في قافلة نظمتها جمعية رسالة الخيرية
هبه زكريا-اسلام اون لاين.نت
الوادي الجديد (مصر)- رغم الغبار الذي عشش بشعره وملامحه، لا تزال مظاهر يسر الحال تتبدى على وجه الفتى العشريني الذي يغمر العرق وجهه ويحرق عينيه المتطلعتين في شوق إلى مبرد الماء المنتصب أمامه متحديا الظمأ المعربد بداخله، وشفاهه المتشققة تهفو إلى قطرة ماء، فيما تطارده سياط شمس الصحراء اللاهبة.
وفي تصميم يعرض الفتى عن إغراء الماء ماضيًا في طريق صومه وهو يردد: "لن أضيع أجر 5 أيام من أجل كوب ماء.. فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
المشهد السابق لا يخص شخصا بعينه وإنما هو حالة عايشها نحو 175 شابا وفتاة تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عامًا انطلقوا منذ مساء الخميس 27- 8- 2009 من مقر جمعية رسالة بمحافظة 6 أكتوبر، جنوب غرب القاهرة، في قافلة خيرية إلى الواحات الداخلة والخارجة بمحافظة الوادي الجديد جنوبي الصحراء الغربية لمصر.
وعلى مدار 3 أيام متواصلة -بدءًا من الجمعة وحتى مساء الأحد 30-8-2009- راح المتطوعون الذين زادهم شهر رمضان حماسة ورغبة في عمل الخير يجوبون القرى والكفور؛ حيث تم توزيع 800 شنطة رمضانية على أسر فقيرة، وتجهيز 50 عروسة بغسالات وبوتاجازات، وتوزيع 40 غسالة وبوتاجازًا على أسر محتاجة.
كما تم توزيع 100 مرتبة و250 بطانية، وبناء 13 سقفا لبيوت كانت مسقفة بجريد النخل، ومد نحو 30 مترا من وصلات المياه، وبناء حمامين، وإقامة نحو 5 قوافل طبية استقبلت 1040 كشفا، وعدد من المعارض التي كانت تبيع الملابس بأسعار تتراوح بين جنيه وثلاثة جنيهات (0.2 إلى 0.55 دولار)؛ وذلك رغم العديد من العقبات التي واجهت القافلة، بحسب القائمين عليها.
يركضون خلف الخير
كانت البداية بمقر "رسالة" مساء الخميس؛ حيث اجتمع أكثر من 300 متطوع قد سجلوا أسماءهم لقافلة الواحات، وقد غشيتهم حالة من الترقب، ومسئولو القافلة ينادون أسماء من وقع عليهم الاختيار للسفر بالفعل.
فريدة طالبة الفرقة الثانية بقسم الاجتماع بكلية الآداب راحت تردد في همس: "يا رب.. يا رب.. يا رب يختاروني"، وبسؤالها عن تلك اللهفة التي تستبد بها للمشاركة في القافلة تقول: "شاهدت صورا وفيديو وحكى لي زملائي المتطوعون عن قافلة الواحات البحرية التي انطلقت فبراير الماضي".
وتتابع: "منذ ذاك وأنا في شوق للمشاركة في قافلة مثلها؛ فقد كانت رائعة بكل المقاييس.. زغاريد العرائس.. وفرحة الناس.. ومنظر الشباب وهم "مموتين نفسهم" في العمل لله، فما بالك بتلك القافلة التي تخرج في رمضان".
محمد صالح (20 عامًا) راح يركض خلف حافلة الشباب وهي تستعد للانطلاق نحو الواحات، حتى تمكن من إيقافها والصعود على متنها وفرحة غامرة تملؤه لأنه تمكن من المشاركة بعد أن فقد الأمل في ذلك، على حد قوله.
ويضيف: "علمت بالقافلة يوم الثلاثاء، فاتصلت بصديق لي في الجمعية فأخبرني أن باب التقدم قد أغلق ووضعني على قائمة الانتظار، وكان مقررًا للقافلة أن تنطلق الساعة 9 مساء الخميس، ورحت أترقب اتصال صديقي حتى العاشرة والنصف وبعدها فقدت الأمل فتوجهت للنادي، وقبل أن أدخل أتتني مكالمته الساعة 11.30 وطلب مني أن ألتقيه عند مقر الجمعية خلال ثلث ساعة فقط، والحمد لله وفقت".
