السؤال الأخلاقي
راضي محسن داود- الصباح
ظهرت فكرة العقوبات الاقتصادية في التاريخ منذ اكثر من الفي عام. واول حادثة مدونة كانت العام 432 قبل الميلاد، حيث فرض المسؤولون في اثينا عقوبات اقتصادية على تجارة دولة ميغارا Megara ومنعهم من الوصول الى ميناء اثينا واسواقها.
ومنذ الحرب العالمية الاولى وحتى الان فرضت الولايات المتحدة الاميركية وضمن سياستها الاقتصادية والسياسية اكثر من 115 مرة عقوبات وحصارات اقتصادية، وتحدد المؤسسة الوطنية للصناعيين الاميركيين ان 42 بالمئة من سكان العالم يرزحون تحت وطأة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الاميركية على بلدانهم، في حين اشارت دراسة للمعهد الاقتصادي العالمي ان الولايات المتحدة الاميركية حققت في العام 1970 فقط 13 بالمئة من الاهداف التي فرضت العقوبات من اجلها فضلا عن خسائر الولايات المتحدة التي تبلغ سنويا من 15- 19 بليون دولار وخسارتها اسواقاً للتصدير والاستيراد.
وقد شكلت ظاهرة العقوبات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة وحلول نظام القطبية الاحادية بعد زوال
الاتحاد السوفيتي من الساحة الدولية وانفراد الولايات المتحدة الاميركية بالسيطرة الاحادية على مقاليد العالم، يشكل تهديداً لاسس القانون الدولي، القانون الذي ينظم العلاقات بين الدول والذي يقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية او تهديدها او المس بالسيادة او الاستقلال السياسي، حيث فرضت الولايات المتحدة الاميركية قراءتها الخاصة للميثاق الدولي فمنذ العام 1990 فرضت الامم المتحدة وبالاخص مجلس الامن الدولي عقوبات دولية بحق مجموعة من الدول مثل العراق، يوغسلافيا، الصومال، ليبيريا، انغولا روندا، ليبيا، هاييتي، السودان، مستند في ذلك على الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة بينما لم يفرض هذا النمط من العقوبات منذ ابرام ميثاق الامم المتحدة سنة 1945 وحتى العام 1989 سوى مرتين في حالة روديسيا الجنوبية وجنوب افريقيا، حيث ان العقوبات الدولية تتطلب مناخا دولياً توافقيا بين الدول دائمة العضوية في مجلس الامن وتتداخل معها الاعتبارات السياسية في تحديد حجم العقوبات المفروضة، وقد تراوحت هذه العقوبات بين استخدام القوة المجردة الى حظر بيع الاسلحة او وقف الطيران ومنع تصدير النفط والحرمان من المساعدات الدولية وتخفيض التمثيل الدبلوماسي.
الفصل السابع حصان طروادة
يتكون ميثاق الامم المتحدة من 111 مادة تنتظم في 19 فصلا وتكون اختصاصات مجلس الامن الدولي في حفظ السلم والامن في الفصول الخامس والسادس والسابع.
وتنبع اهمية هذه المواد من حيث انها تتضمن جميعا صفة (الاقسار) اي امكانية اجبار دولة او الدول باحكام القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن الدولي استنادا الى هذه الاحكام على تنفيذها قسرا. في حين تشكل المواد 39، 41، 42. اهم مواد الفصل السابع
- المادة 39 يقرر مجلس الامن الدولي ما اذا كان قد وقع تهديد للسلم او اخلال به او كان ما وقع عملا من اعمال العدوان ويقدم في ذلك توصياته او يقرر التدابير طبقا لاحكام المادتين 41، 42 لحفظ السلم والامن الدوليين او اعادته الى نصابه.
- المادة 41 لمجلس الامن ان يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لاتتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قرارته، وله ان يطلب الى اعضاء الامم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز ان يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا او كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية.
- المادة 42 اذا رأى مجلس الامن ان التدابير المتخذة لاتفي بالغرض او ثبت انها لم تف بالمطلوب، جاز له ان يتخذ من الاجراءات العسكرية والجوية، والبحرية والبرية من الاعمال ما يلزم لحفظ السلم والامن الدوليين ويجوز ان تتناول هذه الاعمال المظاهرات والحصار والعمليات العسكرية التي تمليها الضرورة للحفاظ على السلام والامن الدوليين.
