This site uses cookies for analytics and personalized content. By continuing to browse this site, you agree to this use.
We have updated our Privacy Notice, click here for more information Acknowledged

د. كاظم حبيب: لابد للعراق أن يستفيد من التجارب الدولية في وضع قانون منظمات المجتمع المدني
01/09/2009

 

 

حاوره: كاظم غيلان- الصباح
يجيب المفكر د. كاظم حبيب عبر هذا الحوار على العديد من الأسئلة العالقة في ذهن المواطن العراقي من خلال بواعث قلقه ازاء كل ماهو شائك وغامض في مجريات اوضاع الراهن العراقي من خروقات في البنى الاقتصادية والاجتماعية ومن تجارب جديدة تحاول القوى المعادية زعزعتها وتقويضها مثلما يجيب وبلغة الدلائل المؤكدة عن خطورة الفساد الاداري والمالي التي من شأنها هي الأخرى أن تعيد صياغة الظلام.

ضعف القوى الديمقراطية
* ما هي رؤيتكم المستقبلية لآفاق التجربة الديمقراطية في عراق ما بعد 2003 وما أبرز معوقات نجاحها؟
كان الشعب العراقي أمام طريقين للخلاص من دكتاتورية صدام حسين ونظامه السياسي الفاشي:
كان الطريق الأول يفترض أن يمر عبر نضال الشعب وقواه السياسية المعارضة داخلياً ومن خلال تكامل الشرط الذاتي مع الشرط الموضوعي للإطاحة بالنظام السياسي الصدامي من جهة, وإسناد ودعم الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لهذا النضال من جهة أخرى. أما الطريق الثاني فكان يمر عبر قوى خارجية تطيح به وفق أجندتها السياسية تلتقي في بعضها مع أجندات القوى السياسية العراقية وتتعاون معها.
إلا أن الشعب العراقي وقواه السياسية في الداخل عجزا عن تحقيق مهمة الإطاحة بالنظام عبر الطريق الأول, فلم يبق أمام الشعب وقواه السياسية غير الطريق الثاني الذي حقق فعلاً الإطاحة بالنظام. ولم يكن ممكناً الخلاص منه, كما بدا للكثيرين, لولا الضربة الدولية. إن عدم تحقيق المهمة عبر الطريق الأول أكد بوضوح عدم نضج الظرف الذاتي, اي واقع ضعف قدرات المجتمع ووعيه ووعي قواه السياسية في الداخل على الخلاص من الدكتاتورية, إذ لم تكن مؤهلة لإنجاز مثل هذه المهمة الثقيلة. وهذه الحقيقة تجلت ووجدت تعبيرها في تداعيات الحرب وما اقترن بها من تجاوزات فظة وسقوط مؤسسة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية دفعة واحدة وتدمير البنية التحتية. وفي مثل هذه الحالة يكون بناء الديمقراطية عملية معقدة وصعبة جداً ومحفوفة بمخاطر جمة بخلاف سقوط النظام عبر القوى الداخلية ونضوج جميع الشروط الذاتية والموضوعية, إذ يكون الشعب وقواه السياسية قادرين على تحمل المسؤولية ويكونان بمستوى المهمة, كما حصل في بداية ثورة تموز من العام 1958, حيث تشابكت ايدي الشعب والمنتفضين العسكر لمواجهة احتمالات الردة وصفا ذهن الناس وحسنت نيتهم, بعكس ما حصل في أعقاب سقوط أعتى دكتاتورية في الشرق الأوسط والعالم حينذاك.
نقترب اليوم من السنة السابعة على سقوط النظام تحت ثقل الحرب الخارجية والسياسات الخاطئة التي مارستها الإدارة الأمريكية والقوى السياسية العراقية وسيادة النهج الطائفي السياسي اليميني المتطرف ما خلق أوضاعاً معقدة تنطلق من مبدأ المحاصصة الطائفية التي سادت في مؤسسات الدولة الهشة والنظام السياسي الطائفي. وشهد العراق احتراباً شديداً وصراعاً حاداً حول السلطة والنفوذ أو الجاه والمال واختلط كل ذلك بنشاط متسارع ومتفاقم لقوى إرهابية دموية كانت تريد إشعال حرب طائفية والهيمنة على الوضع في العراق. وزاد الطين بلة ضعف القوى الديمقراطية العراقية بكل فصائلها لأسباب لم تعد مجهولة على الجميع وضعف وعيها وعجزها عن إيجاد قواسم مشتركة في ما بينها للتعاون والتنسيق والتكامل في النضال.
