بغداد ـ احمد عبد السادة / شذى الجنابي- الصباح
إنها جنة للبراءة الجريحة، هذا هو الشعور الذي ينتابك وانت تزرع خطواتك الأولى في مجمع الإمام الجواد لرعاية الايتام في مدينة الكاظمية، فعيون الأطفال اليتامى التي تستقبلك في حديقة المجمع الواسعة تشي بذلك وتحيطك بأصداء القصص الأليمة والغريبة التي عصفت بأعمارهم الطرية وفتحت أمام خطواتهم الخائفة بوابات المجهول الموحش وذلك قبل أن تفضي بهم الأقدار الى هذا المجمع المكتنز بالرحمة والحنان.
موطن مثالي
كان مجمع الجواد لرعاية الايتام الذي تم تأسيسه في عام 2005 – وهو من المؤسسات الخيرية والانسانية الكثيرة التي اسسها السيد الفقيه حسين اسماعيل الصدر والتي ما زالت في كنف دعمه ورعايته واشرافه – ، نقول كان هذا المجمع وما زال موطنا انسانيا مثاليا لرعاية الاطفال الايتام والمتشردين والضالين ولتضميد جراحاتهم واوجاعهم ولحمايتهم من مخالب عالمنا الملبد بالقسوة واللامبالاة والتحجر، وذلك فضلا عن كونه موطنا رحبا لتعليم هؤلاء الاطفال المساكين وتلقينهم دروس الحياة السوية من اجل تأهيلهم ودفعهم الى ان يكونوا عناصر فاعلة في المجتمع عندما يكبرون، وهذا الشيء اكده لنا مدير المجمع عباس فاضل ومسؤول المتابعة جمال حبيب المطيري اللذان التقينا بهما وتحدثنا معهما ووجهنا اليهما بعض الاسئلة من اجل معرفة كل التفاصيل المتعلقة بالمجمع.
مهام متعددة للمجمع
عند دخولنا الى غرفة مدير المجمع فوجئنا بوجود امرأة مسنة جالسة في الغرفة وبعد ان استفسرنا عن سبب وجودها اجابنا المدير بأن هذه المرأة هي جدة الطفل عبد الله احمد طاهر الذي وجدته عناصر من الشرطة ضالا في الشوارع فقاموا بجلبه الى المجمع وقد استقبلناه واعطيناه ملابس جديدة واخضعناه لفحوصات الطبيب، وقد عرفنا بعد ذلك منه بأن أباه وامه منفصلان عن بعضهما البعض وانه يسكن مع ابيه في حي العامل، وقد ضل الطريق عند محاولته الذهاب الى بيت امه في منطقة (الطوبجي)، واضاف فاضل قائلا: لقد اخذنا الطفل الى حي العامل من اجل ان يدلنا الى بيت ابيه وقد نجحنا بذلك وابلغنا اهله وسيتم ارجاع الطفل الى بيته بعد اجراءات مطابقة الوثائق والتأكد منها وابلاغ مكتب السيد حسين اسماعيل الصدر الذي نخضع لتوجيهاته وارشاداته، وان الحاجة (أم احمد) جدة الطفل موجودة لغرض التأكد من سلامة وثائق الطفل لتسليمه الى اهله، فمهام ادارة المجمع لا تقتصر على رعاية وتعليم وتأهيل الاطفال فقط وانما تمتد الى مهام التحري والتقصي عن اهل الطفل في حالة كونه ضالا فضلا عن تقصي حقيقة الكلام الذي يقوله الطفل، وقد حدثت حالة قبل ايام وهي حالة فتاة مراهقة هربت من اهلها وجاءت الى المجمع وادعت بأن امها راقصة وبعد التقصي اكتشفنا بأن هناك انفصالا بين ابيها وامها وانها تعيش في بيت زوج امها التي كانت امرأة بسيطة ومريضة وليست راقصة كما كانت تدعي ولذلك تم ارجاعها الى اهلها.
في سياق متصل أكد مسؤول المتابعة جمال المطيري بأن المجمع كان له دور في ارجاع العديد من الاطفال الضالين الى ذويهم، من هؤلاء الاطفال طفلة مسيحية اسمها (دالي عمانوئيل) وجدت ضالة في الحضرة الكاظمية وقد تم عرض ريبورتاج عنها مع بعض الاطفال في احدى القنوات التلفزيونية وحينها تعرف عليها صديق لابيها فتم تسليمها الى اهلها.
رعاية متكاملة
يقول مدير المجمع: ان ادارتنا توفر للاطفال مناخا عائليا مليئا بالحنان والدفء والمشاعر الانسانية لكي لا يشعر الاطفال بأنهم بعيدون عن جو العائلة، فنحن حريصون على الجانب النفسي عند الاطفال ولهذا نقيم لهم سفرات للتنزه في الحدائق وزيارة المراقد الدينية.