تنظيم العقوبات في
الحقبة الكونية الجديدة
منذ ثمانينيات القرن الماضي مر العراق بسلسلة من الحروب منها الحرب العراقية - الايرانية 1980 - 1988 ثم حرب الخليج الاولى العام 1990 رافقتها حرب طويلة تمثلت _بحرب العقوبات) حيث فرضت الاسرة الدولية حصارا اقتصاديا وعلميا وسياسيا وحرمت العراق من ابسط اسباب الحياة والتقدم وكان لها تأثير مدمر على السكان المدنيين (الاطفال والنساء وكبار السن) فضلا عن تأثيراتها النفسية والاجتماعية والصحية والتربوية ولازال العراق يدفع ثمنها في التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتقني والصحي فقد اعطى غزو العراق للكويت وعدم تطبيق قرار مجلس الامن المرقم 660 الصادر في 2/ اب/ 1990 الذي يدين الغزو ويطالب بانسحاب القوات العراقية مبررا لاصدار سلسلة من القرارات، استثمرتها قوات التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية لشن حرب على العراق، حيث اسقطت قوات التحالف ما بين 16 كانون الثاني و27 شباط 1991 مازنته اكثر من مائة الف طن من القنابل العنقودية والنابالم ومتفجرات الوقود/ الهواء وقذائف اليورانيوم المنضب اي ما يعادل سبع قنابل ذرية من نوع قنبلة هيروشيما، وقد اجهزت العمليات العسكرية الواسعة على البنى الارتكازية والهياكل التحتية من جسور وطرقات ومستشفيات وجامعات ومدارس وجوامع وكنائس واماكن اثرية ومنشأت بريدية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وضخ وتصفية المياه ومصافي وابار النفط وخطوط عربات سكك الحديد ومحطات الاذاعة والتلفزيون والمنشأت الصناعية ومصانع الاسمدة وكانت اغلب هذه الاهداف ليس لها تأثير في سير الصراع وانما احداث اضرار واسعة وتحويل العراق الى مرحلة ما قبل الصناعة كما اعلن ذلك وزير الخارجية الاميركية بيكر في 9/ كانون الثاني 1991 (سنعيدكم الى العصر قبل الصناعي).
لقد كان القصف ضخما وعشوائيا وشاملاً للبنى الاساسية والاجتماعية والتراث الثقافي وقد تجاوز عدد الاهداف التي حددها قبل نشوب الحرب المخططون العسكريون الامريكيون كاهداف ستراتيجية الـ57 موقعا ليصل الى حوالي 700 هدف.
تسبب القصف بقتل الاف العسكريين والمدنيين العراقيين تقدره المصادر البريطانية مائة الف جندي
عراقي.
اما المصادر الفرنسية فتقدر الاصابات بين العسكريين والمدنيين بلغت نحو 155 الف اصابة.
تأثير العقوبات الدولية
لقد ادت العقوبات الدولية الى انعكاسات سلبية ومدمرة مباشرة وغير مباشرة على جميع نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية، فقد افقرت غالبية السكان وسببت تضخما جامحا فضلا عن تراجع في انظمة الزراعة والصناعة والتربية والتعليم والصحة وساهمت في تفشي الفساد وانتشار الجريمة فضلا عن انتشار الافات الاجتماعية، السرقة والتسول والبغاء والسطو بعد ان كان تسيطر عليها بفعالية في الدولة الاستبدادية الصدامية.
ففي سنة 1989 بلغت حصة التربية والتعليم العالي 5 بالمئة من ميزانية الدولة الاعتيادية وهي اعلى من معدل تخصيصات الدول النامية كما سيشهد الكثير من البنى التحتية على نطاق واسع جامعات، معاهد، مراكز تدريب، اعداد الكفاءات العلمية والاكاديمية وعقب فرض العقوبات الاقتصادية هاجر الكثير من الكفاءات والكوادر العلمية الى الدول العربية ويذكر د/عبدالوهاب حومد بين سنة 1991- 1998 هاجر من العراق اكثر من 7350 عالما الى دول اوروبا منهم 67 بالمئة اساتذة جامعات و23 بالمئة يعملون في مراكز ابحاث علمية ومن هذا العدد هناك 83 بالمئة يدرسون الان في جامعات اوروبية فضلا عن هجرة اكثر من 4000- 8400 طبيب عراقي وقد اقرت الحكومة العراقية العام 1999 بان عدد الاكاديميين واصحاب الكفاءات العلمية الذين هاجروا بعد فرض العقوبات الاقتصادية وغزو الكويت بلغ 23000 شخص.