العراق جزء من منطقة الشرق الأوسط والعالم. ولا بد لمسيرة العالم في القرن الحادي والعشرين أن تفرض من الناحية المبدئية مسيرة ديمقراطية في العراق على المدى الأبعد. ولكن هذه العملية بحاجة إلى من يناضل من أجلها ويدفع بها, إذ أنها ليست عملية ميكانيكية أو عفوية. لقد عاش العراق ولا يزال في أجواء ردة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية رجعية مرعبة, إضافة إلى انهيار اخلاقي أو قيمي ونفسي وبيئيٍ كبير. ولن نتخلص من هذا الواقع الجديد بسهولة خاصة وأن العراق يعيش تحالفاً سياسياً معقداً, تحالفاً يجمع بين أغلب شيوخ العشائر مع أغلب المؤسسات الدينية الشيعية والسنية في ظل علاقات إنتاجية متخلفة في الريف وتجلياتها الصارخة في حياة المدينة والجماعات المهمشة فيها, ومع جيران يسعى البعض الكثير منهم إلى إعاقة المسيرة الديمقراطية ويعمل على فرض هذه الطائفية السياسية أو تلك عليه, فالعراق اليوم لا يزال بين حانة ومانة, ونأمل أن لا يفقد وجهته الديمقراطية الضرورية لبناء بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب, إذ لن ينفع العراق سوى شعار "الدين لله والوطن للجميع. إن عملية التغيير والتوجه صوب بناء المجتمع المدني الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية ليست عملية سهلة ولن تتحقق من فوق, بل هي عملية اجتماعية - اقتصادية, وسياسية - ثقافية. وهذا يعني لا بد من النضال على عدة جبهات في آن واحد, أي النضال على الجبهات التالية:
1. الجبهة السياسية:
السعي لإقامة علاقات متينة سليمة مع فئات المجتمع العراقي من خلال تبني مطاليبه اليومية المشروعة والنضال المطلبي بكل أساليبه وأدواته السلمية والديمقراطية لتعزيز العلاقة بالناس وكسب ثقتها واحترامها من جانب قوى التيار الديمقراطي.
العمل من أجل إيجاد تحالف سياسي بين قوى التيار الديمقراطي وفق برنامج مطلبي شعبي يؤهله لتعبئة الناس حوله وكسب ثقة وصوت الناخبة والناخب في العراق.
اختيار أساليب وأدوات النضال المناسبة وتنشيط الجماهير الشعبية في القطاعات المختلفة للدفاع عن مصالحها وحياتها اليومية ومن أجل العمل والخدمات الضرورية. وليس غريباً على المجتمعات أن تعمد إلى الإضراب والمظاهرة السلمية لتحقيق المصالح.
رفض الطائفية والفكر الشوفيني وضيق الأفق القومي والعمل على تكريس مبدأ المواطنة الحرة, دون الإساءة إلى الهويات الثانوية التي يفترض أن لا تؤثر بأي حال على مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية للفرد العراقي رجلاً كان أم امرأة ومن اية قومية انحدر أو إلى أي دين أو مذهب انتسب.
رفض تدخل قوى ودول الجوار في الشؤون العراقية والسعي لتعطيل نشاط القوى المؤيدة لدول الجوار سياسياً والراغبة في نشر الفوضى والعبثية في البلاد.
2.الجبهة الاقتصادية:
وضع استراتيجية تنموية عامة وشاملة لاستخدام موارد النفط لصالح تغيير بنية الدخل القومي على المدى المتوسط والبعيد.
النضال من أجل تنظيم التجارة الخارجية ووضعها في خدمة التنمية الاقتصادية والبشرية وإشباع حاجات السكان وتخليص العراق من طابعه الريعي الاستهلاكي الراهن.