أما أحمد عادل (21 عاما) مسئول لجنة القوافل فيوضح ضوابط اختيار المتطوعين قائلا: "الأولوية طبعًا بأسبقية التسجيل، وبالنسبة للفتيات تكون لمن لديها محرم مشارك، وإذا لم يكف عدد الفتيات ذوي المحارم نستكمله بأخريات ونوضح لهن أن عليهن أن يستفتين أولا، وكذلك يتم استبعاد من لوحظ عدم جديته خلال مشاركته في قوافل سابقة".
شهيد الخير
وبينما غمرت الفرحة 175 متطوعا وهم يتوجهون نحو الحافلات انصرف 125 آخرون وأعين كثيرين منهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا فرصة للمشاركة في القافلة الخيرية، التي زادها رمضان تألقا، فلا تجد بين المتطوعين خلال 15 ساعة استغرقتهم رحلة الذهاب إلا من يقرأ القرآن أو يستغفر، وبين حين وآخر يرتفع صوت أحدهم: "ازرعوا نخلة يا شباب" فيرددون جميعا: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".
وخلال الرحلة يؤكد كل مسئول حافلة على الشباب ما يلي: "لا تتعالوا على من توزعون عليهم المساعدات، لا تتركوهم إلا وقد رسمتم على وجوههم البسمة، خاطبوا النساء بـ(يا أمي) والرجال بـ(يا والدي)، قدموا لهم شنطة رمضان بيديكم الاثنتين لا بأطراف أصابعكم، قبلوا رءوسهم وأيديهم إن استطعتم فأنتم من بحاجة إليهم لا هم من بحاجة إليكم، لا تدخل الفتيات المنزل إن لم تكن فيه سيدة، ولا يدخل الشباب إذا لم يكن هناك رجل".
ويختتم أحد المنظمين نصائحه بقوله: "جددوا النية دائمًا يا شباب.. أنا شخصيًّا أتمنى أن أموت شهيدا، وأستمد نيتي هذه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار»".
الثعابين أرحم من المطر!
13 سقفا -من بين 25 كانوا مقررين- بناها متطوعو القافلة من الخشب والصاج كبديل لأسقف الجريد والخوص التي لا تقي قاطني الدور المبنية من الطوب اللبن المطر والحر، وقد وجدت بعض هذه المنازل في قرى تقع على عمق 150 كم داخل الصحراء.
ومن أغرب المواقف التي واجهت الشباب كما يقول المتطوع رضا يحيى "سيدة فوق التسعين عامًا هجرها أبناؤها وتهدمت دارها، فاستضافها الجيران في دار قديمة لهم وقد تهدم سقفها أيضا، رفضت بإصرار أن نبني لها سقفا؛ لأنها لم تستأذن أصحاب الدار في ذلك وهم مسافرون، وبإيمان البسطاء قالت: يا بني أنا مش هاعيش أد اللي عشته، وأنا اللي يهمني دلوقتي آخرتي مش دنيتي".
الدعاء الذي كان يتردد على لسان "أم محمد" وزوجها وأولادها الأربعة والشباب يبنون لهم السقف: "ربنا يستركم دنيا وآخرة يا ولاد"، هو نفسه الذي راح يردده عم "أبو موسى"، وغيره من الأهالي، أما "أم حسين" فكان أغرب ما فعلته أن أقسمت على الشباب الذين يعملون في الحر أن يفطروا لأن لهم رخصة في الإفطار، وبالفعل أحضرت لهم أكواب العصير وزجاجات الماء، لكنهم أصروا على إكمال صيامهم، فيما راح زوجها يقص عليهم كيف يتجنبون الثعابين والزواحف التي تحويها أسقف الجريد والبوص والتي كان يراها تمر بجوار أبنائه وهم نائمون قائلا: "بنعزّم عليه (ترديد أدعية ومأثورات) فيمشي من غير ما يؤذينا، لكن المشكلة في المطر اللي بيغرقنا في الشتاء".
زغرودة حلوة
زغرودة مدوية تشق صمت ليل القرية النائمة وتوقظ أهلها الساعة الثانية بعد منتصف الليل، والأستاذ محروس الموظف بإحدى الهيئات الحكومية يستقبل شباب الخير الذي طرق بابه فجأة ليجدد أمل ابنتيه المخطوبتين منذ سنوات في إتمام زواجهما.
