عذراء عبداللطيف- الصباح
في يوم صيف حار دخلت احد المحال التجارية للتبضع فلفت انتباهي هيئة البائعة المغطاة بالسواد من رأسها الى اخمص قدميها فلا يستطيع الناظر لها ان يرى منها شيئاً
وعندما كنت احادثها بشان المبيعات اجابتني بصوت خافت حزين يخبئ خلف نبراته الحزينة قصة من قصص الارامل العراقيات.
في هذه الاثناء دخلت سيدة الى المحل توجهت مباشرة الى البائعة الحزينة و بدا من طريقة تحيتها معها انها من معارفها او صديقاتها وما ان سَألتها عن احوالها اجهشت المسكينة بالبكاء وسمعتها تقول للزائرة "لقد تعبت كثيراً ولم اعد استطيع التحمل" وراحت السيدة تواسيها بكلمات ترفع من معنوياتها.
بعد ان خرجت السيدة تبعتها واستوقفتها لاسألها عن قصة هذه البائعة الحزينة فقالت: " هذه المسكينة ترملت وهي لم تتجاوز ربيعها الثالث والعشرين،حيث فقدت زوجها على يد احدى العصابات الاجرامية التي اقتادته الى جهة مجهولة ليعثر عليه مقتولاً في احد الشوارع ،و ترك لها طفلين صغيرين لايفقهان من الدنيا شيئاً".وعندما سألتها عن سبب تغطية وجهها بالسواد قالت: "انها ما تزال في فترة الحداد على زوجها ،لكن الحاجة هي التي اخرجتها للعمل، فزوجها هو المعيل الوحيد لأسرته ولوالديه المسنين كما ان اهلها فقراء الحال بالكاد يستطيعون توفير لقمة عيشهم، ولكونها أبية النفس رفضت ان يتصدق عليها احد واختارت الخروج للعمل لتعيل طفليها ووالدي زوجها المسنيين . كررت زيارتي لهذه البائعة واقترحت عليها مراجعة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للحصول على راتب الرعاية الاجتماعية ليعينها على اعالة طفليها. وفعلا اخذت بنصيحتي ولكن بعد شهور من المراجعات وصرف الكثير من الاموال على اجور النقل والاستنساخ حصلت على راتب لايتجاوز ال(100) الف دينار !!!
ولااعرف ماذا تفعل امرأة تعيل عائلةكبيرة بهذا المبلغ والذي لايسد حتى احتياجاتها الغذائية ناهيك عن مصاريف الاطفال واجور المولدات الاهلية التي اصبحت ضرورة من ضرورات الحياة ؟
قصة هذه الارملة يمكن وصفها بالقصة النموذجية لما يقرب المليون ارملة عراقية حسب احصاءات وزارة التخطيط والتعاون الانمائي، الغالبية العظمى منهن لايمتلكن المؤهلات العلمية والمزايا المهنية التي تتيح لهن الانخراط في سوق العمل خاصة في البيئات التي تحكمها التقاليد العشائريةالمتزمتة التي تحرم المرأة من التعليم وترى ان موقعها الطبيعي هوالبيت. فماذا عسى على المرأة المسكينة ان تفعل في هذه الحالة وهي محاصرة بالجوع ومتطلبات معيشة اطفالها اليتامى؟ لقد اصبح الشعور بالاحباط والاكتئاب ملازما لاغلب الارامل الشابات اللاتي لايجدن الدعم الحكومي المطلوب و الذي يمكن ان يعينهن على مواجهة حياتهن بعد فقد ازواجهن ، كما اضطر هذا العوز الكثير منهن الى اخراج اولادهن من المدارس ودفعهم الى سوق العمل ليحصلوا على الاجر الذي يسد رمقهم فقد اشار تقرير مشترك صدر عن الامم المتحدة والصليب الاحمر ان 40% من اليتامى تسربوا من مدارسهم للمساعدة في اعالة اسرهم بعد فقد الاب المعيل.
هذا الوضع ينذر بعواقب اجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة في بلد مازال يحاول الخروج من بحر من المشاكل المتعددة ، و سُجلت بالفعل حالات اجتماعية تؤشر على ارتباط ظواهر الفقر والتشرد ونقص الدخل بازدياد معدلات العنف والجريمة الاجتماعية. من هنا تاتي ضرورة رسم السياسات والبرامج التنموية التي تضمد جراح الارملة وتخرجها من الواقع المرير الذي تعيش فيه وتجعلها وايتامها بمأمن عن دائرة الخطر والانحراف وتنتقل بها الى حياة مستقرة ولائقة .
ان رسم هذه السياسات والبرامج يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها ومنظمات المجتمع المدني معاً ،من خلال فتح مراكز تأهيل وتدريب لأولئك النسوة بما يساعدهن على ايجاد فرص عمل تؤمن لهن ولعوائلهن حياة كريمة، كما ينبغي على الحكومة منح الارامل امتيازات خاصة تعينهن على مواصلة حياتهن بشكل طبيعي .