الدعوة الجادة والنضال الفعلي من أجل تحديث الزراعة في العراق والتصنيع الحديث, إذ بدونهما يصعب تغيير واقع العراق الزراعي والعشائري المتخلف, ويصعب حقاً بناء مجتمع مدني حديث وديمقراطي ودولة مدنية ديمقراطية قوية.
توفير الخدمات الأساسية للشعب كله وخاصة للفئات الكادحة من المجتمع في المدينة والريف التي تعاني اليوم الأمرين من انقطاع التيار الكهربائي أو نقص الماء الصافي للشرب أو قلة الرعاية الصحية أو نقص التعليم والمدارس, بدلاً من مواصلة تحسين مستوى حياة الأغنياء على حساب الفقراء والمهمشين في المجتمع, أو بناء ترسانة عسكرية جديدة في البلاد.
إعادة النظر بالسياسة النفطية العراقية من خلال تأمين التحديث لأجهزتها وقنوات تسويقها دولياً, ومن خلال توجيه موارد النفط المالية صوب التنمية الاقتصادية والبشرية لتغيير بنية اقتصاد الوطني وبنية المجتمع الطبقية في آن, إضافة إلى  تغيير وعي الإنسان وموقفه من العمل والوقت والاقتصاد والقانون.
مكافحة الفساد المالي والإداري اللذين ينخران اليوم في كيان الدولة والمجتمع ويعطلان عملية التنمية الاقتصادية والبشرية في آن معا.
3. الجبهة الثقافية:
تأمين الحرية الأكاديمية وحرية الصحافة والنشر وحماية الإنسان من المحاربة بالرزق أو السجن أو التعذيب أو القتل واحترام حقوقه كاملة غير منقوصة.
العمل من أجل إجراء تغيير علمي وعملي في مجالات واتجاهات التربية والتعليم والمناهج التدريسية والتخلص من الفكر القومي الشوفيني والفكر الديني المتخلف والفكر الطائفي السياسي المقيت.
تأمين الحرية الكاملة للنشاط الثقافي والاعتراف بدور الثقافة والمثقفات والمثقفين في حياة المجتمع وبناء الإنسان العراقي الجديد والقيم الديمقراطية الحديثة والدولة المدنية الديمقراطية. كما يفترض وضع الثقافة في متناول الإنسان العراقي.
إن أبرز معوقات بناء المجتمع الديمقراطي والدولة الديمقراطية في العراق, إضافة إلى ما ذكر في أعلاه, تتجلى في تلك التركة الثقيلة للنظام الفاشي الصدامي وما أنتجه من تناقضات وصراعات قومية ودينية ومذهبية وفكرية وسياسية والتي يعاد إنتاجها بطرق مختلفة حالياً وباساليب وأدوات أخرى ولكن من خلال بعض سياسات الحكم وبعض الفئات الحاكمة وأحزابها السياسية والإيديولوجيات التي تلتزم بها وتريد فرضها على حياة الناس. كما تتبلور تلك المعوقات في التخلف الفكري وتخلف الوعي الاجتماعي والديني والسياسي وسيادة العلاقات المتخلفة في الريف, إضافة إلى سيادة الطائفية ودور وتأثير المؤسسة الدينية وتدخلها المستمر في الحياة السياسية العراقية وتأثيرها على الحكام من وجهة نظر دينية ومذهبية متشددة. كما أنها تكمن في مواصلة إضعاف دور المثقفة والمثقف الديمقراطيين في العراق وإبعادهما عن نقطة الضوء الضرورية للبدء ببناء الفرد والمجتمع في العراق من جانب الحكم وبعض الأحزاب السياسية.

المادة(140)الحل الدستوري
*من المشاكل العالقة الآن على المستوى السياسي قضية كركوك المتنازع عليها, ما الحلول الموضوعية اللازمة لها من وجهة نظركم؟
تعتبر قضية كركوك واحدة من أعقد المشكلات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة, رغم أن الحل قد وضع اساسه في الدستور العراقي الجديد. وسبب التعقيد في هذه القضية ناشئ عن خمسة عوامل أساسية, وهي.