اما في مجال الرعاية الصحية فقد وصلت العام 1990 وحسب منظمة الصحة العالمية الى حوالي 97 بالمئة من سكان المدن و78 بالمئة من سكان الارياف وبعد فرض العقوبات الدولية وتعرض المنشأت الطبية الى التدمير خلال حرب الخليج فقد ادى الى اصابة هذا القطاع بالشلل التام وخاصة الاطفال والرضع حيث تضاعفت وفيات الاطفال تحت سن الخامسة من 56 حالة لكل الف ولادة حية العام 1984 الى 131 حالة ويعود السبب الى النقص الحاصل في المواد الغذائية والدوائية وزيادة حالات الاصابة بالامراض الانتقالية وعدم توفر المستلزمات الطبية لمعالجة هذه الحالات، حيث كان العراق يستورد ما قيمته 500 مليون دولار سنويا من الادوية ما عدا التجهيزات الطبية مع بداية فرض العقوبات تدهور الوضع بشكل كارثي حيث كان محظور على العراق شراء واستيراد اية ادوية ومعدات طبية. وحظر على العراق استيراد قطع غيار المعدات الطبية والحاضنات ووحدات العناية المركزة ورقائق اشعة اكس واصبحت المستشفيات تعمل باقل من طاقتها العادية. فضلا عن تلوث الماء وانقطاع الكهرباء وتوقف برامج التلقيح. فضلا عن انخفاض معدل الخصوبة الكلية من 18، 7 اطفال لكل امراة العام 1970 الى 5.25 اطفال في الفترة 1995- 2000 وذلك للانخفاض الواسع في مستوى المعيشة عما كان عليه قبل 1990 وانخفاض الناتج المحلي الاجمالي وتدمير قطاع الخدمات. وتضرر مخزونات الغذاء وتدمير وعدم صيانة شبكات الري والبزل وتوقف الحصول على الاسمدة والمبيدات.
لقد كان العراق قبل فرض العقوبات الدولية يعتمد في استيراد حاجاته الغذائية بنسبة 70 بالمئة ويخصص نسبة 34 بالمئة للغذاء من اجمالي استيراده اي بمعدل 3 مليارات دولار وكان يستورد 200 الف طن شهريا من الحبوب بعد فرض العقوبات الدولية لم يسمح له سوى باستيراد مقدار النصف وحسب مصادر اللجنة العربية لحقوق الانسان توفي خلال السنة الاولى من الحصار زهاء 11 الف شخص، فقد بلغ حجم التضخم 24000 بالمئة سنويا وارتفاع معدل اسعار السلع الاستهلاكية الى 850 مرة.
في قطاع الجامعات، لم يتحقق انجاز اية بناية جامعية وفقدت العملية التعليمية مستلزمات عملها الاساسية العملية التربوية ذلك ان هذا القطاع الحيوي بقي معزولاً عن كل ما يجري في العالم ولم يستطع الاستفادة من علاقات التعاون العلمي والثقافي مع جامعات العالم او الحصول على المجلات العلمية المتخصصة، فقد اثرت العقوبات الدولية على كل ماله علاقة بالثقافة والفن وانهيار قطاع السينما العراقية الناشئ، هذا الى جانب تقويض عمليات الاتصال بالعالم الخارجي وتحجيم مشاركة العراق في المؤتمرات والمعارض الدولية وعرقلة تواصله وتفاعله الثقافي، وتبين ان الحرب التي شنت على العراق كانت تهدف الابادة الجماعية، حيث تم استخدام 940 الف قذيفة 30 ملم تحتوي كل منها على 30 ملغرام من اليورانيوم المنضب، ومادة اليورانيوم المنضب سامة كيميائيا واشعاعيا حيث ادت الى تضاعف الاصابة بالامراض السرطانية، فان الامراض التي يسببها التعرض لليورانيوم المنضب تهدد حسب فترة الكمون التي تمتد الى سنة 2025 وقسم يمتد الى سنة 2040 المطلوب الان هو اخراج العراق من الفصل السابع بعد سقوط النظام السياسي دون قيد او شرط وذلك ان اغلب القطاعات الاساسية، النفط، والزراعة والطاقة والصرف الصحي تحتاج الى وقت طويل لاعادة تاهيلها، فضلا عن ذلك ان الوضع يمكن ان يتحسن بعد التعامل بعقلانية مع ملف التعويضات، والديون الخارجية وسياسات التنمية