بغدد - سعد صاحب- الصباح
أم هاشم امرأة مسنة تبلغ من العمر 70 عاماً من اهالي مدينة الثورة (الصدر حاليا) لها قصة طويلة من المعاناة مع مياه الشرب ،فهي تتذكر منذ ان جاءت الى بغداد مع عائلتها من الجنوب نهاية اربعينيات القرن السابق، وسكنت منطقة (العاصمة) (قريبا من مرقد سيد حمد الله الحالي )كانت تدفع (4 فلوس) في ذاك الزمان مقابل (الحصول على 4 براميل صغيرة من الماء الصالح للشرب) تشتريها من رجل عجوز يمتلك انبوباً للماء الصافي. وبعد ان انتقلوا من (العاصمة) الى مدينة الثورة بعد ان ارسى حجرها الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم.
لم تنته معاناة سكان العاصمة الفقراء اذ كان الماء شحيحاً، ولم تسمح الحكومة بسحب انابيب الاسالة الى بيوت معدودة، فما كان من ام هاشم الا ان تواصل شراء الماء الصالح للشرب بـ(3 دراهم) شهرياً من ام نعيم، استمر الوضع على هذا الحال منذ العام (1963) حتى العام(1965)، وبعدها تحسنت الامور نسبيا .واليوم تتدفق المياه من صنابير الاسالة بين المد والجزر ،ولكن ليس شحتها هي المشكلة الوحيدة التي تواجه سكان البيوت بل مشكلة التلوث حيث تاتي احيانا المياه ملونة بلون ورائحة المستنقعات الاسنة ما ادى ذلك الى ظهور الكثير من امراض الكلى والجهاز البولي نتيجة هذه التلوثات.
الفلاتر
الناس في البيوت.. بسبب تلوث الماء لجأت الى عدة اساليب للتصفية تفاديا من الامراض التي يمكن ان يسببها تلوث المياه ،ومنها الفلاتر التي تصفي المياه، اغلب هذه الفلاتر المستخدمة في البيوت صينية رديئة الصنع وهي من الدرجة الثانية او الثالثة ، فالدرجة الاولى منها تصدر الى دول اوروبا لتصفية مياه الشرب المستخدمة باستسقاء الحيوانات في مناطق الريف البعيدة حسب ما يقول تجار ومستوردون للفلاتر في سوق الشورجة ، تتراوح اسعار الفلاتر المتوفرة في السوق المحلي العراقي ما بين (20الى 60) الف دينار عراقي، وهي قصيرة العمر وتتعرض الى التلف عند الاستعمال المتواصل ، وتقتصر وظيفة هذه الفلاتر في حال صلاحيتها على مهمة تصفية المياه من الشوائب الطينية فقط، اي لاتقوم بتعقيم مياه الشرب من التلوثات، بحسب راي المهندس حميد حسن.
مقاولون بلا خبرة
المواطن اسماعيل حسن يعزو سبب عدم وصول مياه صالحة للشرب الى امانة بغداد من جهة والمواطنين انفسهم من جهة اخرى : الامانة بحسب قوله ترسي مقاولاتها عادة على مقاولين محليين ليست لديهم خبرة بشبكات الماء، ، ومن جهة المواطنين فان اغلبهم يفكرون بمصالحهم الشخصية فقط، على سبيل المثال: انتشرت في الاونة الاخيرة في المناطق الشعبية ظاهرة تقسيم الدار الواحدة الى دارين صغيرتين بسبب الكثافة السكانية في المناطق الشعبية خاصة ، فصاحب الدار الاولى يمتلك الماء والكهرباء والخدمات الاخرى، وصاحب الدار الثانية الجديدة لتامين وصول خط انابيب مستقل لبيته الجديد ، يقوم بحفر الشارع ليسحب من الانبوب الرئيس وهذا العمل سيلوث الماء الواصل الى الدار الجديد.
مشاريع فاشلة
المواطن حسين علي يرى ان التخصيصات المالية للمشاريع المائية قليلة ولاتفي بالمطلوب مع احتمال وجود فساد مالي يقلل من فائدة هذه المشاريع ، فالانابيب التي تستخدم في مشاريع المياه قديمه ومتآكلة، وهناك تهاون واضح بين المهندس المسؤول والمقاول ادى الى انجاز مشاريع فاشلة ، كما ان استخدام الانابيب البلاستيكية في المناطق الفقيرة تؤدي الى حصول التلوثات ، بينما تستخدم انابيب جيدة المناشئ والصناعة في المناطق الراقية وهي تقاوم الظروف الخارجية والتآكل وغيرها.