أحمد الصاوي (23 عاما) أحد مسئولي القافلة يصف الفرحة قائلا: "كنا نستعد لإنهاء أعمالنا والعودة، عندما وجدنا عددًا من الغسالات والبوتاجازات متبقيا لدينا، فرحنا نبحث عن محتاجين آخرين، وقررنا أن نذهب إليهم مهما تأخر الوقت، والأستاذ محروس كان من بين الحالات التي نراها مستحقة؛ حيث لا يزيد راتبه على 320 جنيها يدفع 170 منها إيجار سكن، ولديه ابنتان يتوقف إتمام زواجهما منذ 3 سنوات على الغسالة والبوتاجاز".
ويتابع: "لم يصدق عينيه حين فتح الباب ووجدنا أمامه، لدرجة أنه ظننا نمزح وهم بطردنا، وبعد أن شرحنا له الأمر دوت من داخل المنزل زغرودة رائعة أيقظت الجيران الذين أقبلوا يهنئونه".
العمة راضية
قبل أن يدخل الشباب الحارة الترابية الضيقة في الطريق إلى بيتها، يستوقفهم الدليل (مرافق من أهل القرية) مشيرا إلى عجوز ضريرة تتكئ على طفلة صغيرة وتتحسس طريقها بغصن خشبي جاف قائلا: "هذه هي العمة راضية".
تسارع إحدى الفتيات فتقبل يد العجوز وترافقها إلى دارها حاملة شنطة مساعدات تضم (3 كجم أرز، 2 معكرونة، 2 سكر، 2 بقوليات، 1 فول، علبة سمن أو زجاجتي زيت، 1 بلح)، والعجوز الكفيفة تردد بلهجتها المميزة: "ربنا ينصرك يا بنتي، عقبال كل سنة، السنة الجاية إن عشت آخد منك، وإن مت ربنا يسهل لك".
أما العمة أم عزيز، فقد استقبلت ابنتها (معاقة ذهنيا وكفيفة) الشباب الذين راحوا يصافحونها ويسألونها عن حالها وهم يقدمون لها شنطة المساعدات.
وبخلاف راضية وأم عزيز، كانت هناك آلاف الوجوه الريفية البسيطة المتشابهة والتي تستقبلك بابتسامة مرحبة مقسمة أن تبقى للإفطار معهم، بينما طيورهم التي تتجول في أنحاء الدور الطينية المتهالكة تتطلع بدورها للغرباء الذين عفر غبار الطريق وجوههم وملابسهم الإفرنجية.
نجاح رغم الصعاب
فاطمة الزهراء إبراهيم (23 عاما) مسئولة القوافل بجمعية رسالة فرع 6 أكتوبر، أكدت أن القافلة "كانت ناجحة رغم الصعوبات المتوالية التي واجهناها من أول لحظة وطأت فيها أقدامنا أرض الواحات وحتى آخر لحظة عدنا فيها".
وتوضح: "بعد أن كان هناك اتفاق مسبق مع المحافظ والجهات المعنية، وعدد من الجمعيات الخيرية في الواحات الداخلة والخارجة على تفاصيل القافلة ومساراتها، فوجئنا بأن كل هذا تغير، ومطلوب منا أن نذهب للواحات الخارجة أولا، ولم يكن هذا ممكنا حيث سبقتنا الشاحنات المحملة بالمساعدات على الداخلة أولا وفق الاتفاق".
وتتابع: "هذه المفاجأة جعلتنا نحاول تقريب الأمور قدر المستطاع، فقلصنا عدد المساعدات التي كانت متوجهة لقرى الداخلة ومن ثم لم تقدم لنا الجمعيات التي كانت ستستفيد من هذه المساعدات الدعم المطلوب لإقامتنا وتنقلاتنا الداخلية بحسب ما كان متفقا عليه، وانتقلنا سريعا للخارجة، ولكن تم وضع عراقيل إجرائية وإدارية في إقامة العديد من القوافل الطبية والمعارض، ولم نحصل على كل التراخيص الخاصة بحفر الحمامات ومد وصلات المياه".
ورغم ذلك -تضيف فاطمة- "فقد تمكنا من توزيع مساعدات عينية من شنط وجهاز عرائس ومراتب بـ68 ألف جنيه، وأسقف بـ23 ألفا، وتكلفت أعمال الماء ألفي جنيه".