This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

الدور السياسي للمجتمع المدني
13/08/2009

 

ميعاد جميل الطائي- الصباح
المجتمع المدني هو جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تعمل في ميادينها المختلفة من أجل تلبية الاحتياجات الملحة للمجتمعات المحلية وفى استقلال نسبي عن سلطة الدولة أي أن المجتمع المدني عبارة عن مؤسسات مدنية لا تمارس السلطة ولا تستهدف أرباحا اقتصادية ولكن لها دوراً سياسياً يتمثل في المساهمة في صياغة القرارات من موقعها خارج المؤسسات السياسية. ويعد النزاع بين النظم السياسية ومؤسسات المجتمع المدني حول دورها السياسي مؤشرا على أن مسألة تنظيم الحدود والاختصاصات في المجال العام مازالت مسألة غير محسومة في الواقع السياسي العراقي لكون الدولة من جهة ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى حديثة التكوين.

وبالرغم من الجهد المتعمد والمستمر من جانب الكثير من الدول لإخضاع المجتمع المدني وإفشاله فضلا عن أن التمويل الأجنبي قد أثر على أداء بعض مؤسساته بحيث جعلها تهتم بقضايا ثانوية ضمن أجندات تابعة أو مفتعلة فإن المجتمع المدني ما زال يلعب دورا سياسيا سواء فيما يخص القضايا السياسية والاقتصادية الداخلية أو القضايا المصيرية التي تتعلق بشؤون المواطن. غير أن دور المجتمع المدني يظل دون المستوى المطلوب من التأثير في قرارات النظام السياسي حتى الآن وهو ما يفرض على مؤسسات المجتمع المدني تطوير رؤيتها للعمل السياسي والبحث عن ميادين ووسائل جديدة من أجل الحصول على التأثير الهادف لفرض مطالب مؤسسات المجتمع المدني على النظام السياسي.
يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه: (مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها) هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير مثل المشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف .
يدخل في دائرة مؤسسات المجتمع المدني طبقا لهذا التعريف أي كيان مجتمعي منظم يقوم على العضوية المنتظمة تبعا للغرض العام أو المهنة أو العمل التطوعي وبالتالي فإن أهم مكونات المجتمع المدني هي :
النقابات المهنية، النقابات العمالية،- الحركات الاجتماعية،الجمعيات التعاونية ، الجمعيات الأهلية، نواد هيئات التدريس بالجامعات، النوادي الرياضية والاجتماعية ، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال ، المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر ، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية. وهناك من يضيف إلى هذه المنظمات هيئات تقليدية كالطرق الصوفية والأوقاف التي كانت بمثابة أساس المجتمع المدني في المجتمعات العربية منذ مئات السنين قبل ظهور المنظمات الحديث. وبذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني تختلف عن المؤسسات والأحزاب السياسية التي تسيطر أو تسعى للسيطرة على السلطة. نظرا لأنها تستهدف رعاية مصالح المجتمع والحد من تسلط الدولة على تلك المصالح وتستفيد منها ممارسة التطوير والإصلاح المستمر للدولة وكذلك مساعدتها في التنمية.
وتقوم مؤسسات المجتمع المدني بتقنين السلوك الاحتجاجي لأعضائها في مواجهة الدولة، أي أنها تدير الصراع الاجتماعي الذي يكون أعضاؤها طرفا فيه بشكل سلمي منظم؛حتى لو لجأت للإضراب أو الاعتصام والتظاهر ومن ثم تجنب الدولة مغبة الاحتجاجات العشوائية والغوغائية العنيفة، وبالمعنى نفسه فإن عضوية المواطنين في تنظيمات المجتمع المدني العلنية هي أحد صمامات الأمان المضادة لنزاعات التطرف الفكري والسلوكي. وإذا كانت تنظيمات المجتمع المدني هي التي تحصن الفرد ضد سطوة الدولة من جانب؛ وتحصن الدولة ضد الاضطرابات الاجتماعية العنيفة من جانب آخر فإن المجتمعات التي تسيطر عليها الدكتاتورية تشهد مواجهة حتمية وغير مريحة بين الطرفين ولابد أن ينتصر فيها أحد هما (القوى الاجتماعية أو الدولة) أو يتم التنازل من أجل خلق التوازن بين الدولة والمجتمع. ويشترط توافر بعض السمات لكي يكون المجتمع المدني فاعلا منها:-
حرية التشكيلات الذاتية والطوعية التي تهتم وترعى الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، الابتعاد عن الموافقة الرسمية في الأنشطة الطوعية وهذا لا يعني عدم الحصول على ترخيص لكن المقصود هنا أن مؤسسات المجتمع المدني تمارس نشاطها ضمن حدود الدستور ولكن دون تسلط الدولة.
* الاستقلال :- فالدولة التي تسعى إلى تركيز أمنها تمارس ضغوطا تزداد لتصبح تسلطا وشمولية خانقة لكل النشاطات الاجتماعية والمجتمع المدني الفاعل هو الذي يخلق التوازن بين سلطة الدولة وحقوق المجتمع وعليه فإن الدول المستقرة يكون لديها مجتمع مدني متنوع من منظمات شبابية وجمعيات مهنية ومؤسسات خيرية ودينية ودور صحافة ونشر غير خاضعة للرقابة.