ـ السياسات التي مارستها حكومات النظام الملكي حين وجهت جمهرة من عائلات العشائر العراقية إلى الحويجة للسكن فيها وبدأت بتغيير بنية السكان في لواء كركوك, كما اتفقت مع شركات النفط الاحتكارية الأجنبية على تعيين العرب والكلدان والآشوريين وتقليص تعيين الكُرد والتركمان في منشآت هذه الشركة, بأمل زيادة عدد العائلات العربية على حساب العائلات الكُردية والتركمانية.
ـ ثم تواصلت هذه السياسة في العهود القومية والبعثية, ولكن بشكل خاص في العهد البعثي الثاني حيث مورست سياسة التعريب القسري ثم التهجير القسري للسكان الكرد بشكل خاص ومن ثم السكان التركمان, إضافة إلى القتل الهمجي الذي تجلى في أحداث ومجازر الأنفال وحلبجة ضد الكُرد على نحو خاص.
ـ تنشيط وتسريع عملية إسكان العائلات العربية التي رحلت قسراً محل العائلات الكُردية والتُركمانية التي هُجّرت قسراً من محافظة ومدينة كركوك. وقد منح النظام العائلات العربية المرحلة على كركوك الكثير من المكاسب لتبقى فيها. وقد تم بذلك سلب أراضي ودور الكُرد والتركمان المهجرين.
المعاناة الكبيرة التي تعرضت لها العائلات المهجرة من الكرد على نحو خاص وزيادة التوتر بين سكانها قبل وبعد سقوط النظام, خاصة تلك الرغبة الجامحة لدى المهجرين في العودة إلى مناطق سكناهم التي هجروا منها قسراً, وربما الانتقام ممن احتل أرضه أو داره
-لقد صرف صدام حسين وحزبه الكثير من أموال الشعب ليحول الكثير من تلك العائلات العربية إلى قوى اجتماعية مساندة لحزب البعث ولنهجه الشوفيني وسياساته المناهضة لأتباع القوميات الأخرى, مما زاد في تعقيد العلاقة بين القوميات العديدة القاطنة في كركوك. ومن يتابع نشاط بعض القوى العربية في كركوك يتعرف على كونهم من اشد القوى القومية الشوفينية والبعثية خصومة للقوميات الأخرى, رغم محاولتهم التحالف مع التركمان الذين اضطهدوهم قبل ذاك ليكونوا ضد الكُرد. وقد ارتكب الكُرد العديد من الأخطاء منذ بدء محاولة حل هذه المشكلة, ولكنها ليست المسألة أو المشكلة الأساسية في ما يحصل الآن هناك.
من الناحية التاريخية يعتبر الكُرد والآشوريون والكلدان من أقدم سكان المنطقة ثم يليهم العرب وفيما بعد التركمان. فمع الفتح الإسلامي دخل العرب إلى المنطقة, ومنها كركوك, ومع وجود الدولة الإسلامية وخاصة العباسية نزحت العشائر التركمانية إلى العراق وعملت أساساً في القوات العسكرية العباسية وشكلت في فترة ما دويلاتها المعروفة لنا بين سقوط الدولة العباسية في العام 258م ودخول الدولة العثمانية إلى العراق. والمنطقة من الناحية الجغرافية والبيئية تشكل جزءاً من إقليم كردستان الجنوبي.
واليوم يسكن في هذه المدينة خليط من السكان الكُرد والتركمان والعرب والكلدان والآشوريين. وحين الاعتماد على  إحصاء العام 1957م تبين لنا بأن السكان الكُرد هم الأكثرية ثم يليهم السكان التركمان فالعرب. وكركوك كانت عاصمة ولاية شهرزور في إطار الدولة العثمانية في فترة إمارة ملا محمد الشهرزوري, والتي أصبحت فيما بعد ولاية الموصل.
وضعت المادة 140 حلاً دستورياً لهذه المسألة وعلينا جميعاً الالتزام بها بغض النظر عن رأي كل منا في هذا الدستور أو هذه المادة. والحل يتطلب عدة إجراءات لا بد من الالتزام بتطبيقها. ومن المؤسف أن يجري التسويف المستمر مما يعقد القضية ولا يحلها.