خطط امنية
مدير التخطيط في دائرة ماء بغداد التابعة لامانة بغداد المهندس رسول الكاظمي وضح لنا خطط الامانة في ايصال مياه صالحة للشرب للمواطنين في بغداد:لدينا ثلاث خطط: الانية والمتوسط والطويلة، الانية: معالجة الشحة التي تظهر في المناطق باستخدام المجمعات البسيطة بسعة(100 متر مكعب من الماء) في الساعة، المتوسط: انشاء مشاريع متوسطة الحجم تعمل على زيادة طاقة المياه الصالحة للشرب، وخطة طويلة الامد: انجاز مشاريع ستراتيجة كبيرة مثل ماء الرصافة، وعند تنفيذه بالكامل تنتهي شحة المياه في جانب الرصافة.في جهة الكرخ لاتوجد مشكلة، احيانا تظهر بعض المشاكل البسيطة كالتجاوز على الانابيب او عشوائية المواطنين في صرف المياه، هذه الاشياء وغيرها لا تؤدي الى شحة وتعالج باسرع وقت، والفضل يعود الى مشروع ماء الكرخ المنجز في العام (1985)، اما مشروع شرق دجلة في منطقة الرصافة كان من المفترض ان ينجز في العام (1990) لكنه اهمل من قبل النظام السابق وهو من المشاريع الكبرى في الشرق الاوسط، يعادل ضعف طاقة مشروع ماء الكرخ، بدأنا بتنفيذ المرحلة الاولى التي كلفتها (مليار دولار) ومدتها (28 شهرا) ولحظة الانطلاق كانت بتاريخ(23/ 12/ 2008) وتنتهي في العام (2011) والثانية تبدأ مباشرة بعد الاولى وتنتهي في العام (2014).
أنابيب مكسورة
معاون مدير دائرة ماء بغداد هاشم حسن سلط الضوء على المعوقات التي تمنع وصول مياه صالحة للشرب الى البيوت: الماء الذي يصل الى البيوت عن طريق الحنفية صالح للشرب، ولكن حينما يحدث كسر في الانبوب من قبل المجاميع التي تغسل السيارات في الشوارع، او بسبب التخسفات والقدم، هذه الاسباب تؤدي الى اختلاط ماء الشرب مع المياه الثقيلة وتجعلها غير صالحة، وفي هذه الحالات يجب غلي الماء، او تعقيمه بالحبوب الطبية وضمن قياسات يحددها الصيدلي، بعد هذه الاجراءات الضرورية جداً لصحة الانسان يمكن شرب الماء، ويبقى ماء الانبوب هو الاصلح والانقى.
ويواصل معاون مدير ماء بغداد كلامه :بعد احداث العام(2003) حاولنا تشغيل مجمعات مائية جديدة بطاقة (50) مترا مكعبا، في الساعة للمجمع الواحد لمعالجة الشحة في جانب الرصافة في مناطق: الفضيلية، سبع قصور، منطقة الاورفلي، منطقة الشماعية وشهداء العبيدي، بالاضافة الى تجديد شبكات الماء الصافي ومد الانابيب للاحياء الحديثة والمناطق المنسية والبعيدة.وانشأنا خزانات ارضية في منطقة النهضة والمشتل ومدينة الصدر، وهذه الخزانات مرحلية الى ان تستكمل المشاريع الكبرى، لاسيما مشروع مدينة الصدر الذي سوف يغذي مناطق الرصافة كافة، حالياً نغطي بعدم السماح للتجاوز على انابيب المياه او كسرها لاي سبب كان فالكسر يلوثها وتكون عرضة لامراض الكبد الفايروسي والكلوريا وغيرها من الامراض القاتلة.
العشوائيات
الكثير من المناطق العشوائية تشتكي من أختلاط المياه الجوفيه ومياه المجاري مع الماء الصالح للشرب، بعض القطاعات في مدينة الصدر تحسن وضع الماء فيها، والبعض الاخر لم يتحسن وضعها ومازالت تعاني من الرائحة الكريهة الموجودة في الماء، خصوصاً القطاعات البعيدة المحاذية للمناطق العشوائية الموجودة خلف السدة، هذه المناطق غير مشمولة بمد انابيب المياه اليها وتعتمد على حفر الابار الملوثة او شراء الماء من اصحاب السيارات الكبيرة ، هذه المناطق الشعبية المكتظة بالسكان انتشرت بها الامراض والاوبئه وتحتاج الى تدخل سريع من الجهات الصحية والبئية الحكومية.
مواصفات صحية
الدكتور المتخصص في طب المجتمع محمد جبر يرى ان المواصفات المثالية للماء الصالح للشرب يجب ان يكون عديم الطعم واللون والرائحة، وخاليا من الشوائب و المواد الكيمياوية ومن الجراثيم المرضية، يعقم بكميات محددة من الكلور ضمن المواصفات الصحية القياسية الصحيحة، الكلور يقوم بازالة الكدرة والعوالق الاخرى، وهذه المواصفات متوفرة في ماء الحنفية الواصل من دون مشاكل، وفي حالة الكسر والتجاوز يتلوث الماء ولابد من ايجاد طرق لتعقيمه وتطهيره.