احمد جمال- اسلام اون لاين
أدهم فوزي شاب مصري في الثانية والعشرين من عمره.. له أربع شقيقات بنات.. ظروف أسرته الاقتصادية حالت دون استكمال تعليمه، ترك المدرسة في الصف الثالث الابتدائي، وعمل مع والده نهارا في مهنة جمع القمامة، وليلا داخل ورشة تصنيع أدوات منزلية.
ورغم أنه لم يفقد أمله في استكمال تعليمة، فإنه كان يرى في بعض الأوقات أن هذا الحلم سراب كلما رأى حاجة أسرته إلى النقود القليلة التي يدخرها لهم من وراء عمله.
وفجأة تحول السراب إلى حقيقة بعد إنشاء مدرسة لإعادة تدوير القمامة في الحي الذي يقطن به، هدفها هو تعليم الأطفال والمتسربين من التعليم وتوفير عمل لهم يساعدهم على تحمل أعباء الحياة.
كان أدهم يبلغ وقتها من العمر 18 عاما.. وكان أول الملتحقين بالمدرسة عام 2004 ليدر ربحا من وراء تدوير القمامة ويحصل على شهادة محو الأمية، و
ظل يتابع في المراحل الدراسية المختلفة، ويدرس حاليا بالصف الثالث الإعدادي لتحقيق رغبته في الالتحاق بكلية التربية.
شعاع نور
تقع هذه المدرسة في حي منشية ناصر بمصر القديمة، وبداخلها نماذج كثيرة مثل أدهم لم تساعدهم أوضاعهم الاقتصادية المتردية على استكمال تعليمهم بالمدارس الحكومية، لتمثل لهم مدرسة "تدوير القمامة" شعاع النور وسط ظلام الفقر الدامس.
فكرتها يرويها عزت نعيم مدير جمعية روح الشباب التي تنتمي إليها المدرسة قائلا: حي منشية ناصر يبلغ عدد سكانه 37 ألف نسمة، نصفهم يعملون في جمع القمامة.
ويصل عدد أفراد الأسرة الواحدة بالحي من 7: 8 أفراد مما يزيد من الأعباء المالية، كما أن معظم أولاد هؤلاء "الزبالين" أو جامعي القمامة لم يلتحقوا بالتعليم، وبعضهم يتسرب من سنوات الدراسة الأولى؛ بسبب الفقر المدقع، وعدم القدرة على تغطية نفقات المصروفات الدراسية.
فجاء التفكير في إنشاء جمعية هدفها محو الأمية بمجهود الشباب المتعلمين من أبناء الحي، وخرجت الجمعية إلى النور عام 1997، وتم إنشاء مدرسة داخل الجمعية بها فصول دراسية وشباب يدرسون إلا أن الإقبال كان ضعيفا عليها، واستمر ذلك حتى 2004 ليتسابق المتسربون من التعليم والأطفال بعد ذلك التاريخ لالتحاق بالمدرسة بعد أن توافر بها عامل الجذب.
وعامل الجذب كما يقول عزت هو توقير فرص عمل للملتحقين، وحدث ذلك بعد تعاقد الجمعية مع إحدى شركات الشامبو العالمية لجمع العبوات الفارغة من القمامة وإعادة تدويرها داخل الجمعية عن طرق تكسير هذه العبوات الفارغة داخل ماكينات تكسير ومكابس حديدية من أجل إخفاء معالم هذه العبوات الفارغة حتى لا تستخدمها شركات "بير السلم" في إعادة تصنيع عبوات
مماثلة لمنتجات هذه الشركة العالمية؛ حيث تعرضت هذه الشركة لخسائر بسبب عمليات الغش التجاري.
وزاد الإقبال على المدرسة من قبل الأطفال غير المتعلمين بعد هذا الاتفاق، واشترطت إدارة الجمعية العمل في جمع هذه العبوات نظير الالتحاق بالمدرسة.
اجمع أكثر تكسب أكثر
وعن الاستفادة المالية يشير عزت إلى أنه تم إعطاء 200 جنيه (حوالي 35 دولاراً أمريكياً) كقرض لكل طفل من أجل شراء العبوات الفارغة من تجار القمامة وأقاربهم، على أن يسدد 25 جنيها شهريا من هذا القرض.
ويبيع الطفل العبوة الصغيرة للجمعية بمبلغ 20 قرشا، والعبوة المتوسطة بمبلغ 25 قرشا، والعبوة الكبيرة بمبلغ 35 قرشا، وتم رفع شعار "اجمع أكثر تكسب أكثر"؛ مما شجع الأطفال على حضور الحصص الدراسية، وبالتالي ارتبطوا ارتباطا وثيقا بالمدرسة؛ لأنها أصبحت مصدر رزق منتظم لهم قد يصل في المتوسط إلى 300 جنيه شهريا.