وبصدد إقليم وشعب كردستان فأنا ومنذ التزامي بفكر وسياسة الحزب الشيوعي العراقي, حتى بعد أن أصبحت مستقلاً سياسياً عن الحزب, ولكني يساري ومادي جدلي الفكر والتوجه, أعرف أن من حق الشعب الكردي تقرير مصيره بنفسه, وأويد طموحه من أجل الوحدة والدولة الواحدة, كما أؤيد الوحدة العربية والدولة العربية الواحدة, وكلاهما حلم الأمتين الكردية والعربية, ولكنهما يبقيان حلمين ولفترة طويلة جداً. ولكني أدرك ايضاً بأن الخارطة السياسية غير قابلة للتغيير حالياً ولعقود قادمة, كما أن الشعب الكردي إذا ما حصل على حقوقه المشروعة والعادلة, فلن يفكر بالانفصال عن القسم العربي من العراق, بل أن القسمين يشكلان الجمهورية العراقية الاتحادية الديمقراطية الموحدة. مدينة كركوك مدينة كردستانية من حيث الجغرافيا ومدينة عراقية من حيث تعدد القوميات القاطنة فيها, وهي بالتالي لكل العراقيات والعراقيين, على أن تحسم المادة 140 الخلاف الحاصل بشأنها. لا يجوز جرجرة قضية كركوك لأنها محملة ببارود شديد الانفجار على مستوى العراق كله, وبالتالي لا بد من معالجة القضية وفق الدستور ولصالح وحدة العراق وتفويت الفرصة على الشوفينيين وضيقي الأفق من إشاعة الفوضى ونزيف الدم في العراق. وحين يؤجل الإحصاء السكاني هناك فهو دليل جديد على وجود قوى تريد إعاقة تنفيذ نص المادة 140, وفي هذا تأجيج للمشاعر وتأليب غير مباشر على الوضع ذاته, ومنح من يريد الصيد بالماء العكر الفرصة لتأليب البعص على البعض الآخر.

العصب المستقل
* تجربة منظمات المجتمع المدني التي شهدها عراق ما بعد التغيير هل ستسهم في بناء عراق جديد تنعم به الأجيال اللاحقة؟
:يعتبر نشوء وتطور منظمات المجتمع المدني في العراق ظاهرة صحية. وقد بدأت في العشرينيات من القرن العشرين مستفيدة من أفراد الجيش البريطاني حين بدؤوا بتشكيل النوادي والنشاطات الثقافية. وقد وجدت مثل هذه المنظمات في بغداد والبصرة وفيما بعد في الموصل وفي مدن عراقية أخرى. وقد تكونت للشعب العراقي خبرة لا بأس بها في تكوين مثل هذه المنظمات في العهد الملكي, رغم المصاعب التي كانت تواجهها من جانب الحكومة, ومنها النقابات والاتحادات والجمعيات الرياضية والفنية والنوادي الثقافية ..الخ. ثم كان الهجوم الشرس على هذه المنظمات في العهد القومي والبعثي الاستبدادي الأول ومن ثم العهد البعثي الثاني على نحو خاص الذي حلّ أو فرغ ما وجد من هذه المنظمات من محتواها الأساسي وحولها إلى بيادق بيد النظام لتركيع الأعضاء لصالح سياسات ومواقف النظام.
وبعد سقوط النظام نشأت عشرات التنظيمات المدنية التي تسعى إلى أثبات وجودها في الساحة العراقية. نحن الآن أمام مجموعة كبيرة من منظمات المجتمع المدني. بعضها قد أسس من قبل كوادر حزبية سياسية لتكون في خدمة سياسات تلك الأحزاب, وبعضها أسس لصالح قوى إسلامية سياسية ومجموعات دينية لتخدم أغراضاً معينة داخلية أو إقليمية أو دولية. وبعضها الآخر تأسس بصورة مستقلة يعمل في المجالات الثقافية والفنون الإبداعية والنشاطات الاجتماعية والرياضية, ومنظمات الشباب والمرأة والطلبة والنقابات العمالية والجمعيات الفلاحية ...الخ. وهي منظمات مجتمع مدني ضرورية ومهمة في آن تشكل مثل هذه المنظمات العصب المستقل والحساس في المجتمع المدني الديمقراطي وفي الدولة المدنية الديمقراطية لتكون عوناً لأعضائها من جهة, وعوناً للحكومة الديمقراطية أو ناقداً ومعارضاً لها حين تبتعد عن طريقها السّوي وعن القيم والسياسات الديمقراطية.