الـحـريــة
المجتمع المدني يعتمد على الحضور المباشر في الساحة من خلال التفاعل المستمر مع القضايا المختلفة وتحول المهتمين نحو تأسيس منظمات طوعية.
*تعدد الموارد:-
كذلك تعد الموارد التي تمتلكها المؤسسات والجمعيات المكونة للمجتمع المدني، سواء كانت موارد معنوية أو مادية، من أهم متطلبات قيامه بدوره السياسي والاجتماعي وإدارة علاقته بالدولة بما يضمن استقلاله في مواجهتها وإذا كانت الموارد شحيحة أو قليلة فإن المجتمع المدني قد يضطر إلى اللجوء إلى الحكومة لطلب العون والمساعدة والتي يتبعها التدخل الحكومي في شؤون المنظمات التي تحصل على الدعم الحكومي كما يفتح أبواب الفساد الذي يصبح كالسوس الذي ينخر عظام المجتمع ويؤدي إلى انهياره.
الدور السياسي للمجتمع المدني
بالرغم من أن مؤسسات المجتمع المدني لا تسعى للوصول إلى السلطة فإنها تقوم بدور سياسي بارز يتمثل في تنمية ثقافة المشاركة بما يدعم قيم التحول الديمقراطي فضلاً عن قيامها بدور أساسي في تربية المواطنين وتدريبهم عملياً وإكسابهم خبرة الممارسة الديمقراطية وهناك أيضاً ما يتعلق بمهام المجتمع المدني في تطوير ثقافة شعبية لدى الناس تقوم على إعلاء أهمية تنظيم الجهود الذاتية والمبادرات التطوعية في صياغة تنظيمية خلاقة تؤدى إلى الارتقاء بالوعي السياسي وبالثقافة السياسية وبما يدفع الناس إلى المشاركة الجادة في صناعة القرار السياسي وفى التأثير على سياسات الدولة في مختلف المجالات أو ما يعرف بالسياسات العامة. والملاحظ أن النقابات المهنية تؤدى هذه الأدوار بشكل أكبر نسبيا - يليها جمعيات حقوق الإنسان ثم الجمعيات الأهلية التي تنخرط في العمل العام من خلال ما تقوم به من أنشطة تنموية - فقد تظهر هذه النقابات بوصفها منابر سياسية بديلة استطاعت اجتذاب واستيعاب جميع القوى السياسية التي عجز النظام السياسي عن استيعابها.
آفاق الدور السياسي للمجتمع المدني
هناك مجموعة من التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدها المجتمع العراقي أدت إلى أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني بعض الأدوار السياسية مثل: التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة في المجتمع خاصة مع سياسات الاصطلاح الاقتصادي وآليات السوق، وارتفاع درجة الاهتمام بقضايا الحريات وكتابة الدستور والتصويت عليه ومن ثم إجراء انتخابات عامة..
  لكن توجد بعض المعوقات أمام مؤسسات المجتمع المدني العراقي التي تمنعها من لعب دور سياسي فاعل ومؤثر في قرارات النظام السياسي وتتعلق هذه المعوقات باختلاف الأجندات نتيجة تدخل القوى الخارجية والممولة، والإعاقات المستمرة والقيود المفروضة من جانب النظام السياسي، فضلا عن عوائق داخلية تتعلق بمؤسسات المجتمع المدني ذاته مثل غياب الهدف الذي يفرض نفسه على جميع مؤسسات المجتمع المدني في العراق وغياب قيم الحريات والحوار وعدم كفاءة الأشخاص القائمين بهذا العمل.
فمن جهة أدت العولمة إلي إدخال تغييرات على خريطة المجتمع المدني حيث نلاحظ أن أساس هذه الخريطة حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين كان منظمات شعبية تعبر عن مصالح فئات اجتماعية معينة كالنقابات العمالية والمهنية والحركات الطلابية أو جمعيات أهلية خيرية وثقافية واجتماعية تقدم لأعضائها خدمات متنوعة كما تقدم خدماتها للفئات الضعيفة في المجتمع، أو أندية رياضية وثقافية واجتماعية تشبع احتياجات أعضائها لأنشطة متطورة في هذه المجالات، وكذلك الجمعيات التعاونية وجميعها كانت تحت سيطرة الدولة وتخدم مصالحها بصيغة أو بأخـرى.