ويضيف أن القروض تدفعها شركة الشامبو العالمية؛ فضلا عن أن المدرسة تغطي نفقات التدريس ومرتبات المدرسين من خلال بيع ناتج تكسير عبوات الشامبو إلى ورش إعادة التدوير بالحي.
العبوات للتعليم أيضا
وفي جولة "إسلام أون لاين" داخل المدرسة كان في استقبالنا ليلى زغلول -مديرة المدرسة- والتي أوضحت أن المدرسة بها 150 طفلا ومتسربا من التعليم لا تقل أعمارهم عن 8 سنوات ولا تزيد عن 18 عاما، وأن الدراسة مقسمة إلى فترتين صباحية ومسائية، ويتم تقسيم الأطفال إلى 3 مستويات هم المبتدئ والمتوسط ومن يعرف القراءة والكتابة.
وكما بينت مديرة المدرسة يتعلم الطفل الحساب عن طريق إعادة تدوير العبوات البلاستيكية؛ حيث يقوم الأطفال بإحضار هذه العبوات وتسجيلها في قوائم حسابية ومعرفة أوزانها وأحجامها والقيمة النقدية لها، ومن ثم يكتسب مبادئ وأساسيات علم الحساب بتعرضه لهذه العمليات الحسابية اليومية.
كذلك الأمر بالنسبة للقراءة والكتابة؛ حيث يتعلم مخارج الحروف ونطق الألفاظ وطريقة الكتابة بالتدريب على قراءة الملصقات المطبوعة على العبوات الفارغة وتمييزها عن العبوات الأخرى.
وتقوم المدرسة -أيضا- بتدريب الأطفال على استخدام الحاسب الآلي ببرامجه المختلفة، ويتضمن المنهج التعليمي معلومات عن الأمن الصناعي والسلامة المهنية وحماية البيئة، والتركيز على الفنون خاصة الرسم والدراما.
وتشير مديرة المدرسة إلى أنه تم تقديم بعض المسرحيات التي تحكي تاريخ الزبالين في مصر، وعرضت بمركز ساقية الصاوي الثقافي بوسط القاهرة وحديقة الأزهر.
أما مريم شوقي -المسئولة عن البرنامج الصحي بالمدرسة- فتقول إنه يتم تقديم المعلومات المتعلقة بصحة الأولاد 3 مرات أسبوعيا، ويتم التركيز على التعامل مع الجروح وتطهيرها، مع تقديم معلومات عن أمراض الكبد والكلى والسكر؛ لأنها أمراض متوطنة في بيئة جامعي القمامة؛ بسبب الروائح الكريهة.
كما يتم تخصيص 3 أيام في الأسبوع لزيارة عائلات الأولاد للاطمئنان على حالاتهم الصحية، بالإضافة إلى تنظيم رحلات ترفيهية.
مفاجأة المونتسوري
وكانت المفاجئة عند معرفتنا بتدريس مادة "المونتسوري" داخل المدرسة؛ حيث تدرسها المدارس الأوروبية وحققت نجاحات كبيرة في التعلم ومحو الأمية.
وتقول سيرين مدرسة المادة أن المونتسوري هو استخدام الأيدي والحواس في التعلم واستكشاف البيئة المحيطة وإدراك معالمها.
وأمام شاشات الكمبيوتر يجلس بعض أطفال المدرسة يلعبون ويرسمون ويقول أحدهم ويدعى محمد متولي إن عمره 13 عاما وترك المدرسة منذ 3 أعوام بعد أن وصل للصف الرابع الابتدائي، لكنه كان يجهل القراءة والكتابة.
ومع تعرضه للضرب الدائم من مدرسيه غادر محمد المدرسة بلا رجعة ليعمل حدادا لفترة قصيرة ويلتحق بعد ذلك بمدرسة تدوير القمامة التي تعلم بداخلها القراءة والكتابة وتلقى أساليب الرعاية دون عنف، مع توفير عائد اقتصادي يصل إلى 250 جنيها شهريا.
وبجانب محمد كان يجلس أسامة عنتر الذي يبلغ من العمر 15 عاما، أسامة لم يلتحق بالمدرسة الحكومية بسبب وفاة والده؛ حيث لا يكفي الدخل الذي تحصل عليه والدته من عملها كبائعة ملابس لتغطية نفقات إطعامه هو وأشقائه الستة.
لذلك التحق بمدرسة تدوير القمامة بعد 8 سنوات، مشيرا أنه تعلم الكمبيوتر وكيفية التعامل مع الجروح خاصة أن مهنة جمع القمامة تتطلب الوجود في الشارع والاحتكاك مع أدوات صلبة مثل الزجاج والإبر والعلب الصفيح والمشارط.
صحفي مهتم بالشأن التنموي، ويمنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com