اما بخصوص الجانب الصحي والجانب التعليمي للاطفال فقد اكد مسؤول المتابعة بأن المجمع يحتوي على حضانة وروضة ومستوصف صحي ومختبر للتحليلات المرضية، فضلا عن مدرسة للتعليم الثانوي و (جامعة صدر العراق للاعلام والقانون) وهي كلية مرتبطة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومن مشاريعنا المستقبلية اقامة ورشة لتعليم الاعمال المختلفة كالنجارة والحدادة والخياطة وذلك بالتعاون مع بعض منظمات المجتمع لمساعدة هؤلاء الاطفال وتطوير قدراتهم.
وقد اوضح المطيري بأن المجمع يضم (55) طفلا يتيما يتوزعون على جناحين، احدهما للذكور والآخر للاناث، وتتناوب على رعاية هؤلاء الاطفال عدة مربيات صباحيات ومسائيات، وان هناك – فضلا عن هذا المجمع – اكثر من (170) مؤسسة خيرية وانسانية تابعة لمكتب السيد حسين الصدر في عموم العراق منها (دار الرحمة للمسنين) و(ثانوية للمكفوفين) وهي مؤسسات لا تعتمد على اي دعم مالي حكومي مثل سواها من المؤسسات التي تعمل في هذا المجال الانساني.
حكايات مؤلمة
فعيون الأطفال اليتامى التي تستقبلك في حديقة المجمع الواسعة تشي بذلك وتحيطك بأصداء القصص الأليمة والغريبة التي عصفت بأعمارهم الطرية وفتحت أمام خطواتهم الخائفة بوابات المجهول الموحش، وذلك قبل أن تفضي بهم الأقدار الى هذا المجمع المكتنز بالرحمة والحنان.
بعد ذلك قمنا بجولة في اروقة واجنحةوباحات وطوابق المجمع برفقة المدير الذي كان مرشدنا ودليلنا الى معرفة اسماء الاطفال واكتشاف جذور حكاياتهم الاليمة التي قادتهم الى هذا المكان الرحيم، من هؤلاء الاطفال خمسة اخوة واخوات هم ياسمين، وعذراء، وحوراء، ويونس، وياسر، وهم اطفال هجرهم ابوهم وبعد ذلك تركتهم امهم في المجمع متذرعة بأنها لا تستطيع اعالتهم، ومن الحكايات المؤلمة ايضا حكاية الطفلة زينب صباح مع اشقائها الثلاثة مصطفى وحسن واستبرق، وهم اطفال قتل ابوهم في عملية ارهابية في المقدادية بمحافظة ديالى كما توفت امهم في حادثة سيارة. وهناك حكاية الطفلة مريم التي جاءت الى المجمع عن طريق قناة السلام الفضائية في الفلوجة وهي مجهولة الابوين وقد تم استلامها وتسمية ابيها باسم (احمد العامري) المشرف العام على المجمع والمهندس المصمم والمنفذ لمبناه. وهناك حكاية مؤلمة اخرى هي حكاية الطفل مصطفى (5 سنوات) الذي توفي والده واصيبت امه بالسرطان وقد ترك عند الجيران قبل ان يتم جلبه الى المجمع.
اليتيم الوريث!
اغرب حكاية هي حكاية الطفل سيف، وتتلخص في ان أباه تزوج من امه من دون علم اهله وقد توفي الاب في تفجير ارهابي في الوقت الذي كانت فيه الام حبلى به. العنصر الاكثر مأساوية في الموضوع ان الطفل كان معاقا منذ الولادة فما كان من الام الا اللجوء لاهل زوجها المتوفي الذين انكروا زواجها من ابنهم فلما واجهتهم بالوثائق اقتنعوا بالامر لكنهم لم يتحملوا مسؤولية الطفل فأودعوه في المجمع. عنصر الغرابة في الحكاية هو ان ادارة المجمع استغربت من اسئلة اهل الطفل عن صحة ابنهم المعاق بين الفينة والاخرى من دون ان تكون عندهم رغبة برؤيته او استعادته، وبعد التقصي اكتشفت الادارة ان هذا الطفل هو الوريث الشرعي لاملاك ابيه العديدة، وان الهدف من اسئلة الاهل كان لمعرفة ان كان الطفل قد مات ام لا يزال حيا!!.
يحبون الرسم والكتابة
بعد ذلك سألنا زهراء نزار مكي معلمة الروضة في المجمع عن مستويات الذكاء والاستجابة عند الاطفال وعن المنهج الذي تتبعه في تعليمهم، فاوضحت بأن هناك عدة مستويات لاستجابتهم لما يتم طرحه فمنهم من يستجيب بسرعة ومنهم من يتأخر بذلك، وانها وضعت لهم منهجا لتعليمهم يتضمن دروس النشيد واللغة الانكليزية والآيات القرآنية والرياضيات (الارقام والاشكال الهندسية) والرياضة والرسم، مؤكدة بأن الاطفال يميلون دائما الى الرسم والكتابة. وقد اكدت المربيتان (انتصار شاكر) و(نوال عبود) على ان الاطفال يحبون التعلم وانهم الآن اكثر انتماء لهذا المجمع بسبب الرعاية التي يتلقونها فيه وبسبب شعورهم بأنهم ينتمون الى اسرة واحدة.