تتبلور مهمات منظمات المجتمع المدني في تعبئة فئات المجتمع من اختصاصات ومجالات مختلفة لا دفاعاً عن مصالح أعضائها فحسب, بل وعن مصالح المجتمع بأسره وعن تأمين الحياة الحرة والديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية إضافة إلى حقوق المرأة ومساواتها بالرجل وحقوق الطفل والمعاقين في المجتمع. ونشاط مثل هذه المنظمات يتكامل ويتطور في مجتمع مدني ديمقراطي وفي دولة مدنية ديمقراطية. وإذ لا يحق للدولة التدخل في شؤون هذه المنظمات, بل يفترض أن تكون مستقلة في تكوينها ومستقلة في أهدافها ومواقفها, يفترض فيها, أي في الدولة الديمقراطية وفي نظام الحكم الديمقراطي وأجهزته التشريعية والتنفيذية والقضائية, دعم وتأييد وإسناد نشاط هذه المنظمات والمساعدة في التوعية والتنوير والالتزام بالدستور والقوانين ونشر ثقافة الحوار السلمي والديمقراطي والابتعاد عن الحرب والقوة وممارسة العنف في المجتمع وفي حل المشكلات التي تواجه فئات وقوى المجتمع.
ولا بد للعراق أن يستفيد من التجارب الدولية في وضع قانون منظمات المجتمع المدني. وضعت حكومة إقليم كردستان العراق قانوناً جديداً وجيداً لتكوين منظمات المجتمع المدني وضمان حريتها واستقلاليتها من الناحية النظرية, في حين تفتقد مسيرة العراق حتى الآن لقانون جيد. طرحت الحكومة العراقية مسودة قانون يحتوي على  الكثير من المثالب والنواقص والاختلالات التي تضيع على المجتمع فرصة وجود منظمات مجتمع مدني جيدة ومستقلة وفاعلة لصالح المجتمع والدولة في آن. الرؤية التي حكمت وضع هذا القانون على مستوى العراق ليست ديمقراطية ولا مدنية, وهما بالأساس بحاجة إلى تغيير وتطوير. لا شك في أن منظمات المجتمع المدني الديمقراطية لا يمكنها أن تحل محل الأحزاب السياسية, التي تعتبر جزءاً من منظمات المجتمع المدني الديمقراطي, بل هي مكملة لمهمات ونشاط الأحزاب, سواء التي في الحكم أم خارج الحكم, ولكنها مستقلة عنها حتى لو كانت من حيث الفكر والمواقف قريبة منها.
إن وجود منظمات في المجتمع المدني لا يعني بالضرورة أن هذه المنظمات ديمقراطية, كما لا يعني أن النظام القائم ديمقراطي, بل أن المحك يبرز في مدى ممارسة هذه المنظمات سياسات ومواقف ديمقراطية مستقلة, وفي مدى  ممارسة النظام القائم سياسات ديمقراطية تسمح بأشباع هذه المنظمات والمجتمع لدورهما في البلاد.
لقد وجدت منظمات جماهيرية في ظل الفاشية والنازية, ولكنها كانت منظمات فاشية غير ديمقراطية وغير مدنية. ولهذا لا يكفي الحديث عن نظام مدني ومجتمع مدني ومنظمات مجتمع مدني, بل يفترض الحديث عن نظام مدني ديمقراطي ومجتمع مدني ديمقراطي ومنظمات مجتمع مدني ديمقراطية واعية وتمارس الديمقراطية باستقلالية عالية.
الرشوة قاعدة وليست استثناء
*هناك ملفات فساد إداري - مالي تثار بين الحين والآخر على مستوى الحكومة ومجلس النواب, هذه الملفات ما مدى تأثيرها على البنية الاقتصادية في العراق, وما أبرز الحلول القانونية الإجرائية لإنهائها؟
: وجود ملفات فساد في بلد ما لا يدعو إلى التطير, فإمكانية معالجة هذه الملفات أمر ممكن لو حسنت النية وأمكن تأمين محاسبة جادة من خلال مؤسسات الدولة الديمقراطية. فالكثير من الدول الديمقراطية الغربية توجد الكثير من ملفات الفساد, ولكنها تكتشف وتعالج بسبب وجود مؤسساتومجتمع مدني ديمقراطي.
