القمع  والقوة والتهديد للوصول الى ما يبغون. يعزو الدكتور محمود ظاهرة الانتحار الى ضغوطات الحياة الكثيرة واتساع الفجوة بين احلامهم وصعوبة تحقيقها في زمن تسود فيه الرشوة وعدم المساواة في جميع المجالات.. وهذا دليل على تزايد مشكلاتهم التي لا تلقى اهتماما من قبل الاخرين وتؤدي بالنتيجة الى يأس واحباط يتفاقم الى التفكير بالانتحار لاسيما اذا  وصل المنتحر الى حالة شديدة من الكآبة.
 من جانبه اكد الدكتور (ماهر لطيف النعيمي)) استاذ الصحة النفسية في معهد الطب النفسي ان اصابع الاتهام المبكرة في اسباب الانتحار تتوجه بالدرجة الاولى الى الاسرة التي تعاني التفكك  والمشكلات الكثيرة بين الابوين او ربما الاخوة انفسهم لاسباب مختلفة، وقد تكون احد الاسباب وهي ليست بالسبب البسيط  كالمشكلة العاطفية ولكن علينا ان لا نتناسى ان اغلب اسباب الفشل العاطفي  دوافعه اقتصادية فمعظم شبابنا عاطلون عن العمل واستنادا للاحصائيات فنسبة البطالة ترتفع لتلتهم اهم المفاعل  الحيوية وهم فئة الشباب وبالتالي كيف يمكن لنا ان نحمي شبابنا من خطرالفراغ، الذي يهدد حياتهم فلا وظيفة مضمونة ولا عمل مستقر ولا معيشة لائقة تمكنه من اعانة نفسه ومن ثم اسرته؟ كل ذلك يؤدي الى ازمات نفسية وحالات اكتئاب تتفاقم في بعض الاحيان لينهي الشاب حياته بمختلف الطرق.

منتحرون في طوارئ المستشفى
... زرنا قسم الطوارئ في  مستشفى مدينة الطب ورصدنا عن قرب حالات للانتحار، احد الاطباء المقيمين رافضا ذكر اسمه يقول: ان طوارئ المستشفى تسجل وتستقبل حالات انتحار كثيرة  اسبوعيا.. لاسيما من الفتيات.
استقبل المستشفى اثناء تواجدنا، حالة شاب اقدم على الانتحار بعد الاعتداء عليه جنسيا حيث اطلق النار على نفسه الا ان الرصاصة كانت غير قاتلة وتم انقاذه بعد  اجراء عملية جراحية له.ويروي لنا طبيب الطوارئ عن محاولة انتحار اقدمت عليها فتاة بعد ان شعرت ببوادر الحمل غير الشرعي وكانت برفقة والدتها وشقيقها اللذين لم يعرفا حقيقة الحمل، وتوسلت الينا بكتمان ذلك حيث قامت الفتاة بقطع وريدها. وانقذت في اخر لحظات حياتها، الا ان اخاها ادرك حقيقة الامر فتوعدها بالقتل مما اسرعنا الى تهدئة الموقف ومطالبتهم بانهاء الموضوع خارج المستشفى.
يوضح الطبيب المسؤول عن ردهة الطوارئ بانه ليست كل محاولات الانتحار هي محاولات جادة للموت.. فهناك قصص قد تتكرر لدى القلة كوسيلة لجذب الانتباه، ولكن رغم ذلك يجب اخذ الموضوع بجدية عالية حتى لو كان ذلك الفعل نوعا من العبث.. وهناك قاعدتان طبيتان الاولى انه ليس بالامكان تفادي جميع اشكال او حالات الانتحار، ولكن بالامكان تفادي الغالبية منها.. والثاني  ليس هناك سوى عدد قليل من حالات الانتحار التي تحصل دون سابق انذار. ولدى غالبية الاطباء ذكريات اليمة عن مراهقين او شباب من الجنسين قتلوا جراء محاولات للاقدام على الانتحار والتي ثبت من كلامهم قبل الوفاة او من كلام اقاربهم انهم لم يكونوا يقصدون بالفعل انهاء حياتهم انما كانت بتاثير لحظة انفعالية وكآبة شديدة.
سؤال يبحث عن جوابه
ويبقى السؤال قائما عن الاسباب التي تدفع الانسان صبيا او بالغا رجلا ام امرأة الى حافة اليأس من الحياة وتفضيل الموت الذي يختاره بطواعية؟يبقى هذا السؤال معلقا ومستفزا للكشف عن اسباب تلك الحالات التي شاهدناها  في شعبة الطوارئ بمدينة الطب وسمعنا عن غيرها وكانت نتيجتها خسارات انسانية ومشاعر ندم وتبكيت. لا اعرف اذا كنا ازاء حالات انسانية تتبلور بملامح  اجتماعية كظاهرة متكررة تغذيها مسبباب وظروف تمكن الباحثين والمتخصصين من تقصيها ووضع البدائل والحلول الممكنة قبل ان تستفحل هذه الظاهرة في مجتمعنا المعروف بتوادده وتراحمه وسيادة الروح الدينية على تقاليده الاجتماعية.