لكـن العولمـة جاءت معها بقضايا جديدة ومشاكل جديدة مثل حماية البيئة من التلوث، والفقر، والهجرة واللاجئين وضحايا العنف والسكان الأصليين والمخدرات والإرهاب وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفولة وحقوق الأقليات الدينية والعرقية، وشجعت على قيام منظمات غير حكومية للتعامل معها مما أدى إلى قيام مئات الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الجديدة التي تنشط حول أهداف مفتتة وقضايا جزئية دون ارتباط بالأسباب المشتركة لهذه المشاكل الجزئية، ودون وضوح حول إمكانية التنسيق والتعاون بينها لمواجهة هذه الأسباب التي تعود بالأساس إلى كل من الاستبداد السياسي والعولمة الرأسمالية وسياساتها. ومن جهة أخرى فإن النظام السياسي يتدخل في مؤسسات المجتمع المدني ليس بهدف السيطرة عليها فقط وإنما ابتلاعها وإلحاق خطابها بخطابه وربما تجد مؤسسات المجتمع المدني في العراق بحكم تركيبتها إنها تنجرف بطريقة أو بأخرى وراء الخطاب السياسي للحكومة بحكم عدم الوعي من جهة او مجرد كسب ود الحكومة من جهة ثانية. ومن جهة أخرى هناك بعض المعوقات من جانب مؤسسات المجتمع المدني نفسها التي تمنعها من القيام بدور سياسي مؤثر مثل: الفلسفة الحاكمة للعمل الأهلي والتي تبدو حتى الآن قاصرة إلى حد كبير على الدور الخيري والخدمي فقط فضلا عن أوضاع الحريات داخل بعض مؤسسات المجتمع المدني والتي تشهد إعاقة للتعبير الديموقراطي على أعضائها أنفسهم وتكبيل حركتهم الذاتية في نفس الوقت الذي تنخفض فيه بدورها إلى مجرد العرضحالجى الذي يتوسل إلى النظام السياسي من أجل حل مشاكل فردية أو عارضة.
 إن دراسة واقع المجتمع المدني وأوليات مؤسساته في المرحلة السابقة، وتحليل الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يحكم عمل هذه المؤسسات. ورصد علاقتها بالنظام السياسي. كل ذلك لابد وأن يساهم في تحديد مقومات انطلاق العمل المدني في العراق الجديد ومنها: العمل على ترسيخ وتطوير ثقافة بناء المؤسسات، وتنمية الحوار والتعاون في المجتمع المدني ، فضلا عن البحث عن أنشطة وفعاليات جديدة تستطيع مؤسسات المجتمع المدني من خلالها أن يتسع نفوذها وتكون مؤثرة سياسيا. وفى ضوء ذلك فإن المطلوب من مؤسسات المجتمع المدني العمل على تطوير آليات الحركة والاتجاه نحو تخليق صيغة جديدة توفر المشاركة في صنع السياسات العامة وتستند لخدمة المجتمع من خلال خدمة مصالحها، فضلا عن القدرة على النقد الذاتي لتجاوز تلك المعوقات التي تحد من انطلاق المجتمع المدني، وهناك حاجة لتفعيل الوسائل الإعلامية والقضائية وإقامة علاقة دائمة مع الأجهزة الحكومية ليس فقط في القضايا الفئوية أو القضايا المصيرية التي تعنى بهموم فئة معينة وإنما أيضا في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالمجتمع إذ من الملاحظ أن دور المجتمع المدني يواجه تحديا كبيرا خصوصا وأن الإطار الاقتصادي والاجتماعي الذي نشأت في ظله مؤسساته في الوقت السابق يختلف عن الواقع الراهن وانه إذا كانت هناك مئات المطالب المتعلقة بالإصلاح فإن الإصلاح لن يحدث وحده دون أن يكون للمجتمع المدني دور في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وخاصة في ظل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة في العراق في ظل الظروف التي يمر بها والتي تتطلب أن تكون مؤسسات المجتمع المدني العراقي بمستوى المهام التي تنتظرها.

samawal2002@yahoo.com