ولكن المشكلة تكون كبيرة ويصعب معالجتها حين يصبح الفساد المالي والإداري نظاماً قائماً ومعمولاً به على مستوى الدولة والأحزاب والقوى والجماعات والمجتمع. وهذه الحالة هي القائمة في العراق منذ العقد الثامن من القرن الماضي وفي عهد البكر- صدام حسين. ثم تفاقم في الثمانينيات والتسعينيات بشكل أخص مع فرض الحصار الدولي وحتى سقوط النظام. إلا أن وجود الشركات الأمريكية في العراق وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها ثم وجود مؤسسات غير ديمقراطية وغير حرة كما يفترض أن تكون ولا تمارس صلاحياتها بالوجه المطلوب وغياب دور النقد الفعال والملموس, كلها ظواهر فاقمت من قضية الفساد واصبح  الفساد المالي والإداري نظاماً قائماً بذاته, وتعتبر المحاصصة الطائفية في المال والإدارة شكلاً من اشكاله, نظاماً سائداً في العراق ما بعد السقوط. وهنا تكمن صعوبة مكافحة هذا النظام, إذ أنه أصبح نظاماً متشابكاً بنظام الحكم والدولة التي لا تزال غير قائمة على مؤسسات دستورية ديمقراطية حرة ومستقلة عن بعضها وفاعلة.لقد فتح الوجود الأمريكي في العراق عبر شركاته الخاصة المدعمة بسياسات حكومة جورج دبليو بوش بأعمال مخزية في مجال الفساد المالي والإداري, إضافة إلى مصادرة حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات, ومنها معتقل ابو غريب الشهير بأفعاله غير الشريفة والهمجية. لقد اصبحت الرشوة قاعدة وليست استثناءً ومن لا يدفع يدان وليس من يقبض هو المدان. يعيش الشعب هذا في كل خطوة من خطوات المواطن في دوائر الدولة دون استثناءات مهمة, والكثير من اصحاب اللحى أكثر شراهة في أخذ الرشوة من أولئك غير الملتحين, إذ أن اللحية تغطي, كما يعتقدون, على ما يتسلمونه من رشاوى. الفساد المالي والإداري يدمر الدولة ونظام الحكم, ويسيء أكبر إساءة ممكنة للمواطن الفرد وللمجتمع ولعملية التنمية الاقتصادية والبشرية. إنه نهب لموارد الدولة العينية والمالية من جهة, وهو تخريب في مجال منع الكفاءات من احتلال مواقعها في أجهزة الدولة والاقتصاد الوطني لصالح جماعات فاسدة أو توزيع محاصصي حزبي وديني ومذهبي وسياسي وبعيداً كل البعد عن المصالح الوطنية من جهة أخرى.إن الفساد المالي والإداري يقرم الموارد المالية المخصصة للمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية أو للخدمات العامة من خلال مراحل مختلفة, وحين يصل المبلغ إلى التنفيذ يكون قد تقلص إلى العشر أو إلى أقل من الربع, وبالتالي يكون البناء أو التجهيز سيئاً ومعرضاً للإنهيار أو العطل أو عدم الاستفادة منه أصلاً, وهو في كل الأحوال تفريط بأموال الشعب. لقد تعرض العراق لنهب كبير, الحكومة ومن يعمل في "النزاهة" يعرف الكثير عما حصل ويحصل في العراق في هذا المجال. ويحق لنا ان نقول بأن بعض حُمات أموال الشعب هم سراقها وبصيغ مختلفة, والشعب يردد "حاميها حراميها.يقول السيد رئيس الوزراء بوجود فساد, ولكن ليس بهذه الدرجة! ولكن لا أدري أية درجة مقبولة وأخرى غير مقبولة في مجال الفساد المالي والإداري. لقد وجد الفساد وتفاقم ولم ينته حتى الآن, بل هو متفاقم رغم وجود ملفات عالقة! وربما ستبقى عالقة إن أفضل معالجة تبرز في التحري عن أهل الدار, عمن يحيط بأهل البيت, أي عن قوى الأحزاب وقوى الحكومة وأجهزتها والوسطاء. حين يقتل شخص ما أو تغتصب امرأة, تبدأ الشرطة وأجهزة المباحث في أوروبا في التحري عن الجاني من بين افراد العائلة او الجيران, وغالباً ما تجد الفاعل في هذا المحيط الذي تحرت عنه. وأفضل عمل تقوم به الحكومة هو التحري عن الفاسدين والمفسدين بين الوزراء والمستشارين والخبراء والمدراء العامين والمدراء, عندها ستجدهم حتماً, ولكن من يفتش عنهم يفترض أن يكون أبيض اليدين ونظيف الضمير لا يعرف في الحق لومة لائم.أسوق للقارئات والقراء نموذجاً صغيراً في هذا المجال: راجعت قبل عامين دائرة الضريبة في إحدى دوائر ضريبة العقار في أحد أحياء بغداد. كان عليّ أن أدفع ضريبة عن شخص كان المفروض أن يدفعها. ولكي أعجل بالمعاملة وافقت على دفع الضريبة عن داري التي كانت مصادرة منذ العام 1980 وكان تسكنها عائلة لرجل أمن عراقي صدامي. وفي دائرة الضريبة اقترب موظف في الدائرة من المحامي الذي التزم قضية داري المصادرة وسأله إن كنت أنا الدكتور كاظم حبيب عضو المكتب السياسي سابقاً في "حزبنا الشيوعي العراقي" حسب تعبير الموظف ذاته. فقال له المحامي نعم هذا صحيح. فجاء وسلم عليّ مرحباً بوجودي في بغداد. وانتهت القضية. وحين خرجت قال لي المحامي أن كل الموظفين الذين ارتبطت معاملتي بهم طلبوا مبالغ صغيرة, إلا الذي اشار إلى معرفته بي وشخص كوني كنت عضواً في مكتب "حزبه" السياسي, فقد طلب مبلغا أكبر دفعه له المحامي. أورد هذه القضية لكي أشير بأن ليس هناك من هو محمي من فساد ساد في البلاد وشمل العباد, إذ بدون دفع الرشوة تتعطل أمور الناس كلها. والحاجة أم الاختراع! وهذا المثل يؤكد بأن الرشوة لم تعد ظواهر متفرقة يمارسها البعض القليل, بل نظاماً قائماً ومعمولاً ومعترفاً به في آن. تبدأ النظافة في المجتمع من اشباع حاجات الناس, من غياب البطالة والحرمان, من التربية والتعليم في المدارس ومن التثقيف والتنوير الذي يفترض أن ينهض به اساتذة شرفاء لا يبيعون الدرجات والشهادات بالمال والسحت الحرام, وقضاة لا يقبلون الذهب لحسم الأمور لمن يدفع أكثر, ولا جهاز دولة يعطل المعاملات حتى  يدفع ما يطلبه الموظف. إذهبوا إلى دائرة الجوازات, إلى دائرة العقاري, إلى دوائر التقاعد, إلى دوائر الدولة الأخرى وأجهزة الشرطة ووإلى السجون والمواقف وإلى أجهزة الأمن.. الخ, لتعيشوا التجربة بأنفسكم.محاربة الفساد عملية معقدة ولكنها تبدأ من القمة وليس من القاعدة, إذ تبدأ رائحة السمك الفاسد من الرأس لا من الذيل. لا أشكك بأحد وليست في نيتي الإساءة لأحد, ولكن التجربة الشعبية تقول والشواهد تؤكد ذلك. حين احتدم النقاش بين بعض النواب ونوري السعيد تحداهم بالقول استقيلوا من مجلس النواب ولنعيد الانتخابات ورشحوا أنفسكم, فسوف لن يفوز أي منكم إن لم تسنده الحكومة. وهذا يعني أن الحكومة الفاسدة ستجلب نواباً فاسدين دون أدنى ريب. والبطانيات الموزعة تجلب أصواتاً لمن لا يستحق الصوت ولكن الحاجة تدفع من حصل على البطانية إلى منح صوته لمن لا يستحق .. وهكذا دواليك.